الخليج العربي: تاريخ طويل من الاستعمار المتعاقب

فيينا - من حسام شاكر
تتغير الوجوه ويبقى الهدف واحدا

يعدّ الخليج من أكثر المناطق الملاحية في العالم حساسية، فضلاً عن كونه من أكثرها خطورها أمنياً وبيئياً. فعبر مسطح مائي لا تتجاوز مساحته ربع المليون كيلومتر مربع تتحرك إمدادات كثيفة من النفط غرباً وشرقاً عبر ناقلات عملاقة تعبر مضيق هرمز بمعدل كل 11 دقيقة تقريباً.
وتمثل حركة ناقلات النفط في الخليج تهديداً بيئياً، خاصة وأنّ الناقلات قد تستوعب ما يزيد على ثلث المليون برميل من النفط. إلاّ أنّ معظم الهواجس تبقى منبعثة من كثافة الوجود العسكري فيه، الذي تتوجه مدمرات وفرقاطات وبوارج حربية وحاملة طائرات أمريكية.
وإذا كان رئيس الوزراء ووزير الحرب الفرنسي جورج كليمنصوه (1841ـ 1929) قد ذهب إلى حدِّ القول بأنّ "نقطة نفط تساوي نقطة دم"؛ يبدو واضحاً بهذا أنّ حساسية الملاحة في الخليج العربي وثيقة الصلة بالذهب الأسود في المقام الأول، فهو أكثر المواد المحمولة على مسطحه المائي، أما الأسلحة والذخائر الهائلة التي تمخر عباب الخليج فقد حولته إلى مخزن كبير للترسانة الحربية لا يتناسب مع حجم المنطقة.
وكانت مياه الخليج العربي، التي نادراً ما يزيد عمقها عن مائة متر، ضحية لتسربات نفطية متفاوتة الأحجام ومتباينة الخطورة، ولكن أبرزها تمثل في تسرب النفط من السواحل الإيرانية إبان حرب الخليج الأولى، بينما عادت حرب الخليج الثانية بعدة كوارث؛ من بينها الكارثة البيئية التي لوثت السواحل الكويتية بالزيت الأسود بينما لم تسلم أجواء المنطقة من السحب السوداء المنبعثة من آبار النفط الكويتية المحترقة.
ولكن الخليج ليس نفطاً وحسب، فالأهمية التجارية لهذا المسطح المائي كانت بالغة إلى الدرجة التي جعلت حجم تجارة الهند المارة عبره تعادل ثلاثة أضعاف حجم تجارتها المارة عبر البحر الأحمر. ولا يمكن الاستهانة بهذه الحقيقة التاريخية؛ طالما كانت لندن ترى في تأمين المواصلات بين مركز الإمبراطورية (إنجلترا) ودرة التاج البريطاني (الهند)؛ مطلباً حيوياً لبقاء الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس ولاستمرار نفوذها العالمي.
ومع أخذ مجمل الأبعاد الاستراتيجية بعين الاعتبار؛ يكون مفهوماً تماماً أن تضع القوى الاستعمارية الخليج نصب أعينها، حتى قبل اكتشاف النفط في المنطقة.
فقد احتفظ الخليج لنفسه بموقع حيوي يتوسط مناطق هامة عالمياً، ما كان له ضريبته في الوقوع فريسة سائغة لأطماع القوى الكبرى. وعبر شواطئ الخليج ذات النتوءات والتعرجات والخلجان؛ أمكن إقامة قواعد بحرية للسفن الحربية التي تسعى لبسط النفوذ في المحيط الهندي والشرق الأوسط، فبهذا كان الخليج، وما زال، أحد ممرات الصراع الدولي بجدارة.
وعندما كان الإسكندر المقدوني (356 ـ 323 ق. م) يوعز لأحد قادته بالمضي من مصب نهر دجلة إلى مصب نهر السند، مروراً بالخليج العربي؛ فإنه كان يقوم بدور مشابه للذي سيتقمصه الرئيس الثالث والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية جورج بوش، بعد أكثر من ألفي سنة من ذلك العهد. وما بين الإسكندر الأكبر وبوش الابن عصور وعهود متلاحقة، تعاقبت فيها على الخليج قوى كبرى سعياً لإخضاعه، واتخذته مرتعاً للتنافس وممراً للصراع.
ولعلّ الفارق الجوهري بين العهدين يكمن في أنّ الإسكندر لم يكن مضطراً لتبرير حملاته العسكرية للرأي العام العالمي، عبر وسائل الإعلام وفي المحافل الدبلوماسية، التي لم تكن قد وجدت بصورتها الحالية بعد.
فالإدارة الأمريكية لديها قائمة جاهزة من الذرائع التي تحتج بها لتسويغ حملاتها العسكرية المتلاحقة في الخليج، والقائمة إياها لا تخلو من شعارات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وتحقيق السلام العالمي، وهي لا تنسى التحذير من "أسلحة الدمار الشامل العراقية".
