جاك شيراك: ديغولي جديد يتحدى الأميركيين

باريس - من فيليب غوليو
شيراك: هل يؤسس لنظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، ام يكون ضحية مواقفه؟

يبرز الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي ابدى تصميما على القيام بـ"كل ما هو ممكن" لمنع نشوب حرب ضد العراق، في دور بطل السلام، في حين كان الكثيرون يشككون عشية انتخابه قبل اقل من عام في فرصه في الفوز بولاية جديدة، وبالتالي في استمراريته السياسية.
واثبت شيراك (70 عاما) خلال الانتخابات الرئاسية عام 1995 وعام 2002 قدرته على صنع مصيره بيده. وقد احسن استخدام الازمة العراقية لاكتساب بعد جديد والظهور في مظهر الرجل الذي يقول "لا" للولايات المتحدة، مكملا بذلك خط الجنرال ديغول.
وهذا الموقف الديغولي اكسبه تأييد غالبية كبرى من الرأي العام، سواء من اليسار او من اليمين. كما لقي خارج الحدود الفرنسية الكثير من الاستحسان ولا سيما في العالم العربي، مثلما ظهر خلال زيارة الدولة التي قام بها الى الجزائر.
تتناقض الاراء وتختلف بشأن شيراك، ما بين "التابع الفرنسي لصدام" في نظر المتظاهرين المناهضين لفرنسا في لوس انجليس والمرشح المحتمل لجائزة نوبل للسلام في نظر الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة. فموقفه الثابت والحازم يثير في العالم تعليقات وردود فعل متعارضة تعارضا كليا.
وفي حين يرى انصاره فيه شخصا حفيا كريما وصادقا، "متنبها دوما الى الاخرين ومنصتا لمشكلاتهم"، يسخر اخصامه من هذا الرئيس "غير المنسجم مع نفسه" والمتقلب في مواقفه، الذي يوظف كل طاقته في الفوز بالسلطة من غير ان يحسن ممارستها فيما بعد.
لكن الحقيقة ان شيراك، خلف اسلوبه المباشر الى درجة الحدة، اكثر تعقيدا مما يظهر وهو يخفي اسراره الاليمة.
وفي حين اوحى لفترة طويلة بانه لا يهوى سوى افلام الوسترن والموسيقى العسكرية، الا انه في الواقع عاشق للقارة الاسيوية ومولع بالشعوب البدائية، كما انه من كبار الدعاة الى حوار الثقافات. وتعود معركته من اجل السلام الى قناعته الراسخة بان لا شيء اخطر من صراع الحضارات في العالم المضطرب الذي اعقب الحرب الباردة.
توجه جاك شيراك في صباه الى الولايات المتحدة على متن سفينة. ووقع وهو طالب "نداء ستوكهولم" الذي اطلقه الشيوعيون ضد الاسلحة النووية.
غير ان الشاب الذي ابتعد عن محيطه البورجوازي لم يصل يوما الى حد تخطي هذا المحيط ومخالفة مبادئه. خطا خطواته الاولى في السياسة برعاية جورج بومبيدو فوجد في هذا الميدان منفذا لتوظيف طاقته وحيويته وتنميتهما.
وملأ شيراك في السياسة مناصب عديدة، وقد عين مرتين على مدى 18 عاما رئيسا للوزراء ورئيسا لبلدية باريس، قبل انتخابه رئيسا للجمهورية في محاولته الثالثة لخوض الانتخابات الرئاسية عام 1995.
وهذه الخبرة الطويلة التي جعلت منه عميد القادة الاوروبيين، تخدمه اليوم اذ بنى خلالها علاقات كثيرة تمكنه على سبيل المثال من اجراء اتصالات هاتفية كثيرة مع رؤساء الدول والحكومات الذين يعرف معظمهم معرفة شخصية.
واستعاد شيراك منذ اعادة انتخابه لولاية ثانية كامل صلاحياته. فبعد ان تحرر من قيود التعايش، بات بوسعه التفرد اخيرا في التحدث باسم فرنسا.