الاميركيون يهجرون وسائل اعلامهم المتحيزة

لوس أنجلوس - من آندي جولدبيرج
وسائل الاعلام الأميركية اصابها هوس الحرب

بينما القوات الامريكية تتأهب لخوض حرب وشيكة وحتمية في ما يبدو، فإن شبكة إيه.بي.سي التي تمتلكها ديزني بدأت مؤخرا للمرة الاولى عرضا تليفزيونيا واقعيا تحت عنون "لمحات من خط الجبهة".
أما هذا العرض التليفزيوني الذي اكتملت أركانه بموسيقى مثيرة مناسبة ومقابلات مليئة بنفاق صارخ وتم إخراجه بموافقة وزارة الدفاع (البنتاجون) على أيدي نفس منتجي فيلم "بيرل هاربور" فقد بدا وكأنه إعلان تليفزيوني عن الجيش الامريكي لمدة ساعة كاملة أنفق عليه بسخاء.
وكثير من الامريكيين لن يروا عيبا في هذا العرض مثلما لم يروا أي خطأ في رؤية العلم الامريكي في صورة شارة ذات دبوس دأب مراسلو الاخبار الامريكيون ومقدمو البرامج الاخبارية بشبكات التليفزيون الامريكية على تثبيتها على قمصانهم في أعقاب هجمات سبتمبر.
ولكن بالنسبة للمراقبين أصحاب الرؤى الاكثر موضوعية بعض الشيء، فإن عرض شبكة تليفزيون إية.بي.سي لا يمثل لهم سوى رمز آخر للموقف غير المنتقد الذي تنتهجه وسائل الاعلام الامريكية استعدادا لنشوب الحرب العراقية.
ولاشك أنه منذ اختراع وسائل الاعلام الجماهيرية وهناك دائما نزوع من جانب المنافذ الاخبارية لتأييد حكوماتها في زمن الحرب. ولكن لان الصحافة الحرة في الولايات المتحدة تتباهى دائما بأنها درة الديمقراطية في العالم، فكان المتوقع منها أكثر قليلا.
وهاهي محطة تليفزيون فوكس أكثر المنافذ الاخبارية التي تعمل على مدار الساعة شعبية في الولايات المتحدة، تبث سيلا لا ينتهي من الاحاديث المليئة بانتقادات يصف فيها أصحابها الحكومة بأنها حكومة غير متشددة بما فيه الكفاية.
وعندما يتحول المرء إلى مشاهدة شبكة تليفزيون سي.إن.إن سيقابل بعاصفة عاتية من القصص والتقارير المتعلقة "بالمواجهة مع العراق". وتعج سي.إن.إن إلى حد كبير بضيوف من جنرالات سابقين بالجيش يقومون بشرح وتفسير الكيفية التي سيسحق فيها الجيش الامريكي قوات الرئيس العراقي صدام حسين، في الوقت الذي تبث فيه الشبكة "تقارير خاصة" من على متن قطع متعددة بالبحرية ومن داخل معسكرات التدريب والقواعد الجوية التي تظهر الجيش في صورة نفس البطل الذي يصوره عرض شبكة تليفزيون إية.بي.سي-ديزني. وإلى جانب ذلك، تمد سي.إن.إن تغطيتها لتشمل مسئولي الادارة الامريكية ليتحدثوا عن الجانب الخاص بهم من الرواية.
وعادة ما تتجاهل تلك النوافذ الاخبارية الاعلامية طرح الاسئلة الصعبة مثل معرفة الدوافع الحقيقية من وراء الحرب وآثارها وتداعياتها المحتملة على الاقتصاد العالمي والارهاب الدولي وعدد العراقيين الذين من المرجح سقوطهم ضحايا لها، في حين تفرد تلك النوافذ مساحة لعرض أحدث تقنيات الاسلحة في الترسانة الامريكية.
ورغم أن استطلاعات الرأي تظهر أن الرأي العام الامريكي يشعر بقلق عميق إزاء مدى حكمة خطط الحكومة ورغم أن ملايين من الناس في أنحاء العالم نزلوا إلى الشوارع احتجاجا على حرب وشيكة، فإنه نادرا ما ترى في وسائل الاعلام الامريكية معارضي الحرب يعرضون آرائهم خلال وقت البث.
غير أن السياسيين الامريكيين المعارضين للحرب يتحملون إلى حد ما هذه الغلطة فهم يحجمون عن الابداء بقوة عن معارضتهم للحرب، وذلك خشية وصمهم بأنهم غير وطنيين. ولكن شخصيات سياسية أمريكية بارزة مثل إدوارد كينيدي وروبرت بيرد لا تتردد في توجيه انتقادات قوية، ومع ذلك فإنه نادرا ما يتم السماح لمثل هذه الشخصيات المعارضة بالتعدي على حدود اللوبي المؤيد للحرب والذي يتمتع بأضواء وسائل الاعلام المسلطة عليه.
