النفط في السياسة الخارجية الاميركية

النفط، محرك سياسة واشنطن

ابوظبي - قالت دراسة بحثية أن الاهتمام الاميركي بالنفط محور أساسي من محاور الحركة الاميركية على مستواها الاستراتيجي والعسكري، لافتة الى ان هذا الاهتمام لم يكن مصادفة او سياسة عشوائية.
وتظهر الدراسة، التي أصدرها مركز زايد للتنسيق والمتابعة تحت عنوان "النفط في السياسة الخارجية الاميركية،" حسابات النفط في الحرب ضد العراق وصورة التحول الاميركي على الساحة العالمية ودوافعه التي جاءت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 لتحفز الادارة الاميركية على كشف مضامين استراتيجيتها في اطار تأكيد زعامتها وهيمنتها؛ وأعلت من شأن أزمة الطاقة بارتفاع الاسعار ودعوات التخلص من التبعية النفطية الاجنبية التي وصلت الى حوالي 60 بالمائة من احتياجاتها النفطية.
وتذكر الدراسة ان المسألة العراقية وضرورة حسمها برزت لتعيد حسابات النفط الاستراتيجية الاميركية والحرص الاميركي الجاد على السيطرة على الثروات النفطية، مما دفع الولايات المتحدة للاصرار على انهاء الازمة العراقية بالقوة.
وتضيف ان للنفط العراقي مستقبل كبير لو توفرت الاستثمارات اللازمة لتطويره، وانه يمكن من يسيطر عليه من السيادة الاقتصادية لعقود طويلة.
وتؤكد أن العراق يأتي في مسار الحزام الامني الاميركي الممتد من البلقان حتى جنوب اسيا وشرقها مرورا بمنطقة الخليج ومنطقة قزوين ووسط اسيا، وأفغانستان وصولا الى الفليبين وكوريا الجنوبية واليابان.
وتقول ان استكمال الحلقات التي تحصر ايران من الغرب يساعد الاستراتيجية الاميركية الى حد بعيد في رسم سياستها تجاه الاصدقاء أو الاعداء.

حرب العراق ومصلحة اسرائيل

وتتحدث الدراسة عن التقاء الاهداف الاسرائيلية والصهيونية في الحرب على العراق، مشيرة في هذا الصدد الى دور اليمين الصهيوني الاميركي في تصعيد دواعي الحرب وتأجيجها، وهو الامر الذي أثارته الاوساط الاعلامية نفسها داخل الولايات المتحدة الاميركية والذي أعلنته اسرائيل مرارا ووصل الى حد المطالبة بالاسراع في الحرب، حيث أوضحت الاوساط الاميركية مستوى التنسيق بين الجانبين في هذا الاتجاه.

الرهان على النفط العراقي

وتشير الدراسة الى أن الحكومة الاميركية راهنت على النفط العراقي في اطار استقطابها للحلفاء في حربها ضد الحكومة العراقية، حيث حدد تقرير لمدير معهد أكسفورد لدراسات الطاقة، المهام المستقبلية للنفط في ظل أي حكومة عراقية، وهى تعويض الاضرار التي لحقت بحقول النفط وغيرها من امدادات النفط بسبب النقص في أموال الاستثمارات وقطع الغيار والمعدات والصيانة غير الكافية، وخاصة على ضوء ما يمكن أن يحدث لهذه الحقول أو مواقع الانتاج الخدمي لها من أضرار بسبب الحرب، بالاضافة الى ذلك التفاوض مع شركات نفط أجنبية على شروط اتفاقيات تقاسم الانتاج للاستثمارات والعمليات في كل من حقول النفط الجديدة والقديمة وخاصة اذا ما تم تغيير الحكومة العراقية الحالية.
وتقول أن الشروط الحالية للشركات ترتبط بمعايير الاتفاقات الخاصة بتقاسم الانتاج النفطي، وهى شروط قائمة منذ زمن بعيد، وبالتالي فان ذلك سيصعب الاقرار بأية شروط للشركات أكثر ارضاء من تلك التي هي قائمة الان.
وتؤكد الدراسة أن النفط العراقي ومشاريع تطويره والاستثمارات التي من المنتظر أن تقوم بها الشركات النفطية، سوف توفر عوائد نقدية كبيرة ترغب الولايات المتحدة من خلالها سداد الديون وتكاليف شركات اعادة الاعمار والتي من المنتظر أن تكون أميركية في أغلبها وسداد مستحقاتها من عوائد النفط.
وتستنتج ان النفط العراقي سيكون مسؤولا عن فاتورة الحرب، والتي لن تقل عن مائة مليار دولار، وبالتالي فان النفط العراقي سيكون رهنا للادارة الاميركية حتى يستكمل سداد الديون المتراكمة على العراق للخزانة الاميركية حسب تقديراتها.

