تجاذب القوى في واشنطن

بقلم: فلاديمير سيمونوف

لقد استولت الولايات المتحدة على العراق بكامله وقلبت نظام الحكم فيه وتخلصت من جيش عراقي يبلغ تعداده 450 الف جندي من دون القضاء عليه وكل ذلك خلال اربعة اسابيع, ونسبيا باراقة دماء قليلة، فهناك اذا ما يمكن ان يذكر بالنصر.
هذا هو المزاج الذي يطغى بالذات حاليا على الاعضاء النافذين في الادارة الاميركية الواثقين من الدخول الى ما يسمى بـ "العصر الاميركي الجديد". اولئك الذين ينظرون الى سقوط العراق بسقوط اول بيدق سيليه قلب العديد من الانظمة التي لا تروق للولايات المتحدة بالقوة.
الى ذلك يتعين اعطاء الرئيس بوش حقه في التقدير فهو لم يفقد الرغبة في الاستماع الى المجموعات الاخرى من المقربين منه الذين لم يتعبوا من الشرح بان حربين على مسلمي الشرق أكثر من كافية للنصف الاول من عهده في البيت الابيض.وحسب رأي هؤلاء السياسيين فان اميركا لا يمكنها ايضا اعلان الامم المتحدة جهازا قد تجاوزه التاريخ بمجرد ان الولايات المتحدة لم تلق هناك تفهما حول القضية العراقية وان قدرة تقييم الاراء التي تترد في الامم المتحدة والاستعداد للاخذ بالاعتبار الآراء المتعددة في تقرير المشاكل العالمية.
وعكس ذلك فان الادارة الاميركية ستبدأ الحرب ضد نفسها من الداخل.اي بين المدافعون عن ادارة العالم بالقوة ضد البراغماتيين.الانعزاليون ضد انصار التعاون المتبادل مع المجتمع الدولي. دونالد رامسفيلد ضد كولين باول بوصفه الايديولوجي الرئيسي لاتجاه المواجهات. وبالرغم من ان الحدود بين مركزي التأثير الايديولوجي في الادارة الاميركية قد ازيلت بشكل كبير فان مسألة من سيتغلب على الاخر في القريب العاجل ستكون مرتبطة بالاتجاه السياسي الخارجي لجورج بوش. وهذا يعني مصير العديد من دول العالم.
الادارة الاميركية بشكل خاص دخلت الحرب العراقية وهي في مثل هذه الحالة. وان سقوط نظام صدام حسين يبدو بانه لم يخفف باي شكل من الاشكال توتر النزاعات الداخلية. وتهيأ بانه وبعد "تحرير" العراق كان يمكن لانصار رامسفيلد ان يعتبروا انفسهم الفائزين على اي حال للمدى القصير.ولكن وكما يعبر عن قناعتهم المراقبون الخبراء في اللعبة السياسية الدائرة في واشنطن فان وزير الخارجية الاميركي لم يفقد الامل بتحقيق الانتصار لدى الرئيس حول امكانية اقامة الجسور مع الامم المتحدة واوروبا وتكثيف دور عملية السلام في الشرق الاوسط وامكانية اعادة ترميم الاسم الطيب للولايات المتحدة في العالم الاسلامي.
وما يشير الى هذا النزاع داخل البيت الابيض مثال احمد الجلبي زعيم المؤتمر الوطني المعارض العراقي في الايام الاخيرة . فالبنتاغون يرى فيه رئيسا مؤقتا للادارة العراقية، اما وزارة الخارجية فعلى العكس لا تريد هذا المرشح، ويتهيأ لها بانه غير مأمون وحصان اسود حتى انه لا يتمتع بالشعبية في داخل العراق.
ونتيجة لذلك فان الاحداث تتطور على مبدأ التجاذبي. وبغض النظر عن اعتراض الدبلوماسيين ينزل البنتاغون الجلبي في العراق برفقة المظليين الاميركيين عشية اجتماع المعارضة العراقية في مدينة الناصرية ما يثير ذهول وزارة الخارجية، ويوصي باول شخصيا بان يجري ابعاد جلبي ويكلف المبعوث الاميركي الخاص زلمان خليل زاده بشكل متشدد باستبعاد مشاركة هذا الشخص في الاجتماع ولم يبق للشلبي اي امر اخر غير الاعلان عن عدم رغبته شخصيا باللقاء بمواطنيه في الناصرية.
