وماذا تفعل بذراعين.. يا علي؟

بقلم: بثينة الناصري

عندما أنزلت أمريكا علينا الحرية والديمقراطية.. صار علي إسماعيل عباس رمز العراق الجديد. كان قد ولد قبل 12 عاما في أول أيام الحصار.. وكان له بيت وأبوان و أشقاء، وكان في البيت سيارة وكومبيوتر.. وكان علي يقضي سنوات حصاره يلعب العاب الكومبيوتر ويحلم بأن يعلمه أبوه قيادة السيارة حين يكبر.
ولكن السيد بوش كان له رأي آخر.. كان يرسم مستقبلا آخر للفتى علي.. ولهذا أرسل إليه لعبته المفضلة: قنبلة ذكية أحرقت البيت بمن فيه.. كانت لحظة الخلاص التي وعد بها بوش العراقيين.
وهكذا تحول علي إلى يتيم.. مشرد.. ومعوق.. فقد اختصر جسده النحيل إلى جذع يشبه الصليب.. صليب السيد بوش طبعا.. بقايا ذراعين مشبوحين وجسد احترق نصفه.. ولم يبق سليما إلا الرأس وعينين واسعتين تلوح فيهما أطياف نخيل العراق وهي تتلألأ على مياه شط العرب.
في لحظة «تغيير تاريخي» صار علي حفيد الحسين الشهيد الذي وعد بوش بتحرير ملته... صليبا تنوء بحمله ضمائرنا.. وكان الجميع حاضرين في مشهد صلب علي عباس.. اليهود ويهوذا والمتفرجون.
ولأن عليا ظل يتأوه على الشاشات العربية وتطل عيناه العراقيتان على بعض صحف الغرب.. فقد تبرع أشقاؤنا في الجنوب باستضافته وعلاجه، وهم عرب سارت بأخبار كرمهم الركبان.. حتى ليقال والله اعلم أن مضايفهم يمكن أن تتسع لربع مليون ضيف.. وكان آخر ما سمعناه من علي قبل أن يدخل مضارب الأشقاء في الجنوب وتنقطع أخباره عنا تماما – تساؤلاته: لماذا قتل الأمريكيون جميع أهلي؟ وأين سأذهب عندما أعود إلى بغداد؟ وكيف سأقود سيارة أبي؟ وكيف العب العاب الكومبيوتر بدون أصابع؟ وهل ستزرعون لي ذراعين؟
ولأن عليا.. صغير السن لا يتجاوز عمره سنوات الحصار.. فإنه ربما لم يفهم أن الوقت ليس مناسبا لطرح مثل هذه الأسئلة العجيبة، في حين ينهمك الجميع دولا وشعوبا في تنصيب حكومات ورسم خرائط وبناء قواعد وتوزيع عقود.
ولكن لأن عليا صغير السن، لا يفهم العاب الكبار، فهذه محاولة لإجابته بشكل مبسط ومفهوم من اجل أن يفهم ويكف عن طرح أسئلة ليس هذا وقتها.
علي.. حاول ان تتوقف قليلا عن التشكي او عن الغياب عن الوعي بين فينة وأخرى، كي تسمعني وتفهمني، لأني سأقول لك الحقيقة التي لن تسمعها من غيري.
ان ما حدث لك شيء عظيم ورائع اسمه «حرية وديمقراطية». عليك أن تفخر أن السيد بوش رئيس اكبر دولة في العالم قد اختارك أنت دون سواك يا علي.. ليجعل منك أيقونة القرن الأمريكي الجديد. ماذا تعني أيقونة؟ تعني رمزا لشيء نعتز به.. لقد تحولت إلى كائن جديد.. بدون ذراعين.. بجسد محترق.. ورأس كبيرة. أنت رمز العراق الحر.. يمكنك أن تتخيل صانعي التماثيل وهم ينحتون نماذج كثيرة منك لتزين بيوتنا ومياديننا.. وسوف يتقاطر السياح لشرائها. أليس هذا شيئا رائعا؟
لقد كان السيد بوش شديد الرحمة بك.. ينبغي أن تعترف بهذا. فقد وجد أباك يضيق عليك الخناق أحيانا.. فخلصك منه.. ووجد أمك تفرط في حمايتك دائما فخلصك منها.. ووجد أخاك الصغير ينازعك اللعب ويعبث بدفاترك.. فخلصك منه.. ووجد أن بيتك عتيق الطراز لا يناسب العهد الجديد.. فخلصك منه.
