اليمن: قرار الرئيس صالح بالعفو عن قائمة الـ16 يثير تساؤلات حول الدوافع والنتائج

صنعاء
الرئيس اليمني يسعى لتعزيز الجبهة الداخلية

أثار إعلان الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، العفو عن قائمة الـ16 المتهمين بإثارة الانفصال، وإشعال الحرب في عام 1994، وهي قيادات رفيعة في الحزب الاشتراكي اليمني، مقيمة خارج البلاد، منذ تلك الفترة، ردود فعل مختلفة، وتفسيرات متباينة في الأوساط السياسية اليمنية، خاصة وأن القرار جاء في ظروف إقليمية ودولية استثنائية، إضافة إلى ما أفرزته الانتخابات النيابية الأخيرة من متغيرات، لعل أبرزها انتقال المعارضة إلى مربع متقدم في معارضتها للسلطة، إذ وصلت في انتقاداتها إلى موقع الرئاسة، باعتبار الأخيرة تتحمل جزءا من المشكلات التي تعيشها البلاد، وهو مربع لم تجرؤ المعارضة على الاقتراب منه منذ تاريخ طويل.
نص قرار العفو الرئاسي على إسقاط عقوبة الإعدام عن نائب الرئيس السابق والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي اليمني علي سالم البيض، وحيدر أبو بكر العطاس، رئيس الوزراء السابق، وصالح منصر السيلي، محافظ محافظة عدن السابق، وهيثم قاسم طاهر وزير الدفاع السابق، وصالح عبيد أحمد، وإسقاط عقوبة الحبس مع النفاذ في حق كل من قاسم يحيى قاسم، ومثنى سالم عسكر صالح، ومحمد على القيرحي، والحبس مع وقف التنفيذ في حق كل من عبد الرحمن الجفري، وأنيس حسن يحيى، وسالم محمد عبد الله جبران، وسليمان ناصر مسعود، وعبيد مبارك بن دغر.
وقد شمل قرار العفو أيضا ثلاثة عشر شخصا باعتبار أن القضاء كان قد أصدر حكما ببراءة كل من قاسم عبد الرب صالح عفيف، وصالح شايف حسين، بينما قتل صالح أبو بكر بن حسينون أثناء الحرب.
وقد صدر قرار العفو عشية الاحتفال بالذكرى الـ13 لإعلان دولة الوحدة، وهو أيضا يمثل الذكرى التاسعة لإعلان علي سالم البيض قيام جمهورية اليمن الديمقراطية، في جنوب البلاد، والتي أشعلت حرب صيف العام 1994، وأودت بالمئات من الضحايا، وتكبيد اليمن مليارات الدولارات من الخسائر. ردود فعل من شملهم القرار ورغم الترحيب الحار بقرار العفو من الأوساط السياسية اليمنية، إلا أن هناك شخصيات ممن شملهم قرار العفو لا زالوا يريدون مزيدا من الخطوات، من قبل الحكومة. وأبرز هؤلاء أنيس حسن يحي، الذي كان يحتل رئيس مجلس الشعب في الحكومة الانفصالية، ومن قرأ قرار الانفصال، وزعيم فصيل حزب الطليعة الشعبية (البعث) داخل الحزب الاشتراكي اليمني، الذي أوضح في اتصال هاتفي من مقر إقامته في أبو ظبي في الإمارات العربية المتحدة، الذي عبر عن مفاجأته بالقرار، وتمنى أن يكون الرئيس صالح بقراره "قد تنبه إلى أهمية الالتفات إلى الحاضر والمستقبل وطي ملف الماضي".
وأعتبر القرار "إيجابياً وجسوراً، لأنه فعلاً يطوي صفحة سوداء من صفحات الماضي القريب، وينتقل بالشعب إلى رحاب المشاركة الوطنية السياسية في الحالة السياسية والمدنية". وعن حديث القانونيين عن أن القرار إيقاف للعقوبة فقط، قال يحيي "رغم أني لم أسمع بالخبر، ولكن إذا كان العفو جزئياً فإنه في هذه الحالة يعتبر ناقصاً، لأن المطلوب هو عفو يسمح لكل الأخوة الواردة أسماءهم في قائمة الـ16 بأن يتمتعوا بكافة حقوقهم السياسية والمدنية كافة". واعتبر أن القرار لن يكون إيجابيا ما لم يكن "عفوا شاملا".
وقال أنيس إذا صح عدم شمولية القرار، فإن عددا من المستشارين حول الرئيس "لم يقدموا المشورة السليمة والصحيحة، التي لا تعقد العلاقة بين أطراف القوى السياسية، وأنا تعاملت مع القرار كما بلغني من بعض الأصدقاء، بأنه عفو شامل، يعني تمكيننا من العودة الآمنة إلى وطننا، وتمكيننا من ممارسة حقوقنا السياسية والمدنية كافة".
