روسيا قلقة: هل تعود طيورنا من العراق؟

موسكو - من تاتيانا سينيتسينا
تاهت في طريق العودة

شهر نيسان/ابريل المرتقب أحضر "ألم رأس" جديد لروسيا. فالبلاد قلقة على الطيور المرتحلة التي تقضي فصل الشتاء في بلاد ما بين النهرين وتستعد في هذه الايام للطيران عائدة الى الوطن. في منتصف نيسان/ابريل يتعين على كل انواع الطيور المائية كالبط والاوز والنورس والبجع ان تكون "في مكان اقامتها" الذي ورثته عن الاجداد، لتصنع أعشاشها في مجاري المياه الضحلة النابتة. غير ان علماء البيئة يؤكدون بان الاعمال الحربية الدائرة في العراق بالاضافة الى الدخان والابخرة المتصاعدة من الحرائق النفطية والانبعاثات المضرة التي تسببها القنابل البالغة القوة والقذائف التي تحتوي على اليورانيوم المنضب، لها تأثير قاتل على الطيور.
من دون شك سوف تلحق بالطيور كما وبكل الكائنات الحية "خسائر عظيمة" في هذه الحرب العراقية الجديدة. حتى ان البعض يتخوفون من ان رفوف الطيور ربما تفقد اتجاهها وتضيع وعندها لن نرى طيورنا الخاصة بنا. هذا النبأ المخيف (لا يمكنك وصفه بشيء آخر) هز الصحافة الروسية وكل محبي الطبيعة والمدافعين عن البيئة. فهل يعقل ان الطيور لن تعود! سمعت مرة امرأة ريفية بسيطة تعمل في بيع بزور دوار الشمس في السوق، تقول لعصافير الدوري التي كانت تحط لتقتات منها : "كلي، كلي، ايتها العصافير المنكوبة، فانت لن يكون لك وجود قريبا". كم هي دقيقة مقاييس الحكمة القديمة: قيمة الشيء الحقيقية ندركها فقط عندما نتصور بانه سيختفي فجأة.
عالم الطيور فلاديمير ايفانسكي، الدكتور في العلوم الطبيعية والموظف القدير في قسم علم الحيوانات الفقرية في كلية العلوم الطبيعية في جامعة موسكو الحكومية، اشار في حديث معه الى ان مصير الطيور في ربيع هذه السنة لا يجب ان يقلق روسيا فقط وانما كل الدول الاوروبية ايضا، كون الطيور التي تعيش في المناطق الممتدة بين بريطانيا وسيبيريا تعتمد منذ ملايين السنين في هجرتها الى القارة الافريقية على خط السير القديم القائم فوق بلاد ما بين النهرين. ولذلك لن تستطيع القارة الاوروآسيوية ان تحصل هذا الربيع على طيورها كلها.
وهنا يتبدى تلقائيا امر موازي: فكما ان ليس كل الجنود البريطانيين سيتمكنون من العودة الى وطنهم من الحرب العراقية، هكذا أيضا الطيور الخاضعة لجلالتها لن تعود هذا الربيع الى أعشاشها هناك. ان الانسان ينسى أحيانا أنه مجرد "نوع واحد" فقط من الانواع الموجودة في الطبيعة وان تحت الشمس تعيش انواع حية أخرى يشاركها الحياة على الكوكب الارضي. "لقد أحصوا كل الناس القتلى وكل المنازل والمعدات الحديدية. ولكن نحن القتلى من يحصينا؟" هكذا تتساءل النملة التي فقدت "كل أقاربها" هي رافعة يديها الى الرب في مسرحية الدمى "معركة ستالينغراد" التي وضعها المخرج الجيورجي ريزو غابريادزة. في رده على تساؤل النملة أخذ الجمهور يشهق بالبكاء... في هذه المسرحية كان الحديث يدور عن الثمن الذي جرى دفعه في الحرب العالمية الثانية، ولكن اليس هو الثمن نفسه الذي سندفعه في الحرب في الخليج العربي؟
- هل الطيور بالفعل لن تتمكن من العودة الى وطنها ؟ سألت فلاديمير ايفانسكي.
* لا تخافي. الطيور ستعود بالتأكيد، فهي لن تعيقها اي حرب عن فعل ذلك. انها مخلوقات مبرمجة وتفعل بالضبط ما تمليه عليها غريزتها. ولكن هناك ثمة أمر مهم آخر وهو انه سيعود من الطيور فقط من تمكن من البقاء. ان عدد الوفيات سيكون كبيرا وذلك نتيجة اسباب عدة مرتبطة بالعمليات الحربية.