جذور الهيمنة الاميركية

وتخلص الدراسة الى أن أسباب الحرب ضد العراق متعددة وان كان النفط، كما أكدته الدراسة، هو أحد الاسباب الرئيسة الا أن أهداف التغيير السياسي والثقافي والتأثير على العرب كافة لا يمكن أن يبتعد عن تلك الاسباب من منظور قصور مفهوم التضامن العرب.
وتنوه الدراسة الى أن بداية الهيمنة الاميركية ترجع بالاساس الى المحاولات الكبيرة لاسقاط الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية، وأنه مع القناعة بأن الحرب السوفيتية الافغانية كانت عاملا رئيسيا في تدمير الاسطورة آلتي أحاطت بالاتحاد السوفيتي مع ارتباط ذلك بالبيريسترويكا والجلاسنوست ومع انهيار وتخلف الاتحاد السوفيتي الا أن هناك نظريتين أساسيتين تسودان الفكر العالمي الان حول أسباب سقوط القطب الاخر مع الولايات المتحدة والذي كان يحقق توازنا دوليا.
وتشير الدراسة الى أن إحدى هاتين النظرتين تمثل نظرية المؤامرة والتي تختزل هذه المشكلة البالغة التعقيد في مقولة أن "الولايات المتحدة كان لها مصلحة في ذلك،" ولذا تم تقويض الاتحاد السوفيتي بالاعتماد على العملاء.
أما وجهة النظر الاخرى فترى أن الاتحاد السوفيتي انهار بفعل قوانين التطور التاريخي الموضوعية لعدم قدرته على الاتساق مع مستحدثات العصر، ورجحت الدراسة الدور الاميركي الفاعل في عملية انهيار الاتحاد السوفيتي لقناعتها بأن الساسة الاميركيين استغلوا بمهارة اندلاع الحرب السوفيتية الافغانية ودعموا المقاومة الافغانية تماما ضد السوفييت مما أدى الى الانهيار في المستنقع الافغاني علاوة على احراز مكاسب أميركية ضخمة في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن العشرين، من بينها خفض الاسلحة التقليدية والنووية، وتوحيد شطري المانيا، وسحب القوات السوفيتية من وسط أوروبا، وتفكيك مجلس التعاون الشيوعي/الكوميكون، وانهيار مؤسساته المتشابكة وسقوط حلف وارسو الشيوعي.
وتؤكد أن كل ذلك عاد على الولايات المتحدة بفوائد سياسية وعسكرية واستراتيجية واقتصادية هائلة.

مظاهر الهيمنة الاميركية.

وحول مظاهر الهيمنة الاميركية في الحالة العراقية توضح الدراسة أن الدول التقليدية التي كانت هدفا للاتهامات الاميركية تمثلت في ايران والعراق وكوريا الشمالية، وهي المجموعة التي أطلق عليها الرئيس بوش مسمى "محور الشر،" وانه تم استبعاد هذه المجموعة من الدول من خطاب الاتهام الاميركي خاصة في غياب أية دلائل تشير لاحتمال تورطها في أحداث 11 من سبتمبر/أيلول عام 2001، غير أنه مع مضي الوقت بدأت السياسة الاميركية تركز على العراق كهدف أول للهجوم قد تتلوه أهداف أخرى بعد الهيمنة عليه. وفيما تستعرض الدراسة السياسة الاميركية تجاه العراق منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين وحتى احتدام الحرب، فقد أبدت قناعتها بأن العراق لم يشكل تهديدا بخطر داهم أو فوري أو حتى قصير الامد ضد الولايات المتحدة ما يتطلب دفاعا عن النفس تحسبا للخطر، ومن ثم لا يوجد أساس قانوني أو واقعي للجوء الولايات المتحدة الى استخدام القوة من طرف واحد.
وتقول أنه بصرف النظر عن التذرع بتغيير الحكومة العراقية فان هذه ليست مهمة الولايات المتحدة، مشيرة الى أنه سبق وأن أدانت محكمة العدل الدولية الولايات المتحدة مرة في عهد الرئيس السابق رونالد ريجان لقيامها بتلغيم موانئ نيكارجوا، وارسال متمردين مسلحين "الكونترا" من هندوراس لتغيير حكومة "ساندينيستا" بالقوة.
وترتكز الدراسة في تناولها لموضوعها الحيوي على ثلاثة محاور رئيسية: أولها أهم بور التوتر المزمنة والناجمة عن الفترة الاستعمارية، وثانيها حول سياسة الوعود والمؤتمرات والتوتر الدولي، وثالثها عن الهيمنة الاميركية المعاصرة وبؤر التوتر.
منطق صراع الحضارات.

من جانبها قالت الدكتورة انيا أرميلى بيرهو، مديرة المعهد الفنلندي للشرق الاوسط والخبيرة في الشؤون العربية والاسلامية، ان دوافع الحرب الاميركية ضد العراق هي اقتصادية وعسكرية وسياسية.
وأشارت الى أن الاوروبيين على عكس العالم العربي لا ينظرون الى هذه الحرب على أنها تدخل في نطاق صراع الحضارات.
وأوضحت في محاضرة القتها بمركز زايد للتنسيق والمتابعة، أن مفهوم صراع الحضارات الذي تروج له بعض الدوائر في الغرب والشرق بهدف خلق صدام يخدم مصالحها انما هو امتداد لايدلوجية الحرب الباردة التي تفترض وجود أعداء متصارعين.
واضافت أنه عندما انهار الاتحاد السوفيتي بدأ أنصار أيديولوجية الصراع يروجون لفكرة صراع الحضارات كبديل عن الحرب الباردة لضمان أن يتم استمرار الازمات والصراعات التي تخدم مصالحهم.
واعتبرت الخطوة التي اتخذتها الحكومة الفنلندية بطرد الدبلوماسيين العراقيين انما هي استجابة للطلب الأميركي، مشيرة الى موقف الرأي العام الفنلندي الرافض للحرب والذي جسدته المظاهرات الحاشدة التي وصفتها بأنها تاريخية، وضمت نحو نصف مليون شخص.
وأشارت الى أن هناك شحا كبيرا في المعلومات المتعلقة بالعالم العربي والإسلامي في أوروبا بصفة عامة وفى فنلندا بشكل خاص باستثناء بعض الاخبار التي تبرز من حين لاخر لتغطية الازمات والكوارث، داعية الى ضرورة أن يصل الصوت العربي بقوة الى أوروبا وفنلندا لكي يطلع الفنلنديون على مشاعر العرب والمسلمين وآرائهم لدعم التقارب والتعامل بين الطرفين.