ويبدو ذلك على أي حال امتداداً متطوراً للذرائع البريطانية، التي كانت تسوقها الإمبراطورية البائدة في أوج هيمنتها على الخليج، عندما كان المسؤولون الإنجليز يتحدثون عن "واجب إنساني" يحتم عليهم إحكام السيطرة العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية على المنطقة، فالغاية هي "محاربة القرصنة وتجارة العبيد"، أو "القضاء على الحروب الداخلية"، والسعي "لحماية حرية التجارة العالمية".
أما المحصلة التي تتشكل في وعي المراقبين للحالة الخليجية عبر القرون الأخيرة؛ فهي القناعة بالأهمية الفائقة للخليج العربي ملاحياً وتجارياً واستراتيجياً ونفطياً.
وكان الفتح الإسلامي قد أكد هوية الخليج العربي كبحيرة إسلامية، إلاّ أنّ القوى الاستعمارية الأوروبية بدأت بالنفاذ إليه مع مطلع القرن السادس عشر، أي عندما تسلل إليه البرتغاليون ليكونوا طليعة الحضور الأوروبي في الخليج في العصر الحديث.
ومع هذا التطور التاريخي؛ طغى على الخليج التنافس المحموم بين القوى الاستعمارية، أو التي تحاول القيام بدور استعماري. فعلاوة على تطلعات القوى الإقليمية؛ حامت حول الخليج أطماع وأدوار برتغالية وهولندية وبريطانية وفرنسية وألمانية، إلى أنّ آلت مقاليد الأمور في هذه البحيرة الهادئة ظاهرياً للأمريكيين القادمين من وراء البحار.
رغم ذلك؛ بقي عهد الهيمنة البريطانية أهم الحلقات التاريخية في الخليج خلال القرون الأخيرة. إذ تمكنت بريطانيا من السيطرة على هذه المنطقة الحساسة ابتداء من مطلع القرن التاسع عشر، خاصة عبر اللجوء إلى أسلوب معاهدات الحماية. وما يلفت الانتباه أنّ هذه المعاهدات اعتبرت انتقاصاً من سيادة دول الخليج العربية التي وقعت عليها، وتقويضاً لاستقلالها، الأمر الذي جعل نهاية الحماية البريطانية بمثابة "أعياد وطنية" وإعلانات استقلال للدول المتحررة منها.
أما عودة معاهدات الحماية في الخليج مجدداً، بلافتات وعناوين جديدة، في الظروف الناشئة مع حرب الخليج الثانية؛ فلم يصاحبه صخب يذكر. ولكن الوجود العسكري المتعاظم للولايات المتحدة في المنطقة، والذي لا يخلو من طابع الهيمنة العسكرية والسيطرة الأمنية والضغط السياسي والاستنزاف الاقتصادي؛ مرشح لإثارة جدل داخلي واسع النطاق في دول الخليج، خاصة في ظل تحضيرات "الحامي الأمريكي" لشن حرب جديدة في الخليج يستهدف فيها العراق مجدداً، بما قد يؤدي إلى تعزيز الحضور الأمريكي ي المنطقة وتطويقها بين فكي كماشة بعد بسط نفوذ الولايات المتحدة فوق الأراضي العراقية أيضاً.
وكان الأمريكيون قد بدؤوا الوصول إلى الخليج على هيئة أفراد منتظمين في طلائع تبشيرية، بهدف تنصير عرب الجزيرة وجنوب العراق. وبدأت مهام المنصرين الأمريكيين في سواحل الخليج مع نهاية القرن التاسع عشر، مستخدمين استراتيجية النفاذ من الساحل الخليجي إلى قلب الجزيرة العربية، والتي حاول القس صموئيل زويمر ترجمتها دون جدوى. وقبل أن يُكتب الإخفاق لمساعي المنصِّرين الحثيثة رغم أنها لم تخل من إقامة المنشآت الصحية والمشافي؛ حدث التحول في الاتصال الأمريكي بالمنطقة، عندما بدأ أمريكيون من نمط آخر يتقاسمون النفوذ فيها؛ إنهم ممثلو شركات النفط.
فبمجرد اكتشاف النفط في الخليج، في إيران أولاً عام 1908؛ أدركت القوى الاستعمارية وشركاتها العملاقة العابرة للحدود أنّ المنطقة أشبه بقطعة من الاسفنج المشبعة بالسائل الأسود الذي يصب في شرايين الاقتصاد العالمي.
ثم تزايد الأمريكيون في الخليج بمجرد حصولهم على امتيازات النفط في البحرين والمملكة العربية السعودية، منتزعين إياها من أيدي البريطانيين. وسرعان ما أخذت الشركات الأمريكية تتوسع في الحقول النفطية الخليجية لتحتل نصيب الأسد فيها مع أواسط القرن العشرين.