- هل بامكان الدخان المتصاعد من الحرائق النفطية ان يفقد الطيور اتجاهها ؟
* ان الطيور لا تبالي بكل ما يحدث على الارض. المهم بالنسبة لها هو رؤية الشمس او النجوم. وبالمناسبة أقول ان القسم الاعظم من الطيور يفضل الطيران في الليل. وهي تتبع خط السير الاقصر من دون ان تعرف التعب، اذ انها تستمر بتحريك اجنحتها طالما لديها احتياط كاف من الدهون، فهذه الاخيرة بالذات تعتبر "بنزين" الطيور. واذا ما أردنا الكلام بالتحديد عن تحليق الطيور من بلاد ما بين النهرين فانني واثق من ان تغذيتها هناك كانت سيئة وهي تستعد الآن للانطلاق، كل واحد منها الى موطنه.
- ما هي بالضبط العوامل السلبية للحرب على الطيور؟
* هناك مثلا العامل البالغ الاهمية بالنسبة لمعيشة الطيور كعامل القلق. ان تحليق الطيور عمل شاق على الرغم من انها لا تعرف التعب. فاذا ما تم افزاع الطيور واخافتها بشكل دائم فانها تنفق بسرعة الحد المعطى لطيرانها والمحسوب ليوم واحد. وعندها تنشأ مشاكل مرتبطة بعدم التمكن من التغذية الفاعلة اي عدم تلقي مصادر الطاقة المطلوبة لطيرانها. ولذا فان الخلفية الصوتية التي تنشأ عن الحرب ليست مرعبة للطيور بحد ذاتها وانما لأنها تفرض عليها ان تزيد من تنقلها وحركتها. هم يرعبونها وهي تتنقل من مكان الى آخر فتقع في مصيدة الطاقة. وفي النتيجة تنطلق الطيور في رحلتها بكمية غير كافية من "البنزين" ولذلك فانها قد لا تصل.
- الى أي مدى تؤثر السحب السخامية وتلوث الهواء وغير ذلك من "نفايات" الحرب المضرة على الطيور؟
* ان اي غبار كيميائي موجود في الهواء يؤثر بشكل قاتل على الطيور. بنتيجة الدخان الذي يتصاعد اليوم في العراق يمكن ان تتعرض الطيور بالدرجة الاولى الى اصابة ما هو مرتبط بالغشاء المخاطي كالعينين وتجويف الفم والرئتين. ان حرارة جسم الطير تتراوح بين 39 و41 درجة مئوية وهذا يشير الى ان عمليات تبادل المواد لديه أعلى من الانسان. وبالتالي فان الطير يدخل الى رئتيه كمية أكبر من الهواء. والآن هناك في جو العراق كثافة عالية للمواد المضرة وهو أمر يشكل خطرا كبيرا على الطيور. ويمكن ان يتضرر ريش الطيور بشدة ايضا وذلك بسبب تراكم السخام عليه. والطيور كما نعرف، كائنات نظيفة وهي تنظف بمنقارها دائما "النفايات" العالقة بها بابتلاعها. ان الحرب تسبب الموت دائما لكل ما هو حي...
العلماء يقولون ان هناك ثمة حد مرسوم بدقة يفصل ما بين الانسانية والحيوانية من جهة العلاقة بحياة الطيور والضفادع والاسماك والنمل وغيرها من الكائنات الاخرى. فكم من مرة تجاوز الانسان هذا الحد في التاريخ؟ لا يمكن احصاء ذلك. قليلون هم من يعرفون ان السلاح الرشاش تم ابتكاره بداية للقضاء على الطيور ولا سيما منها الحمائم التعيسة التي كانت ترتحل بكميات خيالية. أحد علماء الطيور الاوائل في اميركا - الكسندر ويلسون - شاهد في العام 1810 كيف ان رفا من الحمائم المرتحلة تجاوزه طيلة 4 ساعات! بهذه الطيور المدهشة تذكرنا اليوم فقط "بلاطة ضريحية" موضوعة في ولاية ويسكنسن كتب عليها: "في ذكرى حمامة ويسكنسن المرتحلة الاخيرة التي قتلت في بابكون عام 1899. هذا النوع انقرض بسبب لامبالاة وطيش الانسان". يذكر ان لحم طيور الحمام كان يشهد طلبا كبيرا آنذاك في المطاعم الاميركية الفخمة.
ولكن الم يكن هناك في تلك البلاد الشاسعة أناس يرفعون أصواتهم للدفاع عن الطيور، المعرضة للقتل بغية توفير الملذات للمخازن؟ ام لم يكن هناك في تلك الفترة قوانين تحمي البيئة؟ لقد كان ذلك كله موجود بالطبع. ولكن من كان بامكانه ان يعارض طالما الحديث يجري عن بيزنس ضخم.