التعليم العالي في الاردن، انجازات وطموحات

عمان - من وفاء مطالقة
الاردن تشهد قفزة كبيرة في عدد الجامعيين

يعد الاستثمار في التعليم العالي، وضمن البعد الاقتصادي، اضافة مهمة لتراكم راس المال الوطني ودفع عجلة النمو الاقتصادي وتوفير العملات الصعبة، اضافة الى توفير فرص عمل لاعداد كبيرة من الاداريين والاكاديميين، ناهيك عن تلبية رغبة الطلبة في الدراسة الجامعية وتوفيرها في الدولة بدلا من الاغتراب.
وغني عن الذكر دور الجامعات في المساهمة في جعل البلاد مركز جذب اقليميا للتعليم العالي، اضافة الى الرسالة التربوية والاجتماعية والاقتصادية الهامة التي تؤديها للمجتمع.
ويعد التركيز على نوعية التعليم الجامعي الخاص ومستوى الخريجين فيها من افضل الوسائل التي يمكن للجامعات اثبات وجودها، فالنوعية هي الرد المناسب على أي انتقاد قد تتعرض له الجامعات بشكل عام.
وقد أجمع عدد من الاكاديميين على ان فكرة دخول القطاع الخاص في مجال الاستثمار في التعليم العالي جاءت نتيجة الطلب الاجتماعي المتزايد على الالتحاق بالجامعات، وعدم قدرة الجامعات الحكومية على استيعاب الاعداد المتزايدة من خريجي الثانوية العامة الراغبين بالالتحاق بالتعليم العالي.
وأكد الدكتور محمد حمدان، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، انه على الرغم من العدد الكبير للجامعات الخاصة الا ان عدد طلبتها لا يتجاوز نصف عدد طلبة الجامعات الرسمية، مشيرا الى ان الامر لا يتعلق بعدم المقدرة على الايفاء بمتطلبات السوق بل ينبع من سياسة المشاركة الفاعلة للقطاع الخاص في قطاع التعليم العالي بما ينعكس ايجابا على خطط التنمية الوطنية.
وقال حمدان ان الجامعات الخاصة تخضع لمعايير الاعتماد العام والاعتماد الخاص بهدف المحافظة على جودة التعليم العالي ونوعيته، كما انه ومنذ تأسيس الجامعات الخاصة ترك موضوع تحديد الرسوم لمجالس امناء هذه الجامعات، وتم التركيز على ضرورة تحقيق متطلبات الاعتماد، علما بان التفاوت في الرسوم الدراسية بين الجامعات الخاصة محدود لدرجة كبيرة.
واوضح انه توجد مقاييس عامة للجودة وتقع هذه تحت معايير الاعتماد، بالاضافة الى ذلك تقوم الوزارة حاليا باتخاذ الاجراءات لتطبيق اسس ضبط الجودة على الجامعات الرسمية والخاصة وذلك بالتعاون مع صندوق الملك الحسين للتفوق.
وعن حجم الدعم السنوي للتعليم العالي في الاردن في الجامعات الرسمية، أوضح ان الدعم الحكومي للتعليم في الجامعات الرسمية يبلغ حوالي 55 مليون دينار سنويا، اما معدل الحصة السنوية للطالب الاردني في هذا الانفاق فيبلغ حوالي 1100 دينار في الجامعات الرسمية، و1500 دينار في الجامعات الخاصة.
وقال ان الجامعات الخاصة تساهم في دعم الاقتصاد الوطني بعدة طرق؛ اهمها تشغيل اعداد كبيرة من العاملين سواء من الاكاديميين او الاداريين، حيث بلغ عدد العاملين في الجامعات الخاصة1637 اكاديميا لعام 2002، ما بين استاذ واستاذ مشارك ومدرس ومحاضر و 1996 اداريا، واوضح ان الجامعات الخاصة تفاضل بين المتقدمين للعمل حسب الكفاءة والمؤهلات ولا تتدخل الوزارة في تعيين اعضاء هيئة التدريس في الجامعات الخاصة.
وقال الدكتور مروان كمال، امين عام اتحاد الجامعات العربية، ان اعداد الملتحقين بالجامعات الاردنية بشكل عام ازدادت من 2738 طالبا وطالبة عام 1969 الى نحو 136 الفا عام 1999/2000، أي ان عدد الملتحقين بهذا المستوى من التعليم تضاعف اكثر من 49 مرة وبمعدل زيادة سنوية بلغت 15 بالمائة خلال فترة تمتد الى ثلاثين عاما، وذلك وفق ما اشار اليه الدكتور هشام غرايبة في دراسة اعدها نهاية عام 2000.