وبعد ذلك دعم المشرعون الاميركيون في هذا النزاع باول ضد رامسفيلد. فقد صوّت الكونغرس على توجيه مليارات الدولارات المخصصة لاعمار العراق عبر الخارجية وليس عبر البنتاغون، بالرغم من ان التوصية الواردة من البيت الابيض تشير الى العكس.
وبشكل اكثر شراسة ظهر الخلاف الداخلي في الادارة الاميركية حول دور الولايات المتحدة الاميركية في العالم بعد صدام حسين وتجلى ذلك في الهجوم الكلامي على سوريا.
وتشكل انطباع كامل وكأن الجيش الاميركي يتهيأ لمهاجمة دمشق بعد بغداد. واتهمت سوريا بانها "حدود مفتوحة " للفارين السياسيين من العراق. ولكنهم لم يعطوا اي تفسيرات كيف يمكن اغلاق هذه الحدود الممتدة في الصحراء لمسافة 700 كلم وأكثر، كما واكتشف الاميركيون وبشكل مفاجئ ان دمشق اجرت اختبارات على الاسلحة الكيميائية، ولكنهم مع ذلك لم يتذكروا ان هناك اربع دول في الشرق الاوسط تمتلك كما يعتقد اسلحة من هذا النوع او امكانية لامتلاكها وهي الجزائر ومصر وايران وبشكل اكيد لا يرقى اليه الشك، اسرائيل.
ومما لاشك فيه ايضا ان هذا الهجوم الكلامي المكثف ضد سوريا هو للافراج عن الخطط العسكرية التي استطاع "الحمائم" تجميدها ضد الهدف التالي في "محور الشر" اي ضد سوريا. قلب نظام صدام حسين هو مقدمة وحسب لنشر سيطرة الولايات المتحدة على المنطقة والتي لا يخفيها المحافظون الجدد المحيطون ببوش. ومن وجهة نظر هؤلاء المسؤولين الكبار والعديد منهم مقربون من كتلة اليمين الحاكم في اسرائيل "الليكود" فان الهجوم على العراق يتعين ان يتطور بشكل تدريجي الى التخلص من سوريا كعدو استراتيجي اخير لاسرائيل.
وهذا الامر لم يتم حاليا. فمع تذكيره دمشق بالوقائع الجديدة التي ظهرت في المنطقة بعد قلب نظام صدام حسين اشار كولن باول الى ان سوريا يمكنها النوم بهدوء لان قوات التدخل الاميركي لن تدخل اليها حاليا.
لا ان ذلك لا يعني بان جورج بوش اتخذ القرار النهائي من هذا الامر وكما يبدو من انطباعات السنتين الاولتين من حكمه فان جورج بوش ينحو كما يبدو الى اصحاب نزعة الحروب في ادارته الذين يريدون ان يكون العالم مسيرا من قبل قوة احادية الجانب ولحسن الحظ بانه وعندما تدخل هذه النظرية البلاد في المأزق يبدأ بوش بالبحث عن النصيحة لدى وزير خارجيته واصحاب الرأي المؤيد له.
وبهذا الشكل فكما يبدو ان الانقسام لم يصب الادارة الاميركية وحدها بل الرئيس الذي يبدو انه يعاني من صراع داخلي شخصي.
وهذا السيندروم يمكن ان يفقد حدته في القريب العاجل اذا لم نقل سينعدم مع دخول البلاد رسميا في انطلاقة الحملة الانتخابية الرئاسية وكما يتوقع المراقبون فان حامل الحكمة للرئيس منذ الآن لن يضحى لا رامسفيلد ولا باول بل كارل رووف المستشار السياسي للرئيس في البيت الابيض ولكن موقفه من السياسة الخارجية ما زال غير معروفا.
كما من غير المعروف ما اذا كانت الحرب في العراق ستكون ذريعة يستخدمها بوش في حملته الانتخابية لكسب الناخبين وكما تظهر تجربة بوش الاب فان اوراق الغار مع اكليل النصر تتطاير بسرعة. * فلاديمير سيمونوف، المراقب السياسي في وكالة نوفوستي الروسية للانباء