الاستشراق.. جنسيا

دمشق

الغرب والعالم لم يكف العالم عن أن يكون مسرحاً للغرب وميداناً خصباً لتمثيلاته. وتمثيلاتُ الغرب للعالم هي تمثيلاته عن نفسه، مرآته التي لا يني يُشظيِّها ويُدْمي بها وجهه والعالم. وليست فكرة حاقدة أن يكون الغرب قدر العالم المشؤوم بل ربما هي أدعى للابتسام ، فما يحمل بين جنباته الموت يحمل الحياة أيضاً.
لم تكن الجيوش والحشود العسكرية وملحقاتها من إبادة ومجازر ... هي كلمة الغرب الأولى للاتصال/الانفصال مع/عن العالم بل هناك ما هو أبعد. فتحتَ "الصخب والعنف" يرقدُ فكر فيه ما هو صامت ومتكلم في آن، مناطق الصمت تدعم وتؤازر المعبَّر عنه، فكراً وواقعاً ولا يكون تواريها المزعوم إلا شدة فعالية، تبدو قعقعة السلاح وهدير المدافع مقارنة بها غباء بغباء .... لم تَحتَجْ انكلترا إلا لعشرات الآلاف من جنودها لتحكم بهم عشرات الملايين من الهنود .... لم يَحتَجْ كورتيز ليتغلب على سكان أمريكا الأصلانيين إلا إلى العبث بمفاتيح منظومتهم الرمزية ليقلب حالهم رأساً على عقب، فخلف الجندي الانكليزي وأشباهه يقف طابور طويل من كُتاَّب ومفكرين ورجال دين، يشيعون الصمت والقبول في البلد الأم، يسترون به دوي المدافع في بلاد ما وراء البحار. تقانة المكان إذا لم يكن المكان هو الحيز المادي الموضوعي فقط بل مضافاً إليه الخبرة البشرية التي تجعل منه فضاءاً اجتماعياً، فإن الاندياح الغربي صوب العالم اللاأوروبي ما كان ليتم دون الاقتران بخبرة بشرية أوروبية تقتحم الفضاء الأصلي وتزرع فضاءها الخاص مستفيدة من الخلل الناتج في توطيد فضاء استعماري ينشر عباءته فوق البلد المستعمَر من جهة ومن جهة ثانية فوق بلد المستعمِر نفسه بما يضمن الولاء والاستمرارية لمنظومته السلطوية. وبذا تتحول الخريطة الجغرافية إلى شكلٍ من أشكال التعبير عن القوة والسيطرة. فمن يحدد على خارطة العالم مساحة بيضاء، باعتبارها مجهولة، إنما يعقد العزم على اكتشافها وتجييرها لصالحه. ولن تكون الخطوط الوهمية للخارطة نفسها، التمثيلات على الورق، سوى التمزيقات الفعلية على الأرض، تمزيقات على صعيد الواقع وعلى صعيد الفضاء أيضاً. ومن هنا ينشأ صرح التباين الهائل بين الـ «هنا» والـ «هناك» وتمثل الجنسانية أحد أهم تعبيراته وأكثرها إضماراً ومضمونية، كونها الأشد التصاقاً بالسياسي ودلالاته. إنها – أي الجنسانية - القادرة على ترفيد وتشريب المكان بالمعنى بما يكسبه دلالات رمزية تشكل واسطة التعرف به، وبما يتيح بناءه وإعادة إنتاجه اجتماعياً عن طريق "أدوات وإستراتيجيات استطرادية يتم بها تكوين الفضاء كمكان" وهو الهاجس الأساس الذي يشكل محور الكتاب وعقده الناظم. سياسة الزمن عمَدَ علم الإناسة (الإثنوغرافيا)، كأحد استطالات السياسة الاستعمارية، إلى خلق فارق زمني بين مُنتج الخطاب الإناسي (المستعمِر) وبين موضوعه (المستعمَر) بإحالته الموضوع (أي المستعمَر) إلى زمن آخر مختلف وهو ما أسماه فابيان "سياسة الزمن". فمن غير الممكن تبعًا للفيزياء، وكذلك على ما يبدو للسياسة، أن يشغل جسمان حيزًا واحدًا من الفراغ في نفس الزمن ولذلك كان لا بد من