وأعلن عبد الرحمن الجفري زعيم حزب رابطة اليمن، ونائب رئيس دولة الانفصال، ورئيس الجبهة الوطنية للمعارضة في الخارج (موج)، المقيم في جدة في المملكة العربية السعودية، ترحيبه بقرار العفو الرئاسي. وقال "نرحب بالخطوة الإيجابية، التي أعلنها فخامة الأخ رئيس الجمهورية اليمنية، عشية الاحتفال بهذه المناسبة الخالدة، وبالمرسوم الجمهوري المتعلق بحرب عام 1994 المقيتة، وبإسقاط الأحكام الناتجة عن المحاكمات، التي أجريت، والمتعلقة بهذه القضية السياسية المعقدة" .
وأعلن الجفري باسم حزب رابطة أبناء اليمن "رأي" دعمه لهذه الخطوة باعتبارها "أحد عوامل الترسيخ الأصيل لنهج ديمقراطي سوي، واعتراف بالآخر، وقبول به، وبالأدوار التي يمكن أن يؤديها". وأضاف قائلا "يعتقد حزبنا أنه من القوى السياسية، التي تستطيع أن يكون لها أداءً ملموسا في تفعيل هذا القرار في الاتجاه الصحيح، والمحقق للتوجهات، التي أعلنها حزبنا للنهوض بالوطن، وتأهيله للتعامل مع العصر وتطوراته، القائمة على التفعيل الإيجابي للعملية الديمقراطية، لتشكِّل النموذج السليم والصحيح" على حد تعبير بيان الجفري. موقف الحزب الاشتراكي في الداخل وفي أول رد فعل لموقف الحزب الاشتراكي في الداخل عبر الدكتور محمد المخلافي عضو المكتب السياسي للحزب، ورئيس الدائرة القانونية في أمانته العامة، عن ترحيبه بالقرار. وقال "إن قرار العفو، الذي أصدره الرئيس يعد مطلباً من مطالب الحزب الاشتراكي، منذ انتهاء الحرب، إذ طالبنا بعفو شامل، وإلغاء الأحكام، وبالتالي نثمنه كخطوة إيجابية، ونأمل أن يكون خطوة أولى نحو إيجاد تدابير لإيجاد سياسة تنهي آثار الحرب" .
وأضاف المخلافي "وبالنسبة للأحكام والعقوبات، فقد قامت بناء على تحميلهم جريمة الحرب والانفصال، وسقوط الأحكام، يعد سقوطاً للتهم". واعتبر المخلافي أن العفو العام عندما يلغي حكما يلغي كل ما يترتب عليه، وكأن الأمر لم يكن". واستدرك قائلا "سيبقى استخدام اللغة السياسية ضدهم، وهذه بحاجة إلى إنهاء".
وعن المصالحة الوطنية، التي يطالب بها الحزب الاشتراكي قال المخلافي "إن قرار العفو العام لا ينهي مطالبة الحزب بالمصالحة الوطنية، والعفو العام واحد من المطالب، التي يطرحها الحزب، ضمن المصالحة الوطنية".
أما القيادي الاشتراكي سالم صالح محمد، فقد نفى أن تكون هناك تسوية واتفاقا مسبقا مع الحزب الاشتراكي لاتخاذ هذا القرار. وقال "هذا القرار من أهم القرارات السياسية، التي أغلقت منافذ تجلب الشر، واتخذه الرئيس لوحده، على ضوء قراراته وفهمه". موقف القانونيين تجاه قرار العفو يعقد الدكتور محمد السقاف أستاذ القانون الدولي مقارنة بين قرار العفو الرئاسي الأخير وبين والقرار الجمهوري لسنة 1994 بشأن إعلان عفو شامل، إذ استثنى الأخير في المادة الأولى العناصر الانفصالية المحدد أسماؤها في أمر القبض القهري، الصادر من النائب العام للجمهورية بتاريخ 23 أيار (مايو) 1994.
بينما نصت بقية المواد على أن "يعفى عفوا شاملا عن جميع المدنيين والعسكريين، الذين وقعوا تحت هيمنة الشرذمة الانفصالية المجرمة، بأعمال وتصرفات مخالفة للدستور، ويعاقب عليها القانون. وبموجب هذا القرار يتمتعون بكامل حقوقهم السياسية والمدنية".
وقال السقاف "اتضح في القرار الجمهوري بالقانون نفسه أن العفو يعطي الحقوق السياسية والمدنية في هذا القرار، ربما في سياق خطاب سياسي لم يحدد ذلك". ويضيف "هنا في خطاب العفو الرئاسي يتحدث عن العقوبة، ولم يضف إليها موضوع حقهم في التمتع بكامل حقوقهم السياسية والمدنية، والسؤال المطروح هل أحد هؤلاء المعفي عنهم سيسمح لهم بممارسة كامل حقوقهم، سواء في الترشيح في منصب مجلس النواب، أو منصب رئيس الجمهورية".
