هل تدق حرب العراق المسمار الأول في نعش الحلم الامبراطوري الأمريكي؟

بقلم: خليل العناني

"الحرب على العراق ربما تطول أكثر مما كنا نتوقع" جاءت هذه الكلمات على لسان الرئيس الأمريكي الأرعن جورج بوش، والذي ظن أن حربه على العراق ستكون مجرد حرب على مجموعة من المرتزقة، ولكنه فوجئ بجيش نظامي يمتلك من الإيمان قبل السلاح ما يكفيه كي يدافع به عن تراب وطنه.
وعلى الرغم من تكرار تصريحات المسئولين الأمريكيين قبل بدء الحرب بأن قواتهم تمتلك من الأسلحة ما سيمكنهم من دك العراق وقلبها رأس على عقب، إلا أن هذا لم ينل من عزيمة العراقيين أو صمودهم، بل على العكس من ذلك فوجئنا بأحد الجنود الأمريكيين ينقلب على زملائه ويرميهم بقنابل يدوية جرحت من جرحت وقتلت من قتلت، ولا يجب أن يمر علينا هذا الحادث مرور الكرام، فعلى الرغم من أنه حادث فردي إلا أنه يحمل في طياته دلالات ومعاني هامة أقلها أن هذا الجندي ربما يكون قد شعر بأنه لا يحارب من أجل قضية عادلة، بل مجرد رغبة في الهيمنة وفرد العضلات ومجرد اختبار للأسلحة الفتاكة الجديدة التي يفخر بها المجمع الصناعي العسكري.
وربما لم يخطر ببال الأمريكيين أن حربهم على العراق تختلف كلياً عن تلك التي استمتعوا بشنها على أفغانستان من قبل، والتي تباهوا فيها بقنابلهم العنقودية وقاذفات بي 52 الفتاكة، وربما يكون قد أخذتهم العزة بالإثم ونسوا أن العراق قد خاض ثلاثة حروب من قبل ولديه من الخبرة العسكرية ما لم يخطر ببال الرئيس الأمريكي ولا وزير دفاعه المغرور. فالعراق رغم الحصار وسياسة التجويع التي أنهكت شعبه المسكين، إلا أنه ما زال يملك من السلاح ما يجعله مثالاً يحتذى به في الصمود والمقاومة، فضلاً عن أن الشعب العراقي وكجزء من الشعب العربي يمتلك من الإيمان والمثابرة ما لا ولن تمتلكه الجيوش المعتدية. وليس أدل على ذلك من المقاومة التي أبدتها مدينة "أم قصر" ومدينة "الناصرية" والتي سيسجل لها التاريخ بطولاتها وتضحياتها مثلها في ذلك مثل "بورسعيد" و"جنين" وغيرها من المدن العربية الباسلة.
ورغم أن قوات التحالف –تحالف محور الشر- تتباهى بأنها تمتلك نحو 70% من الأسلحة الذكية إلا أن الخسائر التي وقعت في صفوفها ربما تغير هذه النظرة، ورغم الفارق الشاسع في الإمكانيات العسكرية بين الطرفين إلا أن الواقع يشير الى عكس ذلك، ويكفي أن نستعرض الحقائق التالية:
- - حتى الآن تم تدمير10 طائرات مقاتلة والعديد من الطائرات المروحية المدرعة.
- - تم قتل ما يربو من 50 جندي بين أمريكي وبريطاني.
- - فقدان طائرة تابعة لسلاح الجو البريطاني.
- - تم أسر ما لا يقل عن 20 جندي أمريكي وبريطاني.
- - تدمير عشر دبابات وعشرين مدرعة من قوات التحالف.
- - ما زال البحث جاري على مفقودين آخرين في قوات التحالف.
وربما تعد هذه النتائج قليلة في نظر البعض مقارنة بخسائر الجانب العراقي، ولكنها في نفس قد لا تعتبر كذلك إذا ما لاحظنا الفارق الشاسع في إمكانات الطرفين، فضلاً عن أن هناك حظر كبير على وسائل الإعلام المختلفة خاصة الأمريكية منها وبالتالي فربما تكون الخسائر أشد وطأة على الجانب الأمريكي.