خلق هذا الفارق الزمني المذكور والذي تم على أساسه إنشاء "مخطط وُضعت بموجبه ليس فقط ثقافات الماضي، بل كافة المجتمعات الحية، بشكل نهائي على منحدر زمني، تيار الزمن، البعض في أعلى المجرى، البعض الآخر في أسفل المجرى". كان الخطاب الإثنوغرافي - بحسب جميل شِك - على صلة مُضمرة بالخطاب الأيروتيكي رغم الادعاء الظاهري بعلمية موضوعية تتعرى فيها المسميات والصور الصريحة جنسيًا لأعضاء الجسد البشري (اللا أوروبي حصرًا) في سياق الخطاب، عن إثاريتها الجنسية لتثير برودًا علميًا زائفًا فيه الكثير من الادعاء والمراءاة. واللافت أن الطابع الانفجاري لهذا الخطاب لم يتطور عبر عشرات السنين بل حافظ على سطحية وضحالة مادته وابتذالها رغم - وللمرة الثانية - الادعاء بعلمية زائفة. (لابد من الإشارة في هذا السياق إلى شبكة الانترنت باعتبارها الحامل الجديد لأوصال الجسد البشري المقطَّع، بوجود مواقع عديدة تحاول أن تستنفذ كل الخيال والامكانيات على صعيد جنسانية الجسد الانساني عبر تخصيص صور تطال كل عضو من أعضاء الجسد على حد سواء للذكر أم للأنثى وبجميع الأشكال والأحجام والمقاييس وجميع الاحتمالات الممكنة للعلاقات الجنسية بين الجنسين. وشدة الاندفاع والتعطش لنقص الخيال لم تسمح حتى بالفرز العرقي على أساس استشراقي فالعرض شمل الجميع ولم يوفر أحدًا). وقد لاحظ شِك عبر مسحه لمادة كتابه تكرارًا في الموضوع لدرجة "تبعث على الغثيان" وكذلك لاحظ تناقضًا مذهلاً في التوكيدات والأحكام المتعلقة بـ "اللاأوروبي". إذ تتقلب المرأة الشرقية في مختلف الكتابات الغربية من رحلات وروايات وتقارير بين صفات القبح المفرط والجمال المذهل، القذارة الجسدية المشينة والاهتمام لدرجة الهوس بالنظافة، الشذوذ الجنسي والسوائية الجنسية، … وهو تناقض لا يمكن تفسيره من وجهة النظر التي ترى في تمثيلات الخطاب الاستعماري كلاً متجانسًا لدرجة الاتساق، إذ أن الشَواش والتناقض الراسخ فيه ليس تعبيرًا عن تفكك وضعف بقدر ما هو تعبير عن قدرة على التكيف والتلاؤم. فطرفا التناقض معًا لا يعبران عن حقيقة المرأة الشرقية مثلاً، بل هما غير معنيين بذلك أصلاً، ولذلك لا يتنافيان، بل يتآزران ويتبادلان المواقع في سياق التعبير عن واقع أوروبا وعن نظرتها إلى ذاتها من خلال إطلالتها التلصصية على الآخر و"أَخْرَنَته" (Othering) . فأن تكون المرأة الشرقية قذرة في الخطاب الأجانبي هو تعبير ضمني عن نظافة البورجوازية الأوروبية الصاعدة من جهة وعن الجهد الاستعماري باعتباره جالب النظافة والصحة إلى المستعمرات من جهة أخرى. وأما هوس المرأة الشرقية أيضًا بنظافتها الجسدية واستحمامها وبالتالي حمائيتها الجنسية وشهوانيتها المفرطة لدرجة الفسوق، فهو تعبير عن وعي البورجوازية الأوروبية "المُجِّدة، الُمضحية بنفسها واللاجنسية أساسًا" من جهة وتعبير عن عدم قدرة المستعمَر على حكم نفسه وانصرافه إلى الشهوات والبذاءات من جهة أخرى وبالتالي توافر المسوغ الأخلاقي لاستعماره واحتلال أرضه. هزيمة المجاز في تمثيل فج وشائع لدرجة الغثيان كان الاغتصاب رمزاً أثيراً من رموز العملية