ها أنت أخيرا.. مطلق الحرية.. فاقد الذاكرة.. لتبدأ حياة جديدة. لقد منحتك الحرية أسرة خيرا من أسرتك البائدة: عندك الآن العم جورج والعم ديك والجد دونالد والخالة كونداليزا والخال كولين.. وهم أناس مرحون وطيبون ومتحضرون.. ولهذا فقد تعهدوا أن يمنحوك حرية اختيار أي رصيف من أرصفة بغداد لتقيم فيه.. لتشم هواء الحرية الطلق.
ولكن يجب ان تعترف بأن افضل ما فعله العم جورج لك هو انه أراد أن يريحك تماما.. فخلصك من عبء ذراعيك. يا للروعة! (كما هتف صديق لنا).. الآن لن يكون عليك أن تسهر الليالي لكتابة واجباتك المدرسية الثقيلة! ولن يكون عليك حين تكبر أن تمسك منجلا لتزرع أرضا أو مسطرة لترسم طريقا أو تحمل حجرا لتبني دارا أو تدير عجلة لتضخ نفطا.. لقد تكفلت شركات العم جورج بكل ذلك.. بل أهم من كل هذا، انه حفظ لك كرامتك فلن تكون مضطرا - مثل الآخرين أصحاب الأذرع - لرفع الراية البيضاء كلما عن لك أن تذهب إلى البقال. أو تضطر لرفع ذراعيك إلى الأعلى عند نقاط التفتيش على ناصية كل شارع.
هل ترى يا علي؟ انك لست بحاجة الى ذراعين.. ماذا كنت ستفعل بهما على أية حال؟ هل طاف في رأسك الفتي أحلام احتضان حبيبة في أيام قادمة؟ اطمئن.. لن تجد حبا في عالمك الجديد، فكل وصايا الأناجيل الجديدة تصرخ: اقتل.. اقتل.. اقتل.
ماذا كنت ستفعل بذراعين حقا؟ هل تريد أن تأكل بهما؟ لانقلق كثيرا لأن أبناء عمومتنا في الجنوب سوف يتكفلون بتركيب ذراعين جديدتين اكثر حضارة وتمدنا.. خطافين لامعين من معدن لا يصدأ.. ينتهي الخطاف اليمين بكلاب معقوف يمكن غرسه بسهولة في ساندويتش ماكدونالد، والخطاف الأيسر ينتهي بحلقة مقفلة تسمح بالقبض على زجاجة الكوكاكولا.
أليس هذا شيئا رائعا يا علي؟ أخيرا.. ماكدونالد حقيقي وليس كذلك الصنف الذي كانت أمك تضحك به عليك.. وكوكاكولا حقيقية ليست مثل تلك التي كان العراقيون طوال سنوات حصارك يغشونها.
لقد كان العم بوش صادقا في وعده.. ألم يعدك بالرفاهية؟
والآن وأنت تجلس على الرصيف.. تنشب خطافا حديديا بماكدونالد ويحيط الخطاف الأخر زجاجة الكوكاكولا.. يسيل الكاتشاب على ذقنك وقميصك دون أن توبخك أمك على قلة انتباهك.. أرجو أن تكون قد أدركت الآن جيدا يا علي.. معنى الحرية!
أما الديمقراطية.. فهي أن تجلس على الرصيف بمطلق الحرية.. تأكل الماكدونالد وتشرب الكوكاكولا.. وأنت تتفرج على التلفزيون العراقي الجديد. وبدلا من أن ترى شخصا وحيدا يتحدث إليك كالسابق.. سترى الآن اهلك الجدد: جورج ودونالد وديك وكوندي وكولين.. وهم يحدثونك عن السعادة والرفاهية التي ترفل بها ويخبرونك بكلمات حاسمة بما يدبرونه لك وكيف يخططون لك مستقبلك ويرسمون لك حياتك ويختارون لك أصدقاءك وأعداءك.
وهذه.. يا علي.. هي الديمقراطية..
علي.. علي.. ها أنت تروح في إغماءة أخرى! * بثينة الناصري، كاتبة عراقية تقيم في القاهرة