جراس: الحرب ضد العراق ظالمة

جراس: اميركا تعيش انحطاطا معنويا

ميونيخ - أصبح الاديب الالماني العالمي جونتر جراس الحائز على جائزة نوبل في الادب، ثاني كاتب ألماني بارز يوجه انتقادات حادة للهجوم العسكري الاميركي على العراق، واتهم الاميركيين بأنهم "ظالمون."
ووجه جراس اتهاماته تلك للاميركيين أثناء استلامه ليل الجمعة/السبت جائزة "هالة" للادب لعام 2003، حيث جاءت تصريحاته بعد يوم واحد من قيام مواطنه الكاتب فالتر ينز باتهام الولايات المتحدة بشن "حرب عدوانية" على العراق.
وفي كلمة له في "هالة" تحت عنوان "ظلم قوة جبارة" عبر جراس عن غضبه، وأعرب أيضا عن أسفه من تغير صورة دولة ساعدت أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
وقال جراس في خطابه "لقد بدأت الحرب، حرب كانت مرغوبة ومخططا لها منذ فترة طويلة. ورغم كل المخاوف والتحذيرات التي صدرت عن الامم المتحدة، فإن أمرا غير قانوني دوليا لشن هجوم وقائي قد صدر لجهاز عسكري كاسح. ولم تنفع أي معارضة لوقف هذا الامر."
وأضاف "لقد تم تجاهل التصويت في مجلس الامن الدولي واحتقاره باعتباره أمرا غير ذي صلة. وعندما حل يوم 20 من آذار/مارس 2003 كان حق الاقوى هو الذي ينفذ. وتأسيسا على هذا الظلم، أصبح الاقوى هو القادر على شراء ومكافأة أولئك الذي يحبذون الحرب، وازدراء أو حتى معاقبة أولئك الذين يعارضونها."
ومضى قائلا "كلمات الرئيس الاميركي الحالي والتي تقول: أولئك الذين ليسوا معنا هم ضدنا، تمثل دليلا على ما يحدث اليوم وكأنها صدى كلمات آتية من العصور البربرية الهمجية. لذلك فإنها لم تقع وقع المفاجئة عندما أصبح خيار المعتدي للكلمات التي يتفوه بها يشبه أكثر وأكثر كلمات عدوه."
وتابع الاديب الالماني بأن "الاصولية الدينية تمنح القوة لكلا الطرفين، ولان أصحاب الاديان جميعا يسيئون استغلال كلمة الاله، ووفقا لفهمهم المتعصب أصبح الاله رهينة لديهم. وحتى التحذير المفعم بالعاطفة والذي أطلقه بابا الفاتيكان الذي يدرك خطورة استمرار الاضرار التي تلحق بالعقلية البشرية وعملية إضفاء صبغة صليبية على المسيحية، لم يكن له أي تأثير يذكر."
وقال "يتعين علينا أيضا ونحن نشعر بالقلق والوهن والعجز، رغم ما يملأ قلوبنا من غضب شديد أيضا، أن نراقب الانحطاط الادبي والمعنوي للقوة الوحيدة التي تحكم العالم الان، حيث يستشعر المرء أن الشيء الوحيد الذي سيتمخض عن هذا الجنون المنظم هو بروز الدافع لتفاقم الارهاب والمزيد من العنف والعنف المضاد.
وتساءل جراس "هل هذه هي الولايات المتحدة الاميركية التي لها مكانة طيبة في ذاكرتنا لاسباب عديدة؟ هل هؤلاء هم الاميركيون الذين قدموا لنا خطة مارشال بسخاء؟ هل هؤلاء هم الاساتذة الصابرين الذين علمونا مادة الديمقراطية؟ هل هؤلاء هم الاميركيون الذين لا يترددون عن جلد ذاتهم بكل صراحة وعلنا؟ هل هذه هي البلد التي أعانتها عملية التنوير الاوروبية في يوم من الايام في التغلب على الحكم الاستعماري (الذي شهدته الولايات الاميركية قبل توحيدها)، هل هذه هي الدولة التي وضعت لنفسها دستورا فريدا وبفضلها أصبحت حرية التعبير حقا إنسانيا أصيلا؟."
