الإسلام والعراق والعدوان الأمريكي

بقلم: محمد الحمامصي

لماذا يرتكز الرئيس الأمريكي في خطاباته على الجمل والعبارات الدينية ويبرر كل ما يرتكبه من جرائم باسم تنفيذ أوامر الرب وأنه يسير وفق العناية الإلهية؟
لماذا يدعو الكونغرس الأميركيين إلى الصلاة من اجل حماية الأمة الأمريكية وخلاصها (من إرهاب ديننا وحضارتنا بالطبع)؟
لماذا يوزعون على الجنود الأميركيين الموجودين بصحراء العراق نسخ لكتيب ديني يعلمهم الصلاة والدعاء للرئيس جورج بوش وإدارته بالبيت الأبيض حمل عنوان "واجبات المسيحي"؟ لماذا ندفن رؤوسنا في الرمال ونتبرأ من ديننا وعقيدتنا ونخاف ونخشى مجرد الإعلان من أن ما يتم في العراق هو عدوان علي الحضارة الإسلامية والدين الإسلامي، وهي لا تبعد كثيراً عن أن تكون حرباً صليبية كما أعلن الرئيس الأمريكي نفسه عقب أحداث سبتمبر التي لا ناقة لنا فيها ولا جمل؟
لماذا لم يرفع قائد عربي رأسه ويقول لمواطنيه عبر منابر أجهزته الإعلامية أن يصلوا ليس من أجل صدام ولكن من أجل أطفال ونساء وشيوخ وشباب مسلمين يتم إبادتهم بأحدث أسلحة الدمار الشامل الأمريكية والبريطانية؟
لماذا لم يأمر قائد عربي وزارته المعنية بشئون الدين أن تسمح لخطباء المساجد بالدعاء على المعتدين وبث روح الدين في شعوبهم؟
لماذا فقط يصدرون الأوامر بتكميم الأفواه والمنابر المرئية والمسموعة والمقروءة؟
لماذا يطوقوننا بالعسكر والهراوات والقنابل المسيلة للدموع ومضخات وخراطيم المياه؟
هل حضارتنا وديننا وعقيدتنا أصبحت سبة وعاراً نخافه ونخشاه؟
إن جميع خطابات الرئيس الأمريكي جورج بوش ومنذ أن تولي سدة الحكم في أمريكا هي خطابات دينية متعصبة وتشكل تهديداً أعمى للأمن والسلام العالميين وليس أمن العرب والمسلمين فقط، بل إنها تشكل تهديداً مباشراً على عقيدته هو شخصياً، وليس أدل على ذلك من الانقسامات بين الكاثوليك والبروتستانت والإنجيليين البروتستانت وغيرها.
إن الكثير من قادتنا الآن باتوا يخشون مجرد بدء كلماتهم بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) حتى لا يصبحوا عدواً مستهدفاً للغرب، الذي سيجد فيهم (قادةً إرهابيين).
إن موقف فرنسا وألمانيا وبلجيكا وروسيا وغيرها من الدول الغربية المناهضة للحرب، هو موقف بالأساس ديني حيث الكنيسة المسيحية الرسمية في العالم الغربي كاثوليكية، يلي ذلك في الأولوية الدفاع عن مصالح وأهداف استراتيجية سيادية ليست لها علاقة بالحرب في جانبها الإنساني وما يمكن أن تخلف من دمار على حضارة وكيان واستقلالية وحرية شعب العراق، وقد تكشفت الكثير من المواقف عقب إبداء العراق صموداً في مواجهة التحالف، حيث ظهر الوجه الأخر وهو الدفاع عن الحضارة الغربية والخوف من سقوطها ممثلة في سقوط التحالف الأنجلوأمريكي.
هو الغرب يسعى إلى أن يصبح حلف الناتو الممثل الشرعي لكافة التيارات والطوائف والمصالح الغربية في الشرق الأوسط والعالم، وقريباً قد يتولى قيادة العراق وأفغانستان، ومن ثم لا يستطيع أحد أن يقول أن تحركات الناتو غير شرعية، بل هي شرعية ومؤهلة بقيادة أمريكا (بالطبع) للسيطرة على العالم وإعلان حرب إبادة ضد العرب والمسلمين وحضارتهم ومعتقدهم الإسلامي.
