العرب وازمة جامعتهم

بقلم: هشام القروي

لم تساهم الحرب ضد العراق في تقريب الشقة بين الولايات المتحدة ودول عربية مرتاعة كما لم يحدث أبدا من قبل مما قد يصيبها. بل على العكس، يبدو وكأن اقدام الرئيس بوش على مغامرة الاطاحة بنظام حكم عربي، بطريقة سافرة، ودون غطاء الامم المتحدة، وبالرغم من معارضة حلفائه الاوروبيين، أدى الى زرع الرعب في قلوب حكام عرب آخرين. وبالرغم من أن هؤلاء الاخيرين لم يكونوا ليحفلوا كثيرا او قليلا بما قد يصيب صدام حسين شخصيا، فانهم بقدر ما حرصوا على معارضة فكرة الحرب نراهم يتجنبون بعد وقوع ما وقع مجرد التفكير في الاجتماع لمناقشة الاوضاع العراقية المستجدة. وكانهم من خلال هذا الصمت يريدون أن ياخذوا فرصة للتفكير ومراجعة الحسابات. وقد يتساءل بعضهم، كما يفعل العديد من الفرنسيين الآن : هل كان حقا من الضروري ادانة التدخل الامريكي في العراق مسبقا بوصفه عدوانا، بغض النظر عن تعاون القوى العراقية المعارضة مع الولايات المتحدة وبريطانيا، من اجل اسقاط النظام؟ فاذا كانت السياسة هي التعبير عن مصالح معينة في فترة ما، فهل أخطأ بعض الساسة العرب التعرف على مصالحهم في ما يقع من احداث؟ ولعل أفضل ما يمثل سوء الحالة الراهنة هو الازمة الكبرى في العلاقات بين مختلف القوى العراقية التي ساهمت في اسقاط نظام صدام حسين وبين أهم المؤسسات الاقليمية العربية، الا وهي الجامعة.
في السابق، كانت الجامعة العربية تلام بسبب ان امينها العام لم يضع قدمه في بغداد منذ الفترة السابقة لحرب الخليج الاولى، مما جعل البعض يتهمونه بأنه يتجاهل الحكومة العراقية. وقد بقي الامر كذلك طالما استمر الحصار. أما اليوم، فان الجامعة تلام أيضا، ولكن للسبب المعاكس. وهو انها تجاهلت الشارع العراقي، أو انها لم تعطه حقه. وفي الحالتين، تبدو الجامعة العربية في واد، والشعب العربي في واد آخر.
وحقيقة الجامعة هذه هي شيء من حقيقة الوضع السياسي العام في البلاد العربية. فلو كانت الجامعة مؤسسة ديمقراطية، لما وصلت الى الجمود وانعدام الحس بنبض الناس، مما دعا البعض الى مقاطعتها- كما فعل ساسة عراقيون لهم وزنهم – أو الخروج منها – القذافي مثلا.
لم تكن الجامعة العربية أصلا مؤسسة على شاكلة المجلس الاوروبي، الذي يجتمع دوريا بشكل منتظم لحسم ما يتباحث فيه كبار الموظفين من كل بلد ثم وزراء الخارجية... بالرغم من ان الصورة توحي بذلك. والحقيقة مختلفة، حيث أن كل قرارات المجلس الاوروبي تحتاج الى مصادقة البرلمان الاوروبي لكي تصبح نافذة. فأين هو البرلمان العربي الذي يمكنه ان يناقش القوانين المقترحة ومختلف الاجراءات قبل أن تصبح قرارات؟ هذه المؤسسة التي من شأنها ان تعطي وزنا شعبيا وشرعية لقرارات مؤتمرات القمة ووزراء الخارجية العرب، لا وجود لها، ولم يفكر أحد في انشائها... وكأنه من البديهي تماما أن يقبل العرب نزول القرارات من "السماء" ابان المؤتمرات، وبقائها محصورة في الورق... حتى أصبح الناس يتندرون باجتماعات القمة العربية ويسخرون منها، بذلك القول الشائع: "اتفق العرب على ألا يتفقوا". بل يذهب بعض الملاحظين الى أن الولايات المتحدة هي التي أملت أحيانا على ممثلي الدول العربية ما ينبغي قوله في البيانات الختامية.
ما كانت الولايات المتحدة ولا اية قوة اخرى تستطيع أن تسخر من ممثلي الدول العربية لو كان الناس في العالم العربي يحترمون حقا مؤسسة الجامعة ويعلقون على قراراتها الاهمية التي يعلقها مثلا المواطنون الاوروبيون على القرارات المتخذة في بروكسل. وفي هذا السياق، يمكن أيضا أن نلاحظ أن الازمة بين بعض الزعماء العراقيين والجامعة، ليست في الواقع سوى ازمة ثقة بينهم وبين بعض الدول العربية. ومن ناحية اخرى، فاذا قيل ان فعالية الجامعة وبالتالي نجاعتها السياسية مفقودة، لأسباب هيكلية وتنظيمية، قلنا ان المسألة لا تتوقف عند هذا الحد. ولا اعتقد كذلك أن القضية متعلقة بشخص الامين العام. فقلد رأينا الامناء العامين يتغيرون ويتعاقبون، ولكن الجامعة لم تتغير، وبقيت غير ناجعة وغير مفيدة.
ومن ثم، ينبغي التفكير بطريقة جدية والكف عن التعلق بالسطحيات للتغطية على عمق الداء. فالدول العربية جميعا دون استثناء تحتاج الى جرعات من هذا الدواء الفعال الذي يسمى: الديمقراطية. فهذه الدول مريضة، وداؤها مزمن، ولا مخرج منه سوى بقبول ما لا مفر من قبوله احيانا، الا وهو النقد والنقد الذاتي.
وفي النهاية، فقبل التوصل الى انتخاب برلمان عربي – وهو ضرورة اذا كنا نريد عملا عربيا مشتركا له قيمة – لا بد أولا من ضمان أن يكون ذلك البرلمان شرعيا، لا صوريا. وكيف يكون ذلك اذا لم تكن البرلمانات المحلية أولا وبالذات ذات مصداقية غير مطعون فيها؟ أعتقد أن ما يحتاجه العرب قبل أي شيء هو تغيير ثقافي كبير، ينقلهم من حالة الاذعان اللانقدي لنظريات القرن التاسع عشر القومية والاسلامية والاشتراكية، الى وعي ليبرالي يجعل الديمقراطية وحقوق الانسان هما المطلب الاول. وهذا ما نراه قد بدأ منذ برهة، والحاجة الآن ماسة الى دفعه الى الامام. هشام القروي