ويرى الدكتور السقاف أن القرار ألغى العقوبة. وإذا كانت العقوبة تشمل حرمانهم من الحقوق السياسية والمدنية وإلغاء العقوبة، هنا يعني عودة تلك الحقوق. وأضاف "في أي عفو عام عندما تسقط العقوبة لا تسقط حقوق الأطراف الأخرى، التي تعتبر أنها تضررت من تصرفات المتهمين، لأنه بالإمكان أن تقول بعض العائلات بأنهم بسببهم فقدوا عدداً من ذويهم، ويطالبون بالتعويض".
وقال "القرار خاص من الجانب السيادي للدولة لا يسقط الحق على مستوى الأفراد، الذين تضرروا من الجرائم، التي يتهمون بها". ويضيف "كان المفروض أن يصدر قرار حين ذلك من مجلس النواب، يوجه التهم إليهم، ثم تنظر القضية، ويتم التصويت عليها، في حين أن تحويلها إلى قضية جنائية كان الغرض منه هو تجريدهم من صفتهم السياسية". وقال طالما القضية وضعت بشكل جنائي وقضائي من البداية، فالأصل أن يكون هناك نقض لهذا الحكم من محاكم النقض العليا. والمتهمون في الأساس لم يستأنفوا الحكم، واعتبروا حكم المحكمة ذاته غير دستوري وهذا صحيح". وأكد أن "القرار كان بقانون، فإنه لا يلغي إلا بقرار مماثل، والصلاحيات كما التعديلات ألغت هذا الحق للرئيس، فالمخول هو مجلس النواب" .
وعن تفسيره لصدور القرار في هذا الوقت، قال السقاف "في اعتقادي أنه وبعد أحداث العراق، وسقوط نظام صدام حسين، وبالتالي غياب أي معارضة في الخارج لا يمكن أن يستخدم كأداة ضغط في الخارج كبديل للسلطة الحاكمة، لأنه في هذه الحالة وجودهم في الخارج قد أسقط، وبالتالي من الأفضل أن يكونوا تحت تناول يدك، من أن يكونوا بيد آخرين، يمكن اللجوء إليهم في وقت الاحتياج".
ويختم السقاف بالقول "إن الحكم نفسه على مستوى المحكمة الابتدائية غير شرعي. وقد وضعت القضية وكأنها قضية جنائية، وهي بالأساس قضية سياسية، والغرض من هذا عدم تطبيق نصوص دستور الوحدة، التي توضح كيفية محاكمة المسؤولين السياسيين". أسئلة عالقة وكابوس النموذج العراقي ويرى سياسيون يمنيون أن صدور قرار العفو جاء في ضوء متغيرات كثيرة، ويضيفون أنه كان من المفروغ منه أن الرئيس صالح سيتخذ القرار. ولا يستبعد هؤلاء أن تكون هناك ضغوط سياسية إقليمية ودولية تعرض لها الرئيس صالح، لإعادة القيادات الاشتراكية المنفية. وكان قد سبق أن أوقفت دولة الإمارات المتحدة مخصصات دعمها لهؤلاء المقيمين على أراضيها، بينما أجرى الرئيس صالح اتصالا هاتفيا أمس مع سلطان عمان، حيث يقيم علي سالم البيض، أبرز الشخصيات السياسية اليمنية، ونائب الرئيس السابق، وقائد الحزب الاشتراكي اليمني، كما قام وزير الخارجية اليمني بإبلاغ السفير الأمريكي أمس بالقرار.
وتظل أسئلة عالقة ربما تجيب عنها الأيام القليلة القادمة: فما سيكون عليه وضع أنصار عبد ربه منصور هادي، نائب الرئيس الحالي، الذين جاؤوا إلى السلطة، عقب إزاحة الحزب الاشتراكي كممثلين عن جنوب اليمن؟، وهل سيمارس هؤلاء القادمين بالفعل أدوارا سياسية هامة على صعيد صناعة القرار في الدولة، كما كان يحدث قبل عام 1993؟، وماذا سيكون مستقبل اللقاء المشترك، الذي ضم أحزاب المعارضة، وخاصة الحزب الاشتراكي وحزب التجمع اليمني للإصلاح، في ظل دخول المتغير الجديد: قيادة الاشتراكي المنفية؟، وهل لجأ الرئيس صالح إلى هذا الخيار، من أجل إحباط أي تقارب جديد بين الحزبين، لاسيما أن الانتخابات أعطت مؤشرا قويا على إمكانية التعايش بين الحزبين المعارضين، وتعزيز تنسيقهم ليصل إلى درجة التحالف في المستقبل؟، وما علاقة كل ذلك بما يطرحه البعض من أن الرئيس صالح أراد بهذه الخطوة قطع الطريق أيضا على من يريد استخدام معارضة الخارج للتلويح بها في وجهه، وإعادة النموذج العراقي ثانية؟ (قدس برس)