جورج بوش - قائد لحرب لا تنتهي

بقلم: فلاديمير سيمونوف

لدى جيسيكا لينش، الجندية الاميركية التي أسرت في العراق والتي أصبحت مشهورة في الآونة الاخيرة بفضل تمكن القوات الخاصة من اطلاق سراحها، شقيقة صغرى اسمها براندي. في هذا العام ستتوجه براندي ايضا الى الخدمة العسكرية. فهي ليس لديها ما تفعله غير ذلك في بلدتها "الام ويرت" في ولاية فرجينيا الغربية. هذه البلدة حيث يعيش 6 آلاف اميركي تتصف بالافلاس الشامل. فصناعة البناء قد انهارت والبطالة تفوق بمرتين المستوى القومي، فيما المؤسسة "الحية" الوحيدة على صعيد الصناعة التحويلية فتتمثل بالمشغل الحرفي الذي يعنى بصناعة الديوك الفخارية.
"ماذا يعنينا ذلك الانتصار في العراق؟" يتساءل في قلوبهم مواطنو الجندية الشجاعة لينش. "الافضل ان تقولوا لنا متى ستبدأ عملية احياء الزراعة في فرجينيا الغربية وكم كلفة ذلك؟"
ان مثل هذه الامزجة تراها اليوم على كافة مساحة الولايات المتحدة تقريبا. فالادارة بعد ان طوحت بتماثيل صدام حسين، عادت الى الشؤون المنزلية ولا سيما الى المسألة رقم واحد: الوضع الاقتصادي البائس. وفيما مؤشر تصنيف جورج بوش داخل البلاد وصل الى حدود 73 بالمائة، الا ان تقييم الاقتصاد القومي لادارته لا يتعدى الـ 46 بالمائة فقط. وكأن الرئيس يريد الوقوف اليوم على رجليه الاثنتين ولكن واحدة منهما أقصر من الاخرى.
هذا الوضع "الاعرج" سرعان ما عمد الى استغلاله الحزب الديمقراطي، الذي خرج من المخابئ التي كان يقيم فيها طيلة الحرب العراقية. فريتشارد غيبهارد، وهو احد المرشحين الديمقراطيين لرئاسة البلاد، غادر خصيصا الى ولاية نيو هامبشير، حيث ستعقد الحلقات الاولى للحملة الانتخابية للعام 2004، لكي يعلن عن "غضبه" حيال الانحسار الاقتصادي وعدم الثقة المالية. بدورها دعت زعيمة الاقلية الديمقراطية في مجلس النواب في الكونغرس نينا بيلوسي الى اغلاق صفحة الحرب والعودة الى "مشكلات طاولة الغداء المنزلية" اي العمالة والصحة وانعاش الصناعة.
كلا الزعيمين هددا جورج بوش بشيء واحد: العاقبة الوخيمة التي ألمت بوالده من قبله.
ان تشابه الوضعين يبدو قريبا جدا بالفعل من النظرة الاولى. فجورج بوش الاب بعد ان اخرج صدام حسين من الكويت في العام 1991 كوفئ ايضا بمؤشر التصنيف العالي هذا. الا ان عبادة الجماهير له انحسرت سريعا خلال الاشهر الـ 16 المتبقية على الانتخابات الرئاسية. وخسر "محرر الكويت" 56 نقطة وانتهى بخسارة مع فارق 6 ملايين صوت امام حاكم اركنساس القليل الشهرة حينها بيل كلينتون.
عتاة الجمهوريين كانوا يصولون حينذاك وفي داخلهم يغلي سؤال اخرس: "لماذا؟ بسبب ماذا؟". وجاء جواب جايمس كارفيللا، الذي اصبح منذ ذلك الحين اشهر مستشار سياسي لاميركا، ليخترق الى الابد الوعي العام قائلا : ان ذلك كله بسبب الاقتصاد، ايها الاغبياء!
اما الاقتصاد الاميركي اليوم، كما يعتقد الخبراء، فهو في وضع اكثر تدهورا مما كان عليه منذ 12 سنة. فمنذ لحظة وصول جورج بوش الابن الى السلطة شهدت سوق الاسهم في البلاد انخفاضا بنسبة 30 بالمائة تقريبا. واختفت حوالى 2 مليون وظيفة وانقلب الفائض في الموازنة القومية الى عجز بلغ حدود 400 مليار دولار. وبلغ حجم النمو الاقتصادي بين العامين 2000 و2002 اقل مستوياته بالنسبة لاي فترة ثلاثية السنوات منذ حرب الخليج الاولى.
