سورية وإيران: بين تضارب المصالح وتحالف الإرادات

بقلم: محمد جمال باروت

يبدو أن التحالف الاستراتيجي الذي قام على مدى ربع قرن بين سورية وإيران، لم يعد بإمكانه أن يموّه تباين المصالح بل تضاربهما ما بين الدولتين. ولقد ظهر هذا التضارب بشكلٍ خاص قبيل وبعد الاحتلال الأنكلو - أمريكي للعراق، ذلك أن طهران اتخذت قبل الاحتلال موقف الحياد السلبي من الهجوم الأنكلو - أمريكي الوشيك يومئذ على العراق بين يوم وليلة، في حين اتخذت دمشق موقف المعارض الشديد، الذي انطوى على ما اعتبرته واشنطن تعاوناً عسكرياً وسياسياً مع بغداد. ولقد اتخذت كل من الدولتين موقفها في ضوء ما يمليه منطق المصالح بمعناها الجيو - سياسي الاستراتيجي، أي بمعنى منطق الدولة. فزوال نظام صدام حسين يعني لدمشق تغير التوازن واختلاله نهائياً لصالح إسرائيل، ومن ثمّ انتقال الضغوط الأمريكية بعد أن "بات الدب في الكرم أو في الديارات" إلى الهدف الثاني الذي كانت كل المؤشرات تدل على أنه سيكون دمشق وليس طهران، مع أن طهران موضوعة في إطار دول محور الشر بينما تم استبعاد سورية منه، ثم وضع بعض صقور الإدارة لها في محور ما وراء الشر، في حين كان هذا الزوال يعني لطهران شيئاً أكثر من التخلص من جارٍ "خطرٍ"، حطّم طموحاتها الإقليمية التاريخية في منطقة الخليج، ما دام العراق نفسه قد تم إخضاعه للاحتواء، وأضعفت قدراته نهائياً في "تهديد جيرانه" أي في مواصلة طموحاته الجيو - سياسية الإقليمية. ويكمن "المكسب" الاستراتيجي هنا على المدى البعيد في أن الإسقاط الأنكلو - أمريكي لنظام صدام حسين، قد فتح الباب أمام إيران لاحتمال تحقيق ما عجزت نظرية "تصدير الثورة" عن تحقيقه، يوم كان ذلك قاب قوسين أو أدنى. وفتح الباب أمام نفوذ استراتيجيٍ إقليميٍ إيرانيٍ في اللعبة العراقية بعد صدام حسين، شاء الأمريكان ذلك أم أبوا.
هذا ما يستطيع أن يفهمه كل من الإصلاحيين والمحافظين على طريقته، ولكن مؤداه واحد، سواء تم بلغة المرجعية المرشدة التي لا يستطيع مقامها أن يتكلم سوى بلغة المبادئ، أم تم بلغة المصالح الجيو - سياسية للدولة. وبهذا المعنى كان هناك تكامل وظيفي ما بين لغتي المبادئ والمصالح. وهو ما يفسر أن إيران لعبت دوراً "إيجابياً" مستوراً، ستكشف الأيام القادمة الكثير من فصوله المخفية، في تسهيل مهام الاجتياح الأنكلو - أمريكي، فلقد تقيدت بالفيتو الذي وضعته واشنطن على انخراط فيلق بدر الذي يمثل الذراع العسكري للمجلس الإسلامي الأعلى في العراق، ويتلقى كل دعمه من الحرس الثوري، كما لو أنه وحدة من وحداته، في العمليات، مثلما لم تقم التنظيمات السرية المحسوبة عليها والممتدة خيطياً في الداخل العراقي بأي عملٍ ينغص التوغل الأنكلو - أمريكي، فلقد كانت تعرف بشكلٍ مسبق أن نفوذها مضمون في مرحلة ما بعد صدام حسين بحكم قوة التيار السياسي الشيعي وليس بحكم رغبة الأمريكان، وعدم رغبة الرياض بلعب دور في العراق بعد صدام حسين. ومن هنا كان تفكيرها يقوم على أن الولايات المتحدة لن تستطيع هضم العراق، وأنه ما إن تتم انتخابات حرة حتى سيقع العراق في نفوذها، في حين أن الحكومة الناتجة عن هذه الانتخابات هي التي يمكن أن تعالج موضع فيالق مجاهدي خلق دون تدخل مباشر منها. لقد قامت إيران بإحناء رأسها أمام العاصفة كي تربح ما بعدها.
