يسكننا الحزن يا بغداد

بقلم: هيثم أبو الغزلان

نناجيك سراً وعلانية، بصمت المنايا، ونهارات الألم، بليالي السبي نناجي حتف البرايا. فتكشف الرزايا سر ذبول غرسنا، وسربلة السوسنة بنزف الجرح، ويباس مواسم قمحنا.
يتواري الكفن وراء الصمت المدوي، يتغلغل في نسغ جروحنا، وتخضل عيوننا بالدمع، تنقش على وجوهنا عَبَرات الحزن وجرحٍ مقيمٍ وهول فجيعة؛ فلا السنبلة تتمايل، ولا العشب في بلادنا ينمو، فبين مراكبنا ومآقينا رحلة دموع يفيض منها الفرات.
لن يتوقف الزمن مادام الحزن ساكناً فينا، ونبض قلوبنا يُصغي لحديث المنايا الصامت بين سعف النخيل وهسهسات الكمان، وفراشة تطير ترقب لحظات التشهي بثغر باسم، وبكاء كجمر يحرق العيون. فما أطفأ ماؤها ناري، ولا القلب نبضه زاد، وما ارتوت الحقول رغم هطول السيول واندفاع الطوفان.
رغم حلكة الليل، والجراح النازفة عند لهفة الأمل، وأنات الصامتين في خطواتهم الواهنة على أرصفة الطرقات المغتربة، يعانق جرحنا مرافئ الغربة بصمتٍ مدوٍ يسيج حدود الوطن، وينقشه على صدورنا وشماً، وفي شراييننا دماً، وعاصفة هوجاء، وخيلاً صهيلها يعانق المدى.
ينبجس الفجر بخيوطه الذهبية، فتشرق الروح أملاً، ويبسم ثغرنا مناجياً نسيم الصباح العليل ميمماً وجدنا شغاف القلب موارياً الحزن نغم الأماسي، وارتواء الحقول بإحساس الظمأ ونشوة الهيام كتغلغل الحنين بملامح الغربة.
تذرف العيون دمعاً على وجنات الصبايا الماجدات، ويشتعل الطهر بفجيعة الأم الثكلى، وعند نسوة فقدن اشتعال الحب، فأصبح كل شيء طيفاً لا يغيب، ولا يتضوع عبيره، ولا يُسَاقِطُ الرطب. عطاشى والماء كثير ولكن شواظ العشق يحرث تضاريس الجسد، عابثاً بكل شيء؛ أرائك الأرق وأغاريد الصبايا، ورمق الأطفال الأخير الموضوعين على نصل السكين والملاحقين بالصواريخ الذكية والسهام السوداء.
تومئ عيوننا بالخوف مرات ومرات، وتسرج أرواحنا خيلها متدثرة بالخوف والريبة وجموح الترقب، مترثرة على حافة الأضرحة. فالأطفال يعانون في الرمق الأخير، والنسوة يَنُحْنَ، ونحن نذرف دموعنا وقلوبنا تحترق، والموت ماضٍ لا يُبقي ولا يذر. ويعبث الموت بكل شيء جيئة وإياباً، يتهاوى الإنسان كما تتهاوى النخلة التي كانت تحاكي القمر، وكما تجردت الغصون من أوراقها، وتجردت السيوف من أغمادها.
هيثم الغزلان: كاتب فلسطيني