الاستعمارية للأرض لدى المستعمِر المنتصر وتعبيراً عن الرضة النفسية التي استتبعتها هذه العملية الاستعمارية ذاتها على السكان الأصلانيين. وفي الحالتين هي براعة خائبة للغة جريحة. في حالة المستعمِر يندرج الأمر في إطار السيطرة على المستعمَر الأصلاني وعلى ترتيب البيت الداخلي للمستعمِر ذاته، بالتأكيد على تشييء المرأة الغربية وعلى تهميشها بوصفها موضوع جنسي وهدف طبيعي للاغتصاب. وإذا كان ذلك متساوقاً مع الطبيعة الذاتية للنظام الاستعماري، فعلى أي أساس يمكن القبول باللقاء بين التوظيف الاستعماري لمجاز الاغتصاب و"الاستخدامات التقدمية" لذات المجاز من قبل الخطاب المضاد للامبريالية. وهنا يحذر جميل شِك من هذا الاستخدام الذي يغفل النتيجة المترتبة إذ "سواء كانت المرأة التي تُغتصب بيضاء أم سمراء أم سوداء، وسواء اُغتصبت من قبل رجل أبيض أم أسمر أم أسود، فإن المجاز في النهاية يعيد إنتاج النساء بوصفهن موضوعات [أشياء]". ولنا في ذاكرة قريبة وحارّة مثلاً ما زالت تمثيلاته مستمرة بطريقة مشابهة وأقصد الخطاب عن فلسطين، أو اغتصاب فلسطين، أو فلسطين المغتصبة، وعن الغاصب المحتل، وقصيدة مظفر النواّب، الرديئة، والمعروفة جيداً «القدس عروس عروبتنا» خير تعبير عن ذلك كله. مع ملاحظة أن ثمة انسحاب بطيء ولكنه مؤكد لهذه التعابير من التداول الرسمي والشعبي، إذ استنفذت اللغة هنا شحنتها العاطفية وفقدت مصداقيتها الموهومة أمام ثقل ووطأة المتغيرات. وكفت في الحالة الرسمية عن وظيفة الخداع وفي الحالة الثقافية والشعبية عن وظيفة الإيهام والإعلان الرّضي عن جرح عاطفي وعجز صميمي، وتم الاستفراد العلني بالشعب الفلسطيني الذي واجه ويواجه الواقع المرير من دون الحاجة إلى مجازات من قبيل مجاز الاغتصاب، الذي هو كأي مجاز تعبير عن علاقة مخلخلة مع الواقع هي علاقة عزوف وانسحاب الأمر الذي هو بعيد عنه كل البعد.
كتاب جميل شِك دعوة جدّية للتفلت من أَسْر الـ "هنا" و الـ "هناك" ، الـ "نحن" والـ "هم"، أسرٌ ارتفعت أسواره عالياً عبر مئات السنين من العمل الواعي وغير الواعي، في ذات الوقت، على كذبة امتدت لترسخ وتطالب بأحقيتها كحقيقة. ولن تجد الكذبة، أية كذبة، ميداناً أكثر رحابة من اللغة لتمارس فيه عنفها واستسلامها، قوتها وضعفها، نبلها وعهرها. لذلك كان الكتاب - حسب رغبة مؤلفه - دعوة لإطلاق بناءات تحررية وخَلق بُنى مقاومِة قادرة على إنشاء سرديات مختلفة يكون العالم على أساسها بلدًا للجميع، نقاط التمايز والخصوصيات القومية والثقافية فيه هي قنوات اتصال أكثر من كونها متاريس لحرب أبدية سخيفة. وعلى غير قصدٍ من المؤلف قد يَدفع الكتاب، بقراءة سريعة وسطحية، القارئَ إلى تَمثُّل الحَيف الذي أُلحق بـ "نا" من قِبلِـ "هم" على أنه الدعوة إلى مثل هذه الحرب وتلك مسؤولية ذلك القارئ وحده بالطبع. محمد غيث الحاج حسين - دمشق الاستشراق جنسيًا
اسم الكتاب الأصلي: The Erotic Margin
تأليف: إرفين جميل شِك
ترجمة: عدنان حسن
عدد الصفحات: (400) تقريبًا تضم (16) مصورًا
إصدار شركة قَدْمُس للنشر والتوزيع (ش.م.م)
بيروت، لبنان
الطبعة الأولى: 2003