لماذا يا لارسن؟

بقلم: نضال حمد

نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" مقالة للموفد الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط تيريه رود لارسن بعنوان " شباك فرص خارطة الطرق".
انسابت كلمات لارسن في مقالته بشكل معقول ومقبول حتى وصل إلى الفقرة التالية: "وتحتم هذه العملية توفر النوايا الحسنة في الجانبين". وهذه امنية ومتوازنة ومقبولة، جعلت لارسن يتابع: "يتحتم على إسرائيل العمل بشجاعة لإخلاء المستوطنات".
هذه كلمات مسؤولة، لأن المستوطنات كانت ولا زالت وستبقى عقدة في وجه أي حل سلمي لا يأخذ تفكيكها وإزالتها بعين الاعتبار ويضعها في سلم أولويات السلام. وعندما يذكر لارسن المستوطنات إنما يذكّر إسرائيل بأن الحل مستحيل بدون إزالتها. وهذا من أهم ما تحدث عنه موفد الأمم المتحدة في مقالته.
في نفس الفقرة كتب لارسن ما يلي: "كما أن قضايا الحدود ومكانة القدس والحل العادل لأزمة اللاجئين منوطة باتخاذ قرارات صعبة"، في تأكيد واضح على أن هذه الأمور تقع في صميم عملية السلام ولا يمكن أن يكون هناك حل عملي وفعلي لمشكلة الشرق الأوسط بدون أخذ هذه القضايا على مجمل الجد، والعمل المخلص والحقيقي من أجل حلها حلا جذريا، يضمن نظافة ونزاهة الحل.
وما قضية اللاجئين الفلسطينيين إلا واحدة من القضايا العالقة التي تتحمل مسئوليتها الأولى والأساسية السلطات الإسرائيلية، التي استولت على بيوت وأرض هؤلاء اللاجئين، فكانت السبب في نكبتهم وتشردهم ولجوئهم الذي لازال مستمرًا وحاضراً منذ أكثر من 55 عاماً.
في هذه القضية لا يوجد لدى الفلسطينيين ما يتنازلون عنه، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن أماكن سكن هؤلاء الفلسطينيين لا زالت بمعظمها فارغة وتنتظر عودة أصحابها الحقيقيين الذين طالت غربتهم وطال تشردهم وكبرت معاناتهم، فهؤلاء ذاقوا ويذوقون الأمرين في لجوئهم المستمر في دول الجوار، حيث عوملوا معاملة لا تليق بالبشر، ولا زالت بعض الدول العربية تحجم عن الاعتراف بحقوقهم الإنسانية والطبيعية، كما أنهم لا زالوا منذ أن لجأوا من فلسطين - التي احتلت وتحولت بالقوة لإسرائيل - يعيشون على نفس المساحة التي خصصت لهم ولمخيماتهم بعد النكبة.
لا أحد يلتفت إلى اللاجئين أو حاجتهم للعيش كباقي الناس، بانتظار حل مأساتهم الإنسانية، التي هي سياسية بالدرجة الأولى. فالمعونات التي تقدمها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أصبحت - منذ اتفاقية أوسلو التي كان للارسن بصفته وسيطًا نرويجيًا دور مهم فيها - شحيحة وضئيلة ولا تكفي لسد حاجات اللاجئين في مخيماتهم. كما أن هناك قرارات دولية صادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي التابع لها. وهذه الهيئة الدولية تتحمل المسئولية التاريخية والقانونية أيضًا عن مصير ومستقبل وحياة اللاجئين وتطبيق حقهم بالعودة والتعويض، لأنها هي الجهة التي أخذت على عاتقها تشريع اقامة إسرائيل على الأرض الفلسطينية بعد ان قسمتها بين اليهود والعرب.
وإذا كانت حجة إسرائيل أن المساحة ضيقة والدولة صغيرة فلماذا تواصل إسرائيل نفسها تجميع اليهود وتشجيعهم على الهجرة والاستيطان، بينما هي نفسها ترفض فكرة عودة اللاجئين بادعاء أنه لا يوجد مكان لهم في أراضيهم التي استولت عليها بالقوة.