وأقر "إننا لم ننفرد بشهادة الكيفية التي تدرجت عليها صورة الولايات المتحدة بمرور السنين لتدنو من كونها مجرد أماني، لتتلاشى الان وتصبح تشويها لنفسها. هناك أيضا كثير من الاميركيين الذين يعشقون بلادهم، لكن روعهم انحطاط وانزواء قيمهم الاصيلة والافراط الزائد في قوتهم الخاصة،" لكنه يعترف إنه يعتبر نفسه حليفا لهم. وإلى جانبهم، يجاهر بإعجابه بكل ما هو أميركي؛ وفي نفس الوقت يحتج ضد الوحشية التي تعكس ظلم هذه القوة الجبارة، وضد القيود على حرية التعبير، وضد سياسة معلوماتية لا يمكن مقارنة ممارساتها سوى بسياسات الدول الاستبدادية، وضد أي حسابات ذاتية المصالح تسخر من الآخرين وتعتبر موت عدة آلاف من النساء والاطفال أمرا مقبولا عندما تتعلق المسألة بالحفاظ على المصالح الاقتصادية ومصالح القوة والنفوذ.
واستطرد الاديب الالماني في كلمته قائلا "لا، انها ليست مناهضة الأمركة التي تضر بسمعة الولايات المتحدة، وليس الحاكم صدام حسين وبلده التي تم نزع أسلحتها إلى حد كبير هما اللذان يعرضان أقوى قوة في العالم للخطر، بل هو الرئيس بوش وأعضاء حكومته الذين يدفعون دفعا إلى تآكل القيم الديمقراطية، والذين يلحقون الضرر بوطنهم والذين يتجاهلون الامم المتحدة، وهم الان الذين يبثون الرعب والفزع في العالم من خلال حرب غير قانونية دوليا."
وقال "نحن الالمان كنا نواجه غالبا تساؤلا بشأن ما إذا كنا نشعر بالفخر والكبرياء بوطننا. كان من الصعب أن نجيب على السؤال. وكانت لدينا الاسباب التي تبرر ترددنا. يمكنني القول إنني أشعر بالفخر نوعا ما بوطني ألمانيا نظرا لرفض أغلبية مواطني بلدي للحرب الوقائية التي بدأت الان. فبعد مسئوليتنا عن اندلاع حربين عالميتين كانت لهما تداعيات إجرامية، فقد تعلمنا، وان كان بصعوبة، تعلمنا من التاريخ وتمسكنا بالدروس التي خرجنا بها من تلك الحربين ووعيناها تماما."
وأوضح أنه "ومنذ عام 1990 أصبحت جمهورية ألمانيا الفدرالية دولة ذات سيادة. ولاول مرة تعمل الحكومة بهذه السيادة وذلك في كونها أبدت الشجاعة لمخالفة حليفها القوي وصانت ألمانيا من التقهقر إلى مكانة القاصر."
وأعرب الاديب عن شكره للمستشار الالماني جيرهارد شرويدر، ووزير خارجيته يوشكا فيشر لثبات موقفيهما، قائلا "لقد أكدا مصداقيتهما رغم كل الانتقادات التي يتعرضان لها داخليا وخارجيا."
وذكر أن "كثيرا من الناس ربما يشعرون بأن همتهم مثبطة حاليا. وهناك مبررات لهذا الشعور. ورغم ذلك يجب أن يظل شعارنا: لا للحرب، ونعم للسلام، مرفوعا لا يتلاشى، هذا الاحتجاج والاحتجاج المضاد الذي لا نهاية له على الاطلاق يبقي وسيظل يبقى في (نطاق) مقدرة الانسان."