وحتى عندما تجد القنوات الاخبارية أنه ليس أمامها أي خيارات أخرى سوى بث آراء معارضة للحرب، فإن الكلمات التي تختارها تأتي في صورة مجرد إبلاغ بما يجري.
ومثلا عند تغطيتها لمظاهرات الاحتجاج الجماهيرية الدولية ضد الحرب في منتصف شباط /فبراير الماضي، عمدت شبكة سي.إن.إن إلى بث تقاريرها تحت عنوان "الاحتجاجات المناوئة للحرب تبهج العراق" بينما وصفت فوكس مظاهرات الاحتجاج التي شهدتها نيويورك بأنها مظاهرات "المحتجين المألوفين".
وضيوف البرامج الحوارية من أقطاب الجناح اليميني، خاصة عندما قررت شبكة إم.إس.إن.بي.سي تعيين اليميني المتشدد مايكل سافيدج محل مقدم أحد برامجها الحوارية الليبرالي الطاعن في السن فيل دوناهو.
وبالنسبة للمعلق بول كروجمان، فإن نبرة التقرير وبث الاخبار تعتبر عاملا حاسما في تفسير التباين الشديد في آراء الامريكيين ومعظم مواطني الدول الديمقراطية الاخرى إزاء الحرب.
وكتب كروجمان في صحيفة نيويورك تايمز قائلا "مقارنة بنظرائهم الاجانب، فإن وسائل الاعلام الامريكية الليبرالية تعتبر محافظة بصورة ملحوظة للغاية، بل وفي هذه الحالة متشددة. فقنوات الكابل الاخبارية الامريكية خاصة تبدو كما لو كانت تورد أخبارا عن كوكب آخر غير الكوكب الذي تغطيه وسائل الاعلام الاجنبية".
وحتى تلك التي تمثل أركان المهابة لليبرالية الاعلامية في الولايات المتحدة - صحيفتا واشنطن بوست ونيويورك تايمز - فيبدو أنهما أصيبتا أيضا بنصيب ولو يسير من حمى الحرب. لقد انهمر على واشنطن بوست سيلا من رسائل القراء يتهمونها فيها بالاصابة بمرض "القومية الاستعلائية" أي الغلو في الوطنية، وذلك بسبب تأييد مقالاتها الافتتاحية للحرب، بينما كانت نيويورك تايمز قد نشرت مؤخرا مقالا عن "الصقور الليبراليين" أعرب عن السخرية بالمتظاهرين من دعاة السلام ووصفهم بأنهم بلهاء.
وبعد أن سأم الكثير من الامريكيين من هذا الوضع، بدأوا يتحولون إلى مواقع إخبارية بريطانية ودولية على الانترنت بحثا عن صورة أرحب.
وطبقا لشركة نيلسن نتريتينجز لتحليل الانترنت، فإن تصفح أكبر موقعين إخباريين بريطانيين على الانترنت وهما موقع هيئة الاذاعة البريطانية "بي.بي.سي" وموقع "الجارديان انليميتيد" شهد زيادة كبيرة خلال العام الماضي حيث كان معظم المتصفحين الجدد لهما من الولايات المتحدة.
وقال جون دنيس، وهو محرر بموقع الجارديان على الانترنت في مقابلة صحفية "نتلقى المزيد من رسائل البريد الالكتروني من زوار أمريكيين يشكروننا فيها على ما نقدمه من تقارير إخبارية بطريقة غير متاحة في وسائل الاعلام الامريكية".
كما لاحظت شبكات إخبارية أوروبية أخرى زيادة عدد زوارها من الولايات المتحدة. قال إميليو لارلوري، وهو مدير تسويق في وورلد نيوز نتوورك أن "عدد المتصفحين الامريكيين ارتفع ليصل إلى نسبة 60 في المائة من إجمالي عدد زوار مواقع في وورلد نيوز نتوورك منذ بداية كانون الثاني/يناير".
غير أن أحدا لا يعلم إلى أي حد سوف يتغير ذلك إذا بدأت القنابل تنهمر.
فالجيش الامريكي يعتزم أن "يضع" نحو 500 مراسل صحفي أمريكي ودولي على خطوط الجبهة الامامية مع الجنود حيث الهدف المعلن هو مواجهة الادعاءات العراقية الزائفة.
ومع تضاؤل الموضوعية في الاعلام الامريكي، فقد يكون الامر متروكا للصحفيين الدوليين للابلاغ بالرواية الحقيقية.