أوروبا تستعد لسبر أغوار المريخ

اكتشاف المريخ لن يبقى حكرا على الأميركيين

بايكونور - هناك في عمق سهول كازاخستان المشمسة، يتأهب مهندسو الصواريخ الروس لبدء العد التنازلي لانطلاق أول رحلة ملحمية في تاريخ وكالة الفضاء الاوروبية إلى كوكب آخر.
وحدد الخبراء يوم الاثنين الموافق الثاني من حزيران يونيو المقبل موعدا لانطلاق صاروخ من طراز سيوز-فريجات من قاعدة بايكونور الفضائية، حاملا المركبة المدارية أو المسبار "إكسبريس المريخ" الذي يزن 1.2 طن في رحلة إلى الكوكب الاحمر يقطع خلالها الصاروخ مسافة لا تقل عن 55 مليون كيلومتر.
والهدف الرئيسي من هذه الرحلة هو البحث عن وجود مياه في سطح المريخ وإنزال مركبة هبوط على سطح الكوكب الاحمر لفحصه عن قرب بواسطة المسبار المداري.
لكن إلى جانب جمع معلومات حيوية عن الكوكب الاحمر، فإن نجاح المهمة سيرسخ دور أوروبا ووكالتها الفضائية (إي.إس.أية) كلاعب جديد في استكشاف الكواكب.
وقال آلان فورنير-سيسر كبير ممثلي وكالة الفضاء الاوروبية في روسيا "هذا فتح حقيقي في تاريخ الوكالة".
وستقطع المركبة 10.800 كيلومتر في الساعة الواحدة بعد انفصالها عن الصاروخ، لتصل إلى المريخ في أقل من ستة شهور.
ويرى خبراء أن توقيت إطلاق المركبة حاسم للغاية نظرا لان الكوكب الاحمر سيصبح بحلول آب/أغسطس المقبل في وضع أقرب ما يكون إلى الارض على نحو لم يحدث منذ 17 عاما.
وبإطلاقه مبكرا عن موعد اقتراب المريخ من الارض، فإن المسبار يمكنه أن يأخذ طريقا أقصر إلى الكوكب الاحمر ليصله في أقصر فترة زمنية ممكنة وباستهلاك أقل كمية من الوقود.
وستقوم الاجهزة العلمية المزودة بها المركبة الفضائية المدارية بإجراء سلسلة من التجارب عن طريق الاستشعار عن بعد بهدف تسليط ضوء جديد على مناخ كوكب المريخ وتركيبته والجيولوجيا الخاصة به، بينما سيوفر عمل مركبة الهبوط صورة أفضل عن ماضيه الغامض.
وقال عالم الفضاء أوجستين تشيكارو بوكالة الفضاء الاوروبية خلال زيارة قام بها مؤخرا إلى بايكونور حيث يعمل منذ شهور 50 فردا من علماء الوكالة بحماس شديد لتجهيز المسبار "هذه المهمة تركز على فحص سطح الكوكب الاحمر واستكشاف وجود مياه أو حياة به".
وأضاف تشيكارو "نعلم أنه كان يوجد كثير من المياه على المريخ"، مشيرا إلى أن المهمة ستسعى الان إلى التحقق بشأن ما إذا كانت هناك حياة قبل جفاف سطح الكوكب من عدمه.
وتوقع تشيكارو بأن "نتائج المهمة إلى المريخ ستجعل العلم مشحونا بعمل كثير على مدى عشر سنوات قادمة على الاقل".
من جهة أخرى، يشعر المتخصصون الروس في مجال إطلاق الصواريخ والمركبات إلى الفضاء الخارجي بالثقة في أن الامور ستمضي بسلاسة بعد يوم من بدء تشغيل المحركات العملاقة للصاروخ سيوز.
وقال آليكسي فاسيلي رئيس عمليات الاطلاق بالمنصة رقم (6) في قاعدة بايكونور الفضائية الكازخية "إنها تمثل تكنولوجيا التجريب والاختبار".
كانت المنصة رقم (6) في قاعدة بايكونور قد شهدت وحدها 346 عملية إطلاق لصواريخ من طراز سيوز سواء كانت مأهولة برواد فضاء أو غير مأهولة، وذلك خلال الاربعين عاما الماضية.
ولكن فاسيلي أشار إلى تأدية صلاة صامتة بألا تتكرر ما أطلق عليه بكارثة المريخ لعام 1996 عندما فقدت روسيا مسبارا فضائيا خاصا بها في مراحله الاولى من الرحلة بسبب خلل في أحد محركات الصاروخ بروتون الذي كان يحمله.
والحقيقة أن تلك الكارثة لم تتسبب في إصابة آمال روسيا لاستكشاف الكواكب بالشلل فحسب، بل وأضرت بميزانيات الفضاء لعدد من الدول الاوروبية حيث كانت ألمانيا وفرنسا وفنلندا وحدها قد أنفقت نحو 200 مليون دولار على المشروع المنكوب.
ولا يزال الدرس من هذه الكارثة محفورا في الذاكرة إذ أن ثمن استكشاف الفضاء يمكن في حالة أي خطأ أن يكون باهظا وكانت آخر تلك الكوارث في عامي 1998 و1999 على التوالي عندما خسرت وكالة الفضاء الامريكية (ناسا) مركبتين لاستكشاف المريخ .
ويأتي المشروع الاوروبي في غضون أقل من أربع سنوات ليحمل الاسم إكسبريس المريخ. ووفقا لشركة استريوم للمشروعات الفضائية التي نفذت كثيرا من جوانب المشروع، فإنه رغم أن إجمالي تكلفة المشروع تبلغ 300 مليون يورو، "فإنه يعد الارخص كلفة حتى الان".
وتمثل المركبة وأجهزتها العملية المتطورة جهدا دوليا جماعيا حقيقيا، فهاهي كاميرا مجسمة ثلاثية الابعاد من ألمانيا وجهاز لوضع الخرائط الجيولوجية من فرنسا ومسبار لرصد مناخ المريخ من إيطاليا.
كما ساهمت إيطاليا بالاشتراك مع معمل الدفع النفاث في كاليفورنيا بالولايات المتحدة في إنتاج جهاز الرادار الخاص برصد وجود مياه في أعماق تحت سطح المريخ ببضعة كيلومترات.
أما مركبة الهبوط "بيجل2" التي تحمل اسم السفينة التي أبحرت بعالم الطبيعة البريطاني تشارلز داروين لاستكشاف مناطق مجهولة في أنحاء الكرة الارضية عام 1831 فقد صممت وأنتجت في بريطانيا.
ويذكر أنه قبل خمسة أيام من إطلاق الصاروخ في مدار محوري حول المريخ، فإن مركبة الهبوط بيجل-2 ستنفصل عنه لتهبط على سطح الكوكب الاحمر حيث من المقرر أن تلتقط له صورا فوتوغرافية وتأخذ عينات وتحللها تحت درجات حرارة متدنية للغاية تصل إلى 100 درجة مئوية تحت الصفر.
وسيتعين على مركبة إكسبريس المريخ إنجاز مهامها في غضون نصف عام قبل أن تهدد العواصف الترابية التي يشتهر بها الكوكب الاحمر بإصابة أجهزة القياس بالمركبة بأضرار فادحة.
وإلى جانب الاهداف العلمية للرحلة، فإن إكسبريس المريخ ستوفر أيضا خدمات اتصالات بالتتابع بين الارض ومركبات هبوط ستنشرها دول أخرى على سطح الكوكب، وبذلك ستشكل هذه المهمة نموذجا رئيسيا مثاليا للجهود الدولية في استكشاف المريخ.