وقال انه اذا اضفنا الى ذلك كلفة الدراسة المرتفعة في الخارج وارتفاع معدل النمو السكاني للعالم العربي ادركنا ضرورة تأسيس المزيد من الجامعات في الوطن العربي بشكل عام والاردن بشكل خاص سيما وان الاردن بما يوفره من ظروف جاذبة للطلبة العرب قد دفعت الكثيرين للدراسة في جامعاتنا الرسمية والخاصة عوضا عن التوجه للخارج.
واضاف انه وفضلا عن ذلك فلعل تحديد نسبة المقبولين من خريجي الثانوية العامة في الجامعات الرسمية وتحديد الحد الادنى للقبول في التخصصات التي تدرسها هذه الجامعات، والحاجة الى بعض التخصصات غير المتوفرة في الجامعات الرسمية ويحتاجها السوق، كلها عوامل تشجع المستثمرين على الاستثمار في التعليم الجامعي والعالي.
وقال ان تقييم أي تجربة استثمارية يقاس عادة بالحصيلة الناتجة من هذا الاستثمار كما ونوعا، مشيرا الى ان تجربة الاستثمار في التعليم العالي في الاردن حديثة بعض الشيء اذ بدأت في العقد الاخير من القرن الماضي والحكم على نجاح هذه التجربة يتم من خلال مستوى خريجي هذه المؤسسات التعليمية والذي تحدده المؤسسات الانتاجية بجميع قطاعاتها.
ورأى ان اصدار حكم عادل للتجربة الاستثمارية في التعليم العالي يحتاج الى دراسة ومتابعة لخريجي الجامعات في مواقع عملهم واعتماد معايير مدروسة لقياس مستوى تعليمهم وتأهيلهم، موضحا ان ما تكتسبه هذه المؤسسات من خبرات وتجارب السنوات الماضية وما تسعى الدولة بأجهزتها المتخصصة لوضع ضوابط ومعايير لاعتماد هذه المؤسسات ومتابعة الموضوع كفيلان بتحقيق مستوى جيد من التعليم وحصيلة استثمارية معقولة.
وحول المنافسة بين الربح والجودة في الجامعات الخاصة بشكل خاص اوضح ان تأسيس أي جامعة خاصة محكوم بتشريعات تعطي الجهات المسؤولة عن التعليم العالي صلاحية تطبيق معايير علمية مدروسة للسماح لاي مستثمر بدخول مجال الاستثمار في التعليم العالي، وتخضع للمتابعة والرقابة المستمرتين من الاجهزة المسؤولة في المؤسسة المناط بها الامر في الاردن.
واضاف انه اذا ما التزمت الجامعة بشروط الاعتماد المقررة وحرص المستثمرون على اقامة هذه الجامعات على تحقيق الربح، فلا بد لهم من العمل على توفير كل متطلبات التعليم الجامعي بالمستوى الجيد الذي يجذب اليه الطلبة في مجتمع يتزايد فيه اعداد مثل هذه المؤسسات وتتنافس في تقديم الافضل لتشجيع اقرانهم على الالتحاق بهذه الجامعة دون غيرها، لانه لا بقاء في المحصلة الا للمؤسسة الافضل والاقدر على تحقيق اماني الدارسين في تعليم جامعي وعال متميز.
وبين ان اكبر تحد يواجه القائمين على تأسيس وادارة الجامعات الخاصة هو التوفيق والمواءمة بين تحقيق الربح المادي وتوفير تعليم جامعي متميز يلبي احتياجات المجتمع ويواكب مستجدات العصر ومتطلباته، موضحا ان تحقيق هذا الشرط كفيل بازدياد الطلب على الالتحاق بهذه الجامعة دون غيرها، فضلا عن توفير العناصر الكفيلة بنجاح العملية التعليمية من تأهيل لاعضاء هيئة التدريس وكفاءاتهم وتوفير المخابر والمكتبات والمراجع ووسائل الاتصالات العالمية بمصادر المعلومات وغير ذلك من وسائل واحتياجات.
وعن اسس اعتماد الجامعات الخاصة في الاردن قال المسؤول الاردني "اعتقد انها تشريعات جيدة بقدر تنفيذها ومراعاتها للعدالة وتحقيق الصالح العام واستجابتها لمتطلبات التحديث والتطوير."