ومع ذلك فانه من المستبعد ان يعيد التاريخ السياسي الاميركي نفسه. فالظاهر ان الرئيس الابن تعلم الدرس جيدا في قراءته ما بين سطور سيرة والده الذاتية. فبوش الاصغر يختلف عن والده اولا بادراك حدة القلق الشعبي، الذي تثيره الصعوبات الاقتصادية، وربما كان ذلك بفضل الحاح مستشاريه. ففي مذكرة الحزب الجمهوري التي تسللت مؤخرا عبر الصحافة ثمة اشارات الى المعنيين تقول: "ان العام 2003 ليس العام 1991... ركزوا على موضوع اماكن العمل... شجعوا النقاشات الاقتصادية...".
ان الرئيس يعرف بماذا يجب التفكير خلال نقاشات حزبية كهذه. يجب التفكير بفكرته عن خفض الضرائب الفيدرالية خلال السنوات العشر القادمة بنسبة 726 مليار دولار، وبالتالي تحفيز الانتعاش الاقتصادي. ان ذلك يشكل تناقضا مباشرا لما فعله والده. فالاعتقاد يسود بان جورج بوش الاب فقد في العام 1992 لقبه كـ"محرر للكويت" وألب ضده المحافظون، وخسر بالتالي جزءا كبيرا من القاعدة الانتخابية بسبب قراره زيادة الضرائب بالتحديد.
ان البرنامج الضريبي لبوش الابن ليس هو ايضا مقبولا لدى الجميع. فالمسألة هي في ان الادارة تقترح خفض الضرائب على اعانات سوق الاسهم بشكل رئيسي. والحساب يقضي هنا بجعل ذروة قيمة الاسهم تحقق التحفيز الافضل لانتعاش الاقتصاد. الا ان الحديث يدور في الجوهر عن تقديم الاعانات للمستثمرين في الاسهم من حساب الموارد الفيدرالية. ان حكمة مناورة كهذه تبدو للعديد من الخبراء الاقتصاديين موضع شك.
وأول هؤلاء هو الان غرينسبين، رئيس النظام الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة. فهذا الشيخ ابن الـ 77 عاما يعتبر فكرة الرئيس بشأن خفض الضرائب بانها عدائية جدا. والتسريبات بحد ذاتها حول الخلافات القائمة بين غريسبين والبيت الابيض بدأت بدورها تتبلور الى عامل مهدد للاستقرار المالي. فهناك ثمة شائعات تقول بان رئيس النظام الاحتياطي الفيدرالي، الذي يرأس هذا الجهاز منذ العام 1987، سوف يغادر منصبه بعد انتهاء مهلته في صيف العام القادم.
جورج بوش كان قد وضع حدا نهائيا يوم الثلاثاء الماضي لهذه الشائعات المغرضة، وذلك باعلانه عن انه يرغب برؤية غرينسبين في منصبه في المستقبل ايضا. وأرسل الرئيس في الوقت نفسه الى كافة انحاء البلاد 26 رسولا كبيرا من اجل اقناع المتشائمين بافضلية خفض الضرائب. وبهذا الشكل يكون الابن قد حاد نهائيا عن الطريق التي مهدها والده.
ولكن الفارق الاساسي في الوضعين هو في أمر آخر. فالولايات المتحدة فازت منذ 12 سنة بالحرب الاولى في الخليج العربي، بشكل نهائي ولا عودة عنه كما كان يبدو. فالاحساس بالنصر كان موجودا في كل شيء. فقد انهار جدار برلين وانتهت "الحرب الباردة". وبدأ الفيلسوف فرانسيس فوكوياما يفكر بانتهاء تاريخ البشرية السياسي كما نعرفه.
ولكن بالنسبة لجورج بوش الابن فان كل شيء لا يزال في بدايته. فالانتصار في العراق ليس سوى المرحلة الثانية - بعد افغانستان - من الحرب الغريبة والخيالية التي لا نهاية لها في الزمان او في المكان، مع العدو الذي لا وجه له وهو الارهاب الدولي.
منذ 12 سنة تمكن الناخبون الاميركيون من الانصراف عن الحرب الى الاقتصاد المنزلي. ولكن ناخبي العام 2004 لن يتمكنوا من ذلك. فالامن القومي سيكون العنصر الرئيسي والمحدد، الذي يسود فوق كل مواطن اميركي في لحظة لقائه بالماكينة الانتخابية. وسوف يقف جورج بوش امام القاعدة الانتخابية ليس كاداري اقتصادي فذ بقدر ما هو قائد عسكري منتصر، لا يمكن تبديله بين معركتين. وفي هذا المعنى يكون الحظ قد واتى الرئيس الابن بمئة مرة اكثر من الرئيس الاب.
ولكن ذلك سيكون مؤقتا. وعلى الاصح حتى تلك اللحظة، حينما سيبدأ الناخب الاميركي بالشك في ان الحرب ضد الارهاب ليست سوى ستار يحاول البيت الابيض الجمهوري ان يخفي وراءه اخفاقاته المنزلية. * فلاديمير سيمونوف، المعلق السياسي لوكالة نوفوستي الروسية