الاميركيون والشيزوفرينية العربية

بقلم: هشام القروي

يبدو أن الادارة الأميركية مستاءة من التغطية الاعلامية العربية للحرب في العراق. وقد صرح السيد باوشر، الناطق الرسمي باسم الخارجية، بقوله "ان كل ما نطلبه منهم هو أن يقدموا وجهات النظر المختلفة بطريقة متكاملة". وأنا - كصحفي عربي - أوافق السيد باوشر. فالعرب فعلا منحازون...منحازون للعراق بشكل واضح... وكيف يمكنهم أن يتعاملوا بطريقة أخرى؟ فهل اذا اجتاح جيش ما ولاية كاليفورنيا، يكون رد فعل الاعلام الامريكي " بتقديم وجهات النظر المختلفة بطريقة متكاملة؟" أم ترى يكون باتخاذ موقف الى جانب المقاتلين في الخنادق؟
هناك اذا فعلا انحياز ذو درجة عاطفية في المقام الاول. وهناك ثانيا انحياز "ثأري" ان جاز القول، واعني بذلك معاملة الاميركيين بالطريقة التي عاملوا بها الفلسطينيين... حيث لم ينس أحد قول جورج بوش عن شارون "رجل سلام"، في الوقت الذي كان يحاصر فيه مقاطعة ياسر عرفات في رام الله. ومن الطبيعي أن يكون هناك ثالثا، انحياز شعبي الى جانب المدنيين العراقيين، أي أن الصحافة في النهاية هي ضمير الشعب - كما يفترض - اكثر منها واسطة الحكام... مع أنه ينبغي الحذر من التعميم، لأنها في العالم العربي المفتقر الى الديمقراطية، ليست دائما ضمير الشعب. ورابعا، لا يمكن أحدا أن يطلب من الصحافة ان تكون ناطقة باسم الضباط العسكريين والمخططات الحربية، حتى وان كان الصحفيون على الميدان، ويحضرون ايضا المؤتمرات الصحفية للقيادات العسكرية. فالاعلام العربي ، كغيره، قائم على مؤسسات مدنية، والصحفيون ليسوا جنودا لا عند بوش ولا عند صدام، ولا عند غيرهما من الحكام. على الأقل هذا ما يفترض.
لاحظوا أن العرب لم يدعوا البريطانيين والاميركيين الى العراق. لقد اندفع هؤلاء الاخيرون بمحض ارادتهم، رافضين الانصات الى أي صوت ارتفع للاعتراض على الحرب. وقد اعترفوا الآن بأن قرار الحرب اتخذ منذ وقت طويل، وان الخطط الحربية جرى مناقشتها منذ سنة على الأقل. ومن ثم، فلم تكن هناك حاجة لأخذ المشورة من أحد، لا من الأمم المتحدة ، ولا من العالم العربي، ولا من اوروبا. وعليهم الآن ان يواجهوا وضعا يعرفون مسبقا أنه لم يكن في صالحهم. فهم لم يكسبوا الاعلاميين العرب قبل الدخول للعراق، كما فعلوا مثلا في حرب الخليج الثانية، عندما كان هناك جزء كبير من الاعلام العربي في صفهم.
ولكن من ناحية أخرى، تبدو المشكلة حتى بالنسبة للعقل العربي شديدة الغرابة، وأحيانا غير معقولة.
فما نراه اليوم مذهل. نرى قطاعا واسعا من الاعلام العربي الذي عرف بمناصبته العداء للنظام العراقي، يكتشف فجأة أن هذا النظام يستحق الآن الوقوف الى جانبه! هل نحتاج للقول ان كل الاعلام السعودي تقريبا يناهض الاميركيين العداء بشكل يبدو مذهلا بالنسبة لبلد يستضيف آلاف الجنود والضباط الأميركيين؟ هل سيعتبر الاميركيون وسواهم هذا السلوك عقلانيا؟ من الواضح أن الاميركيين لن يفهموا أبدا هذا الانقلاب العجيب في السلوك الاعلامي والسياسي العربي، حتى ولو استعانوا بأكبر الأطباء وعلماء النفس والاجتماع.