في دراسة مميزة وهامة أعدها الباحث الفلسطيني سلمان أبو ستة نتبين أن إمكانية عودة اللاجئين إلى ديارهم ممكنة لأن معظم مناطقهم لا زالت تنتظر عودتهم ولم يتم استعمالها من قبل السكان اليهود، هذا بالإضافة لكونها عودة قانونية ومقدسة.
في مقالته يورد تيريه رود لارسن كلاما أتسم منذ البداية بالانحياز والانحراف عن لغة الحياد، فقد كتب لارسن مضيفا: "يمكن لمن يعارضون الخطة القيام بعمليات مسلحة - وقد شاهدنا بألم العملية الانتحارية القاتلة التي وقعت في تل أبيب بعد ساعات من قليلة من منح الثقة لحكومة أبو مازن. يتحتم على السلطة الفلسطينية استخلاص القانون مع أمثال هؤلاء المجرمين وبذل كل ما يمكنها لمنع تكرار مثل هذه العملية".
طبعا كلنا نعلم أن موضوع العمليات الفلسطينية معقد ولا يمكن للسلطة الفلسطينية وحدها أن تجد له حلا سحريا، فالسلطة مفتقدة للبنى التحتية وهي محاصرة، بعدما قامت إسرائيل – "المسالمة جدا" حسب تقييمات لارسن في مقالته - بتدمير البنية التحتية الفلسطينية واغتيال واعتقال وتصفية وشرذمة كل أجهزة السلطة الفلسطينية التي كانت تستطيع فعل شيء ما لمنع العمليات.
هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى فأن إسرائيل نفسها تمارس أعمالا إجرامية مسلحة تفوق بكثير بعض العمليات الفلسطينية والتي لم تكن كلها ضد المدنيين الإسرائيليين، فهناك عمليات إستشهادية أو انتحارية حصلت في المدن الكبيرة واستهدفت تجمعات للجنود أو مجموعات للجنود كانت في المقاهي والباصات والأماكن الأخرى. والفلسطيني لا يملك الطائرات ولا الأباتشي حتى يقوم بعمليات خاصة تستطيع الوصول للجنود والعسكريين الإسرائيليين، ورغم هذا فأن إسرائيل قامت بعشرات أو بمئات العمليات التي استهدفت مدنيين وعسكريين فلسطينيين في بيوتهم أو مكاتبهم أو على الشوارع وبين البيوت وفي الأحياء السكنية، متسببة في قتل المئات من المدنيين الفلسطينيين في سلسلة من المجازر والمذابح، منها على صعيد المثال لا الحصر مذبحة مخيم جنين التي وصفها لارسن نفسه بعد وصوله للمخيم المنكوب، وكأنها زلزال أو هزة أرضية ضربت المنطقة، لكنه عاد وسحب تصريحاته بعدما أدانته إسرائيل إدانة شديدة وقاطعته حكومتها وتعاملت معه معاملة القطيعة.
على لارسن وغيره من المبعوثين الدوليين احترام مشاعر الضحايا الفلسطينيين والمعاملة بالمثل وتسمية الطرف الآخر الذي يمارس الأجرام والإرهاب وسياسة تدمير البيوت واغتيال وتصفية البشر وضرب المدنيين وقتلهم بالعشرات من اجل اصطياد مطلوب أو ناشط فلسطيني، على الأقل بنفس الأوصاف والتسميات التي يطلقونها على الفلسطينيين بعد كل عملية تحصل ضد الإسرائيليين.
وأخيرا نتساءل: لماذا لم يكتب لارسن مقالة جديدة يحكي فيها عن المجرمين الذين ذبحوا الناس في حي الشجاعية ومن بينهم ثلاثة أطفال صغار بين أحضان أمهاتهم. لماذا يا تيري رود لارسن لا تجرؤ على الكلام حين يتعلق الأمر بإسرائيل التي ترفض كل حلول و خطط السلام؟