واعتبر امين عام رابطة الجامعات العربية الخاصة، الدكتور امين عبد الله محمود، ان وجود الجامعات الخاصة ساهم في حل عدد من المشكلات، مثل استيعاب اعداد من الطلبة كانوا يخططون للدراسة في الخارج،وأضاف "لقد استطاع الاردن بفضل وجود الجامعات الخاصة ان يكون مركزا تعليميا في المنطقة يستقطب اعدادا كبيرة من الطلبة العرب، ولسنا بحاجة في الاردن الى مزيد من الجامعات التقليدية بل الى مفهوم جديد يتمثل بجامعة متخصصة بقضية او موضوع معين يلبي احتياجات المجتمع التكنولوجية على ان لا تكون حكرا على احد، ومن الممكن ان تساهم فيها الجامعة الاردنية ومؤسسات وشركات من القطاع الخاص، كما يمكن استدراج جامعة عالمية لتساهم في الاستثمار والجودة على ان تدار بعقلية القطاع الخاص."
واشار الى ان معظم الجامعات الخاصة لا تزال تدار على اساس تجاري محض فهي لا تتلقى اموالا حكومية وتكاد تعتمد بصفة اساسية على الرسوم الدراسية لتغطية نفقاتها وتوزيع بعض الارباح على مساهميها، وقال ان حافز الربح ادى في غالبية هذه الجامعات الى منافسة حافز الجودة. ودعا الى وضع مقاييس عامة لحسن الاداء وضبط الجودة تحت اشراف وحدات او جهات اعتماد وهو ما يعتبر شرطا اساسيا مسبقا لخلق ظروف تتميز بالفاعلية، كما دعا الى ايجاد مصادر جديدة لتمويل التعليم العالي من خلال المنح والهبات سواء عن طريق مؤسسات القطاع الخاص المهنية والخيرية او المتبرعين.
وقال انه من الافضل الاعتماد على مثل هذا التمويل المجدي من اجل البرامج التي اثبتت جودتها، بدلا من وضع برامج موازية جديدة ذات اهداف ومستويات مشكوك في جودتها.
أما نائب رئيس جامعة فيلادلفيا، الدكتور ابراهيم بدران، فقال "ان دخول القطاع الخاص في اطار منظم ونوعي مراقب هو الفرصة التي يجب ان تشجعها الحكومة." واضاف انه يجب ان ينظر الى الربح في أي مؤسسة خاصة كمسألة مشروعة وضرورية للاستمرار، فلا يمكن لأي مؤسسة خاصة ان تستمر وتتوسع وترتقي كميا ونوعيا دون تحقيق ارباح معقولة ومقبولة تساعدها على الاستمرار والاستثمار في متطلبات التوسع المستقبلي، ولكنه اشار الى وجود فرق كبير بين الربح الذي تقتضيه طبيعة خدمة راس المال المستثمر وبين التجارة في مرفق العلم دون الاهتمام بنوعية التعليم والضوابط التعليمية.
وقال ان المطلوب ان تكون عملية التعليم والمؤسسة التعليمية الخاصة خاضعة كلية للضوابط النوعية ولمتطلبات الارتقاء والمواكبة العلمية للدول المتقدمة، وان يشجع فيها الاستثمار النوعي بحيث يحقق تحول فوائض الارباح الى مزيد من الاستثمار النوعي.
واضاف ان قانون الجامعات الحكومية الاردني يتضمن كثيرا من هذه المفردات كما يتضمن المعايير النوعية رغم تشددها التي من شانها ان تساعد على المحافظة على ابقاء عملية التعليم ضمن الخطوط المرسومة لها.
وقال ان متوسط الانفاق على الطالب الجامعي في الاردن يصل الى 2500 دولار سنويا بينما يصل هذا الرقم الى اقل من 1500 دولار في مصر. أما في الدول المتقدمة فيصل الى حوالي 20 الف دولار سنويا، موضحا ان التعليم العالي الرفيع مكلف، كما ان الكلفة الاقتصادية في الجامعات الحكومية تقترب من الجامعات الخاصة ولكن في الجامعات الرسمية تدفع الحكومة جزءا كبيرا من الفاتورة ويدفع الطالب جزءا يسيرا.
وذكر ان الجامعة النوعية المتميزة تتطلب استثمارا رأسماليا لا يقل عن 6 آلاف دينار لكل طالب تذهب الثلاثة آلاف الأولى منها لتقديم الحد الادنى المقبول من التعليم العالي في حين تذهب الثلاثة آلاف الاخرى لرفع المستوى النوعي اذا تحققت النفقات الجارية بالمستوى المطلوب وتوفرت الاعداد الكافية من الاساتذة وهم غير متوفرين في الكثير من التخصصات العلمية والتطبيقية.