إننا مستهدفون ليس للاستيلاء على مواردنا النفطية كما تظن الأغلبية، ولكن من أجل تدمير حضارتنا وعقيدتنا التي بات مجرد الحديث بشأنها وليس الدفاع عنها ضد الهجمة الصليبية يجلب التهديد للأمن القومي العربي.
فليفهم قادتنا ما يحلو لهم أن يفهموه، لكن الشعوب على يقين من أن ما يحدث من عدوان على العراق ما هو إلا مصيدة لضرب الحضارة الإسلامية والعربية، ولسوف يتحقق ذلك بإنشاء ولاية أمريكية كردية شمال العراق لدرء خطر تركيا والمد الإسلامي بها، وكذلك إيران وسوريا.
أما بالنسبة للمملكة العربية السعودية فلا ينجدها وجود قواعد أمريكية على أرضها، وتجد نفسها مطوقة الان بالمزيد من القواعد التي لا تلبث ان تهدد امنها ومعتقداتها.
أما عن مصر فثمة طرق أخرى ومسميات براقة أشد ضراوة من الحرب لتذويبها وتشويه معالم شخصيتها وهويتها الإسلاميتين، والحيلولة دون الحفاظ على البقية الباقية من إنتمائها للحضارة الإسلامية والعربية.
إن الأمور تجري على قدم وساق، وعما قريب سوف تتكشف الكثير من حقائق هذه الحرب على الحضارة الإسلامية، إن لم يكن قد تكشف بالفعل بعضها.
إنني في غاية الإندهاش من ردود فعل الكتاب والمثقفين العرب باستثناء قلة منهم، هؤلاء الذين يصفّون حساباتهم مع النظام في بغداد، دون أن يؤلمهم حجم الدمار الإنساني والحضاري الذي وقعت وتقع فيه يومياً الشعوب العربية وليس الشعب العراقي وحده.
إن أي أسرة في أي مجتمع عربي الآن من المحيط إلي الخليج تنعى كرامتها وشرفها وحريتها التي لوثتها الأقدام الأمريكية البريطانية بغض النظر عن صدام حسين ونظامه، هذه الشعوب التي قالت لا للاستعمار بدماء أبنائها على مدار عشرات السنين، إن البعض يستبق الأحداث ويتهم الدفاعات الروحية والنفسية التي سوف تعقب إنتهاء العدوان على العراق بأنها أعمال ستولد الإرهاب، فقد أصبح قولك (لا) يعني في عرف الأنظمة العربية الحاكمة إرهاباً، هكذا مجرد أن تقول أو تعبر عن خوفك من أن دينك وعقيدتك مهددتان، أو أن إخوانك وأخواتك في الدين والعقيدة مهدون بالإبادة، مجرد أن تدافع أو تعلن الرفض لإبادة وتذويب وتشويه عقيدتك ودينك وإحتلال وطنك، فأنت إرهابي.
منْ من القادة العرب يستطيع الآن يعلن أن الحرب التي تقودها أمريكا وحلفائها على العراق هي في صميمها حرب دينية، كما أعلن ويعلن باستمرار الرئيس الأمريكي بوش؟
من يستطيع؟ لا أحد يجرؤ علي ذلك، وإلا فهو يعرف مصيره من الأصدقاء الأمريكان وتحالفاتهم القذرة، الإطاحة به إما بعميل داخلي أو بعمل عسكري أو مخابراتي، دون أن يدرك هؤلاء القادة أن الشعوب التي اختارتهم حكاماً يمكن أن تدافع عنهم تحت أي ضغط ومهما أتوا من جرائم وسرقوا من مقدراته طالما لم يفرطوا في نصرة الدين والدفاع عن العقيدة. محمد الحمامصي
شاعر وصحفي مصري hamamsi@yahoo.com