المعرفة والسلطة: برنارد لويس .. الاستشراق في خدمة الإمبراطورية

بقلم: عمر كوش

خلال القرن العشرين، وخصوصاً في نصفه الثاني، كتب وقيل الكثير عن الاستشراق، وعن دور المستشرقين في خدمة الإمبريالية والتوسع الإمبريالي. تحضر في هذا المجال أعمال أنور عبد الملك وإدوارد سعيد، خصوصاً كتابي الأخير: "الاستشراق" (1978) و"الثقافة والإمبريالية" (1993)، التي أسست لنظرية الخطاب الكولونيالي، وجعلت إدوارد سعيد يحتل موقعه المتميز في النقد والدراسات ما بعد الكولونيالية.
وبعد تحول العالم إلى شكل جديد من السيطرة والحكم، إذ نشهد في وقتنا الراهن صعود إمبراطورية جديدة، يتعاظم دورها وسطوتها، يبرز من جديد دور بعض المستشرقين في تسخير المعرفة لخدمة السلطة الجديدة، بغية تقديم الإطار المعرفي النظري لتسيّد الإمبراطورية الجديدة، وتأكيد استحواذها على الكلية المكانية والزمانية في عالم اليوم. ويقدم برنارد لويس أنموذجاً لهذه الخدمة للنظام الإمبراطوري الجديد، ففي كتابه (ماذا كان الخطأ: التأثير الغربي والتجاوب الشرق أوسطي)، يخرج لويس عن حياده العلمي ونزاهته الأكاديمية ليقدم دعوة صريحة إلى التدخل في شئون دول الشرق الأوسط، تحت ذريعة "إقامة الديمقراطية" فيها، إذ يعلن أن سكان الشرق الأوسط، العرب والإيرانيين، فشلوا في اللحاق بالحداثة، وسقطوا في دوامة متزايدة من الحقد والغضب، وعليه يسعى في هذا المجال إلى توفير الغطاء الأخلاقي لمبدأ جورج دبليو بوش في "الضربة الاستباقية" و"تغيير النظام" في العراق، ولا شك أن فرحته عارمة بعد سقوط بغداد ونهب تراث العراق الحضاري والإنساني.
ورجل مثل لويس يعرف تماماً التاريخ المعقد والموقع الهام للشرق الأوسط، ويعرف كيف يسخر معرفته في تحديد الخطوة التالية "لبناء عالم أفضل لأجيال عديدة"، وهو يتجاوز دوره كمنظر ومدافع عن الكولونيالية، كما وصفه إدوارد سعيد، ليخطو خطوة باتجاه خدمة النزوع الإمبراطوري، والانتصار لحروب صقور البيت الأبيض، ولسياسات المحافظين الجدد، الذين رفعوا راية الحرب، بعد أن خرجوا عن أصولية جديدة، لا تختلف هذه الأصولية الجديدة التي يتحالفون معها و/أو ينتمون إليها، عن أصولية القاعدة وأضراب طالبان، وإن كانت تقف على التضاد والتقابل معها.
لقد أعلن لويس تفكك وموت العالم العربي منذ حرب الخليج، وقد يكون محقاً في ذلك للأسف، لكنه حق مبطن بباطل، إذ يعتبر أن إسرائيل وتركيا هما الدولتان الوحيدتان الناجحتان في منطقة الشرق الأوسط. ودعم موقفه هذا في مجلة (فورين أفيرز) في 1992 حين كتب: "إن غالبية دول الشرق الأوسط .. مصطنعة وحديثة التكوين وهي مكشوفة لعملية كهذه. وإذا ما تم إضعاف السلطة المركزية إلى الحد الكافي، فليس هناك مجتمع مدني حقيقي يضمن تماسك الكيان السياسي للدولة، ولا شعور حقيقي بالهوية الوطنية المشتركة، أو ولاء للدولة - الأمة. وفي هذه الحال تتفكك الدولة - مثلما حصل في لبنان - إلى فوضى من القبائل والطوائف والمناطق والأحزاب المتصارعة". ويطالب لويس في عدد من المقالات الولايات المتحدة الأمريكية بعدم إظهار الضعف تجاه العرب والمسلمين، ويدعوها إلى صرف المخاوف من إثارة غضب الشارع العربي، فهو يرى أن "لا شيء مهماً في ذلك الجزء من العالم سوى الإرادة الحازمة والقوة". وانتقد كثيراً الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، لأنه كان "أبكر من اللازم"، معتبراً أنه كان مؤشراً على الضعف، ودفع الفلسطينيين إلى إطلاق الانتفاضة الثانية اقتداء بحزب الله اللبناني. وبصدد العلاقة مع الغرب، يرى لويس أن شكاوى العرب والمسلمين من الغرب تفتقر في مجملها إلى أي أساس، كونها لا تتجاوز محاولة يائسة من مجتمعات فاشلة لتحميل قوى خارجية، خصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، مسئولية التعاسة التي صنعتها تلك المجتمعات لنفسها.