وفي ظل ثنائية القطبية التي اتسم بها النظام الدولي حتى نهاية الحرب الباردة؛ كان الخليج محكوماً بالنفوذ الأمريكي الأكثر حضوراً مع احتمال الموقف لشيء من المزاحمة السوفيتية. ومع خلو المسرح للاعب الأمريكي مع حلول التسعينيات؛ استغنت واشنطن عن التوازنات مع موسكو، فسعت بدورها إلى إحكام الخناق على الخليج وعملت على تقويض أي نفوذ مزاحم لها فيه. وكانت التجربة العراقية المثال الصارخ في هذا المضمار. فبغداد التي خرجت بروح المنتصر من حرب السنوات الثماني مع طهران؛ سعت للقيام بدور إقليمي مؤثر، موظفة نتيجة الحرب وإمكاناتها العسكرية الهائلة لتحقيق هذا الغرض.
وسرعان ما جاء الردّ الأمريكي كاسحاً؛ فالولايات المتحدة حشدت تحالفاً أممياً قوامه 33 دولة لكبح جماح العراق عسكرياً ولتقويض حضوره الإقليمي ولتجويعه أيضاً بقرار من الشرعية الدولية التي عقدت العزم على معاقبة بلاد الرافدين بالحصار الشامل، حتى دون أن تجد معظم الدول العربية غضاضة في السير في ركاب هذا النهج. بالطبع؛ أدركت دول الخليج، وخاصة إيران المؤهلة باستمرار للقيام بـ"دور إقليمي" فاعل، أنها ليست ببعيدة عن العين الأمريكية المفتوحة على المنطقة وعن الذراع الطويلة الممتدة للبنتاغون.
ومن المؤكد أنّ شرطي العالم، وهو شرطي الخليج باستحقاق، يراقب بحذر شديد ما يدور تحت مياهه الهادئة، وهو لن يتردد في إثارة عواصف صحراء تلو أخرى إذا ما استشعر القلق من التموجات الصغيرة هنا أو هناك.
ولكنّ إحدى المفارقات التي يعيشها الخليج العربي في السنوات الأخيرة تتمثل في طبيعة دور القوى المهيمنة عليه. فبريطانيا، ومن بعدها الولايات المتحدة، تعاملت مع الخليج بمنطق فرض السيطرة والتحكم في مجرياته بحنكة ودهاء. وفي مطلب "تحقيق الاستقرار" التقت مصالح اللاعب الدولي الأبرز، سابقاً وحاضراً، مع احتياجات حكومات المنطقة ومصالحها؛ ضماناً لعدم انفلات الأمور من عقالها ولتأمين إمدادات النفط الحيوية ولسلامة حركة الملاحة النشطة في الخليج.
لكنّ سعي الولايات المتحدة الأمريكية لفرض هيمنتها المطلقة على الخليج، بعد الحرب الباردة، وحروبها التي تهدف لردع "المارقين" وضمان "الاستقرار" الذي يحلو لها؛ استدعى حشد الجيوش الجرارة وشن الحروب التي لا تحتملها شعوب المنطقة فضلاً عن حكوماتها. بهذا كان من المنتظر أن لا يكون المسعى الأمريكي المتبلور منذ بداية التسعينيات مجرّداً من العواقب، فالاستقرار آخذ في الضمور في دول الخليج التي تشهد نقمة متنامية تحت السطح على الحضور الأمريكي المباشر، والذي من شأنه أن يستدر المزيد من مشاعر الحنق، التي قد تتطور بدورها إلى أعمال عنف هنا وهناك تعصف بأمن المنطقة الحساسة.
فإذا كان الاستقرار الخليجي قد ارتبط تقليدياً بهيمنة قوة دولية على المنطقة والإمساك بزمامها، بدلاً من "الفراغ الاستراتيجي" الذي يثير المخاوف من خلط الأوراق واضطراب التوازنات القائمة في الخليج؛ فإنّ هذه الهيمنة تبدو اليوم، وأكثر من أي وقت مضى على الأغلب؛ تهديداً جدياً للاستقرار، فضلاً عن كونها لا تمثل سوى ضمانة وهمية مؤقتة للأمن، تحمل في طياتها بذور زعزعة الوضع الخليجي القائم.
وإذا كان هناك من يستنتج اليوم أنّ ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية اليوم في الخليج لا يعدو أن يكون إعادة إنتاج للنماذج الصارخة من العهد الاستعماري البغيض؛ فإنّ التدخل العسكري المباشر في المنطقة، والمساس بخصوصيات الشعوب الخليجية على الصعيد الاجتماعي والديني؛ بل واستنزاف موارد المنطقة بطرق شتى؛ تمثل في مجموعها تطورات تنذر بـ"عاصفة صحراء" يصعب تقديرها، لكنها عاصفة لن تشترك مع نظيرتها الأمريكية إلاّ بالاسم على الأرجح.(قدس برس)