ولم يخجل مسئولو الإدارة الأمريكية من الإعلان عن وقف النشاط الإعلامي وتغطية الحرب على العراق، وذلك لهدفين هما: الأول يتعلق بمعنويات القوات الأمريكية والتي تري بأعينها ما يحدث لزملائهم من القتل والأسر، والهدف الثاني هو أن الحرب ستأخذ خلال الساعات القليلة القادمة أشكالاً جديدة تتنافي مع كافة المبادئ والأعراف الإنسانية خاصة في جانب المدنيين، وبالتالي تخشي الولايات المتحدة من نشر فضائحها عبر وسائل الإعلام كما حدث العام الماضي في مجزرة "مزار شريف" في أفغانستان.
وفي وقاحة لا تخلو من الغرور والصلف يصرح وزير الدفاع رامسفيلد بأن عرض العراق لصور الأسرى الأمريكيين يعد منافياً لقواعد معاهدة جنيف لحماية الأسرى، ولم يخطر بباله أن حرب بلاده على العراق هي ضد جميع الأعراف والقوانين الدولية، ومنافية لجميع المبادئ الأخلاقية والإنسانية على افتراض انهم يؤمنون بها، كما لم يخطر بباله ما يفعله جنوده مع معتقلي جوانتاناموا والذين لا يعلم أحد عن مصيرهم شيء حتى الآن، ولم يخطر بباله المحاكم العسكرية التي يقيمها لكل ما هو عربي أو مسلم في الولايات المتحدة، ولم يخطر بباله مصير آلاف المعتقلين من الفلسطينيين في ولاية إسرائيل الأمريكية. بل انه تناسى عمدا الصور التي حرصت القوات الاميركية على منحها للصحفيين لجنود عراقيين اسرى بثت في اليوم الاول واليوم الثاني للمعركة.
وفي وسط هذا السيل الهادر من الغارات وقاذفات اللهب تقف الحكومات العربية تعض على أصابعها، تنتظر ساعة الحسم ولحظة سقوط النظام العراقي كي يرفع عنها الحرج أمام شعوبها، والأكثر من ذلك أن أحداً لم يتحرك كي يدين ما يحدث لإخواننا في العراق، بل تجد منهم من يستجيب لأوامر واشنطن ويقوم بطرد الدبلوماسيين العراقيين من بلاده، في حين ترفض حكومات أجنبية فعل ذلك، ولعل السبب معروف، وهو أنها تملك قوت يومها، أما نحن فلا.
ولعل ما يحفظ ماء وجه العرب هو تلك الانتفاضات العارمة المتواصلة في الشارع العربي الذي يدرك حقيقة الخطر المحدق به ويعرف ما يضمره الغير تجاهه، وأن الحرب على العراق لن تكون النهاية، بل مجرد حرب لجس النبض وإرساء مبدأ التخويف في المنطقة العربية كي يتم إملاء الشروط وفق أهواء ومطامع الغير، وذلك دون أن ينبس أحد ببنت شفه.
إن الحرب على العراق والتي لا يعلم أحد متى ستنتهي وماذا سيسفر عنها، ربما تكون المسمار الأول في نعش الحلم الامبراطوري الأمريكي، وما النتائج التي تتحقق على أرض العراق إلا خير دليل على أنها لن تكون مجرد نزهة للمارينز الأمريكان وأعوانهم من البريطانيين والأستراليين على شواطئ دجلة والفرات، ولكنها قد تكون عبرة لمن تسول له نفسه بأن يدنس الأرض العربية، وإذا كان هناك شك فاقرءوا التاريخ فهو خير شاهد على ما نقول.
ولعل أقل ما يقال للشعب العراقي في هذه المحنة هو أنكم الآن تدافعون عن كرامة هذه الأمة وعزتها والتي تكالبت عليها مختلف الأمم كي تنهشها، كما علينا أن ندعو لهم بالصبر، طالما لا نملك غيره في زمننا هذا، ولله الأمر من قبل ومن بعد. * خليل العناني، كاتب ومفكر مصري