فمنذ سنوات قليلة... لا بل منذ شهور فقط، كان جانب مهم من الاعلام العربي يسبح بتوصيات العم سام، وان لم يفعل ذلك جهارا، فهو على الأقل لم يغفر أبدا للنظام العراقي أخطاءه ازاء العرب. فكيف أصبح هؤلاء الاعلاميين العرب فجأة من مساندي الحكومة العراقية ضد العدوان الاميركي؟ لا مفر طبعا من ان ينساق الاميركيون الى مثل هذه الملاحظات والتساؤلات، في الوقت الذي هم لا يجهلون فيه أن الاعلام العربي في الغالب لا يخرج عن طاعة ولي الأمر. ومن ثم، فأول الاستنتاجات التي سيتوصلون اليها تقول: ان الحكومات العربية هي التي أوصت وسائل اعلامها بالانحياز الى جانب النظام العراقي.
والسؤال الذي لا مفر من ان يطرحه الاميركيون هو: لماذا الآن بالذات؟ أي لماذا عندما أصبح النظام العراقي يواجه لأول مرة فعلا خطر الزوال، صممت حكومات عربية على توجيه اعلامها لمساندة المقاتلين العراقيين، وهو ما مؤداه في النهاية، مساندة الرئيس صدام وحكمه؟ هل أصبح هؤلاء الحكام العرب من أحباء صدام؟
لاحظ ان هذه الأسئلة لا تتعلق بعواطف الناس. فالادارة الاميركية تتعامل مع الحكومات والانظمة، ويهمها أن تضمن تعاونها قبل أن تضمن عواطف الناس الى جانبها، وهو امر أصعب بسبب تقلب عواطف الجماهير وعدم استقرارها. ولكن الحكومات التي تتعاطى معها الولايات المتحدة، يفترض ان تكون مهتمة بعواطف جمهورها أيضا. ومن ثم، فقد لا ترى مصلحة في مساندة الاميركيين والبريطانيين جهارا، والظهور بمظهر من شارك او سيشارك في قتل الأبرياء - هذا لا مفر منه في كل حرب - ، وربما حتى في اسقاط نظام عربي، وتغيير وضع لا يعلم أحد على وجه التحديد كيف سيؤول ولمن سيستقر فيه الأمر. فالحكام العرب من هواة "الستاتي-كو" ( أي الحفاظ على الوضع السائد)، خاصة عندما لا يرون في تغييره بالقوة مصلحة مباشرة.
وما يغيظ الادارة الاميركية هو معرفتها بأن جزءا كبيرا من اللعبة الاعلامية والسياسية الحالية يقوم على النفاق. وبالفعل، أين هو السلوك العقلاني عندما نرى مثلا تغطية قناة الجزيرة القطرية للحرب، بذلك الشكل الذي استفز الاميركيين والبريطانيين مرات، فاعتبروه انحيازا يخرج عن أطر واخلاقيات العمل الاعلامي... في الوقت الذي يسير فيه القائد العسكري الاميركي تومي فرانكس العمليات الحربية من مقره على بعد بضعة كيلومترات من العاصمة القطرية؟ أين العقلانية في رؤية العساكر الاميركية والبريطانية تغزو العراق انطلاقا من قواعدها في الاراضي والمياه العربية المجاورة، في الوقت الذي يعلن فيه اعلام تلك الدول "بلا حياء " انحيازه للعراق؟
هذه الشيزوفرينية تحتاج الى المعالجة الطبية. ولا شك ان الاميركيين الذين يتابعون وقائع الحال بعين مستهجنة أو ساخرة، يضعون هذا التصرف في حساب الامراض العربية المزمنة.
في القرن التاسع عشر، بدت الامبراطورية العثمانية في حالة من البلاء والركود والجمود والتخلف دعت الملاحظين الغربيين الى اطلاق تسمية "الرجل المريض" عليها. واليوم، يبدو ان العالم العربي هو "الرجل المريض". وفي السابق تعرفون كيف عالجوا "مريضهم"... لقد قطعوه اربا، وتقاسموا أطرافه. ولا اعرف كيف سيعالجون "مريض اليوم"... فهو مقطع أصلا شر تقطيع. ولعل هذا ما يجعل المرض يستعصي على أي طبيب...ولا حول ولا قوة الا...بالله. هشام القروي