وفي المؤتمر الذي نظّمه معهد (أمريكان انتربرايز) في 3 تشرين الأول 2002 تحت عنوان "اليوم التالي: التخطيط لعراق ما بعد صدام"، طرح لويس نظريته القائلة بأن معارضة التدخل العسكري الأمريكي تعني رفض الديمقراطية في المنطقة. واعتبر أن غزو العراق يمثل "حملة للديمقراطية" تثير موقفين مختلفين من قبل الأمريكيين: الأول، يتلخص في أن العرب عاجزين عن إقامة الحكم الديمقراطي، وهم - أي العرب - مختلفون عنّا، وعلينا أن نكون، بمعنى من المعاني، أكثر معقولية في ما نتوقعه منهم وما يتوقعونه منا. ومهما فعلنا فإن تلك الدول ستبقى تحت سلطة طغاة فاسدين، وعليه فإن هدف سياستنا الخارجية يجب أن يكون ضمان أن يكونوا طغاة أصدقاء وليس معادين. بينما يختلف الموقف الآخر إلى حد ما، رغم أنه يبدأ من النقطة ذاتها تقريباً، وهي أن البلاد العربية ليست ديمقراطية، وأن إقامة الديمقراطية في المجتمعات العربية ستكون مهمة صعبة، لكن العرب قابلون للتعلم، ومن الممكن أن يتوصلوا إلى الديمقراطية، شريطة أن نرعاهم ونطلقهم بالتدرج على طريقنا هذا، ويخلص إلى أن هذا الموقف يعرف بـ "الإمبريالية". وهو نهج استعملته الإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية في بعض مناطق الانتداب والمستعمرات، وأدى إلى خلق حكومات على صورة حكوماتهما. فقد أقام البريطانيون في العراق وسورية وغيرهما ملكيات دستورية، بينما أقام الفرنسيون أنظمة جمهورية مفتقرة إلى الاستقرار. ولم تبرهن هذه الأنظمة على نجاح كبير، لكن مع ذلك هناك أمل.
ويعتبر لويس أن صعود الحركات الإسلامية وتراجع التيارين القومي والاشتراكي يقدم الدليل على أن الردود العربية والإسلامية على الهيمنة الغربية مغرقة في التعصب الديني اللاعقلاني، بدءاً من المقاومة الفلسطينية وانتهاء بالخطاب الفكري المعادي للإمبريالية. ولهذا يبدو لويس مرتاحاً لصعود زعامات من أمثال أسامة بن لادن، إذ وصفه بأنه ذلك "الصوت الشاعري البليغ المعبّر عن الغضب الإسلامي"، ويعتبره برهاناً على صحة نظريته.
لا شك أن الدور الذي يلعبه لويس قوي ومؤثر، وهو لا يستمد تأثيره من مقامه الأكاديمي وكتاباته الاستشراقية الغزيرة عن الإسلام والعرب فحسب، بل إن القوة في التأثير مرتبطة بجملة علاقاته القوية مع مجموعة من المحافظين الجدد وعناصر اللوبي الصهيوني، خصوصاً المتشددين الذين يحتلون مناصب هامة في الإدارة الأمريكية. ويقدم لويس في هذا المجال غطاء علمياً وعلمياً لنشاط اللوبي الداعي بحماسة وعلنية إلى إعادة رسم وصياغة الخريطة الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط، وبما يخدم إسرائيل ومستقبلها، وبالتالي فهو يدفع بقوة نحو تعجيل الحرب الأمريكية ضد العراق، واتباعها بحروب أخرى قد تطال دولاً عربية أخرى. (أخبار الشرق) * عمر كوش‘ كاتب سوري