إن مثل هذا الدور التشاركي المسكوت عنه، هو ما اتبعته إيران في أفغانستان، ولكن بشكل صريح عبر الفصائل المحسوبة عليها في تحالف الشمال الأفغاني، ومبادرتها كأول دولة تعيد فتح سفارتها في كابول بعد الاحتلال. في حين قامت دمشق لأسبابها المختلفة كلياً عن حسابات طهران بكل ما ينغّص ويكدّر ويستفزالاجتياح الأنكلو - أمريكي، غير متوقعة الانهيار المفاجئ للدفاعات العراقية بالشكل الذي تم فيه، وعدم حصول معركة بغداد الكبرى. إن البراغماتية الإيرانية هي اليوم أكبر من أي وقت مضى، وهذا مفهوم في إطار منطق الدولة ومصالحها الذي ينتصر في كل زمان ومكان على منطق الثورة ومبادئها. ويغذيه اليوم الإصلاحيون الذين يستظلون تحت خيمة الرئيس خاتمي، والذين يمثلون كما تشير ورشات عمل مؤسسات التفكير الدفاعي والاستراتيجي للمحافظين الأمريكيين الجدد، التي عقدت في أوائل الشهر الجاري الوكلاء المعتمدين، في وصول الإصلاحيين إلى السلطة الفعلية، ومن هنا يمكن أن تدير واشنطن ما يسميه منظروها "المعركة الكبرى" ضد إيران ليس بطريقة الضربة الاستباقية بل بطريقة "الدبلوماسية الشعبية والعمليات السرية" على حد تعبير بيل كريستول كبير منظّري المحافظين الجدد، الذي لعب دوراً مؤثراً في تعجيل احتلال العراق.
أما الشأن الثاني الذي ناقشه خاتمي في دمشق، فيتعلق بطلبات باول، وحزب الله ومستقبل الصراع مع إسرائيل، وحكاية تنظيم منطقة الشرق الأوسط. وطهران هنا متحالفة مع دمشق، غير أن تمسكها بالثوابت لا يعني استعدادها للتورط في نزاعات إقليمية أو استراتيجية، مثل القضية الفلسطينية، فيمكن لإيران أن تقبل بما يقبل به الفلسطينيون، على طريقة طرح المؤتمر الوطني العراقي فيما إذا "ركّب" الأمريكان رئيسه أحمد الجلبي على رأس الحكومة أو الخارجية. فلم يعد الزمن زمن ثورات وتصدير أفكار بل زمن بحث كل دولة عن مصالحها دون أن يعني ذلك التضحية المعلنة بمبادئها. وبهذا المعنى فإن المقاومة اللبنانية التي تراها دمشق عنصراً استراتيجياً في توازنها الدفاعي مع إسرائيل، يمكنها أن تشكل عبئاً على الحسابات البراغماتية للإصلاحية الإيرانية، وعلى كل حال فإن الأمين العام للحزب هو وكيل المرشد وليس وكيل الإصلاحيين، الذين لا يجيزون التضحية بالمصالح من أجل المبادئ. إن كل تحسنٍ في موقع الإصلاحيين سيصب حكماً في اتجاه تعزيز هذه البراغماتية، بما يحتمله ذلك من لبننة حزب الله نهائياً. لا يعني ذلك أن التحالف الاستراتيجي بين دمشق وطهران قد انتهى، لكنه يعني أن ما يحافظ عليه اليوم في ظل تباين وتناقض المصالح الجيو - سياسية هو تحالف الإرادات التي ما تزال قوية في كل من دمشق وطهران، وربما هذا ما عبرت عنه زيارة خاتمي لدمشق. (أخبار الشرق) * كاتب وباحث سوري - حلب