من حرب سريعة إلى مستنقع

لوس أنجلوس - من أندي جولدبرج
حرب سريعة ولكن ايقاع بطيء

عندما بدأت صواريخ كروز والقنابل الموجهة بدقة بالغة تتساقط على بغداد للمرة الاولى قبل أقل من أسبوعين، كان الشعب الاميركي متأكدا بأن الحرب ستكون سهلة.
وفي رسالة إعلامية معدة بعناية، توعد قادة الشعب الاميركي بداية من الرئيس جورج دبليو بوش حتى أصغر مسئول في إدارته بأن النظام العراقي سيتحطم مثل "منزل من ورق" وأن المقاتلين العراقيين سيسارعون إلى إلقاء أسلحتهم عندما يواجهون القوة الاعظم الكاسحة "للمحررين" الاميركيين.
لكن الان تلاشت تلك الاماني الوردية الاولية مثل تمثال منحوت من الثلج تحت وهج شمس الصحراء، إذ توجد مؤشرات واضحة على أن التأييد للحرب آخذ في الانحسار في الولايات المتحدة ذاتها.
وأظهر استطلاع للرأي نشرته الاثنين شبكة تليفزيون إن.بي.سي وصحيفة وول ستريت جورنال تنامي الشعور بعدم الارتياح إزاء الحرب على العراق. وقال تسعة في المائة فقط ممن شملهم الاستطلاع أن الحرب تسير على نحو أفضل مما كان متوقعا، مقابل 25 في المائة أعربوا عن ذلك في استطلاع تم إجراؤه في 23 آذار/مارس الماضي. وفي المقابل، قال 20 في المائة أن الحرب تسير أسوأ مما كان متوقعا لها بزيادة 100 في المائة عن عدد الذين أعربوا عن شكوكهم إزاء نجاح سير الحرب في الاستطلاع السابق وبلغت نسبتهم 10 في المائة فقط.
وأوضح 27 في المائة ممن شملهم الاستطلاع أن قوة الجيش العراقي أقوى مما كان متوقعا مقابل 10 في المائة في استطلاع سابق بينما بات 26 في المائة من الاميركيين يعتقدون الان أن الحرب مع العراق ستدوم لاكثر من ستة شهور. وقال أكثر من ربع عدد الذين شملهم الاستطلاع أو 28 في المائة أنه بغض النظر عن القوة المستخدمة، فإن الحروب لا يخرج منها منتصر بصورة حاسمة.
كما أظهر استطلاع للرأي أجراه معهد جالوب بشكل منفصل أن 35 في المائة فقط من الاميركيين يقولون أن إدارة بوش تعطي تقييما صحيحا للصعوبة التي ستكون عليها الحرب. ويقول 63 في المائة من المستطلعين أن إدارة بوش قالت إن الحرب ستكون أسهل بينما أكد 33 في المائة أن التقييم المتفائل والوردي للادارة الاميركية يستهدف كسب تأييد الرأي العام لها.
ويتوقع معظم المراقبين تنامي المشاعر المتضاربة والمتأرجحة مع معركة بغداد العنيفة والتي لم تبدأ بعد وارتفاع عدد الضحايا من القوات الاميركية والمدنيين العراقيين ومع اعتزام حركة السلام الاخذة في الانتشار بسرعة البرق تنظيم مظاهرات احتجاج أخرى ضد الحرب في أنحاء الولايات الاميركية مع حلول عطلة نهاية الاسبوع.
وبالفعل تحول اتجاه وسائل الاعلام الاميركية جذريا عن دعمها الهائل للحرب وهو الامر الذي أظهرته في الايام الاولى لها. وركزت تقارير وروايات وسائل الاعلام مؤخرا على ما تردد عن وجود خلاف مستحكم بين كبار ضباط الجيش ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد. وكان رامسفيلد أصر في ما يبدو على بدء الحرب بأقل من نصف القوات التي تم استخدامها لمهمة أيسر بوضوح في عام 1991 هي مهمة اخراج القوات العراقية من الكويت في ذلك العام.
وتناولت روايات أخرى الاسباب التي أدت إلى فشل القيادة الاميركية فشلا ذريعا في تقييم المراحل الاولى من الحرب بينما جاء في مقال نشرته صحيفة واشنطن بوست الاثنين أن هناك انقسامات وخلافات عميقة بين أبرز عناصر الادارة الاميركية حول "النصيحة الطنانة السيئة" التي أسديت للرئيس بوش من قبل المحافظين الجدد الذين قاموا بصياغة سياسته تجاه العراق.
ويبدو أن كل هذه الانتقادات بدأت في تذكير الناس بنكسة سابقة منيت بها مغامرة عسكرية أميركية هي كارثة حرب فيتنام. وكان المتظاهرون من أنصار السلام هم وحدهم الذين دأبوا قبل بدء الحرب على العراق على المقارنة بين حرب فيتنام والحرب الحالية، لكن وسائل الاعلام الاميركية بدأت الان في طرح هذه المقارنة.
وكتب جيمس ويب احد قدامى حرب فيتنام ووزير البحرية في عهد الرئيس الاميركي الاسبق رونالد ريجان يقول أن "الحرب في العراق أصبحت قبيحة - هذا ما تفعله الحروب.. مرحبا بكم في الجحيم .. كثير منا عاشوها في حقبة أخرى. ولا أتوقع أن تصبح أفضل بأي حال من الاحوال حتى ولو لحقبة من الزمن".
وقارن مقال في صحيفة إديتور وبابليشر المعنية بالشئون التجارية بين الحربين تحت عنوان "من حرب سريعة إلى مستنقع" بينما كتب الخبير في الشئون السياسية ال سانتولي مقالة في صحيفة واشنطن تايمز المحافظة تحت عنوان "بغداد وشبح تيت" في إشارة إلى واحدة من أقذر الحملات السيئة السمعة في حرب فيتنام.
ويشير هوارد كيرتس بصحيفة واشنطن بوست إلى أن العنوان الفرعي لتغطية الحرب الاميركية إعلاميا أصبح الان هو "ماهو الخطأ؟".
وقالت صحيفة لوس أنجلوس "إطالة أمد القتال وتفاقمه سيخلق مشكلات بتداعيات فادحة"، بينما حتى وول ستريت جورنال المحافظة لم تتردد عن انتقاد القرار الخاص ببدء الحرب دون الفرقة العسكرية التي كان من المفروض أن يتم نشرها عبر تركيا.
وتتساءل مجلة نيوزويك عما إذا كانت الحرب على العراق ربما تتحول إلى انفجار شامل يعم منطقة الشرق الاوسط بأسرها، في ضوء احتقان الشارع العربي وتحذيرات رامسفيلد الاخيرة ضد كل من سوريا وإيران. غير أن أكثر التقييمات اللاذعة في ما يبدو جاءت على لسان واحدة من أبرز منتقدي بوش منذ فترة طويلة وهي مورين داود التي وجهت انتقادا حادا إلى الادارة الاميركية بسبب دهشتها حيال استخدام العراقيين لتكتيكات حرب العصابات.
وكتبت داود قائلة "صدمنا لان قوات العدو لا تلتزم بقواعد وقوانين الحرب.. مصدومون لانه من الصعب تمييز المدنيين عن المقاتلين والاصدقاء عن الاعداء.. لماذا يدعون أن ذلك جاء بمثابة مفاجئة لهم مرة أخرى؟ أعلم أن صقورنا تجنبوا الخدمة العسكرية في حرب فيتنام، لكن ألم يرغبون حتى مجرد القراءة عنها؟".