الانتفاضة والأزمة الاقتصادية في إسرائيل

بقلم: ماجد كيالي

تواجه إسرائيل، منذ عامين، أزمة اقتصادية صعبة أثّرت على مختلف قطاعاتها الاقتصادية وعلى مستوى الحياة والتنمية فيها، لدرجة أنها ساهمت في تقويض حكومة الوحدة الوطنية، أواخر العام الماضي، بسبب الخلاف حول التخفيض الاضطراري في الميزانية ولا سيما تركيز التقليص على التقديمات الاجتماعية، في مقابل رصد مبالغ إضافية للنشاط الاستيطاني وللنفقات الأمنية.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن 60 بالمئة من الإسرائيليين يعتقدون بأن الاقتصاد الإسرائيلي على شفا انهيار حقيقي، فثمة 36 بالمئة يخشون الطرد من العمل، و 63 بالمئة قلقون على مستقبلهم الاقتصادي. في حين أنه، وللمقارنة، ثمة 47 بالمئة، فقط، قلقون من خطر التعرض لإصابة جراء الحرب في العراق (إذا نشبت)، و52 بالمئة يتخوفون من "عمل إرهابي". ويفسر المحلل الاقتصادي سيفر بلوتسكر هذه النتائج بقوله: "الخوف الاقتصادي يفوق المخاوف الأخرى..الحرب تثير القلق، لكن الاقتصاد مقلق أكثر للجمهور الإسرائيلي الذي لا يثق بأن هذه الحكومة قادرة على انتشاله من الأزمة." (يديعوت أحرونوت 14/2)
ويطيب للمسؤولين الإسرائيليين تفسير الأزمة الاقتصادية بعوامل متعددة، أهمها: الركود العالمي، وانكماش أسواق التكنولوجيا المتقدمة، والانتفاضة الفلسطينية. ولكن ثمة محللين اقتصاديين بارزين يعترفون بأن انتفاضة الفلسطينيين ومقاومتهم هي العامل الأساس الذي يقف من وراء تلك الأزمة؛ وهذا ما أكد عليه تقرير البنك المركزي الإسرائيلي باعترافه بأن "السبب الرئيسي للتدهور الاقتصادي في إسرائيل هو الانتفاضة والصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، وليس الركود الاقتصادي العالمي أو أي شيء آخر". (يديعوت أحرونوت13/2)
وبحسب التقرير الذي صدر، مؤخرا، عن دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية فإن إسرائيل شهدت خلال العام الماضي تراجعا هو الأكبر في تاريخها في المجال الاقتصادي، منذ العام 1953، إذ انخفض الناتج القومي بنسبة سالبة وصلت إلى ناقص 1.1 بالمئة؛ في استمرار للانخفاض في العام 2001 الذي بلغ ناقص 0.9 بالمئة، في حين أن الناتج القومي لإسرائيل بلغ 7.4 بالمئة في العام 2000 (قبل الانتفاضة). لكن البشرى السيئة، التي أكدتها هذه المعطيات هي أن عام 2003 أيضاً سيكون عاماً سيئاً للاقتصاد الإسرائيلي. (يديعوت أحرونوت 18/2)
وتتجلى الأزمة الاقتصادية في إسرائيل في أبرز صورها في شلل القطاع السياحي وتدهور قيمة الاستثمارات الأجنبية، إضافة إلى التراجع في قطاعات البناء والصناعة والتصدير وارتفاع النفقات الأمنية، وينعكس كل ذلك على الاقتصاد الإسرائيلي بانخفاض قيمة العملة (الشيكل) قياسا للدولار وتفاقم حدة البطالة والعجز في الموازنة وتراجع الاستهلاك وتقليص التقديمات الاجتماعية وازدياد نسبة الفقر والفجوات الاجتماعية بين الإسرائيليين.
مثلا وبسبب تدهور الأوضاع الأمنية، على خلفية الانتفاضة والمقاومة، شهد القطاع السياحي شللا كبيرا، ونجم عن ذلك خسائر مادية كبيرة وفقدان عشرات الألوف من العاملين لأعمالهم. وبحسب المعطيات فان عدد السواح الذين دخلوا إسرائيل عام 2002 كان اقل بمليون سائح عن العام السابق".(هآرتس 27/1) أما الاستثمارات الأجنبية في إسرائيل فقد شهدت تراجعا كبيرا إذ بلغت عام 2002 حوالي 2.6 مليار دولار، وكانت عام 2001 بلغت حوالي 4.2 مليار دولار، في حين أن ذروة الاستثمارات كانت في العام 2000(قبل الانتفاضة) حيث وصلت إلى 11.1 مليار دولار، و9 مليار دولار في العام 1999. (هآرتس 5/2)
وفي المجال التجاري سجل في العام 2002 انخفاضا في تصدير واستيراد البضائع (باستثناء الماس) بالقياس للعام السابق، حيث انخفض التصدير بـحوالي 1.2 مليار دولار، والاستيراد انخفض بـحوالي 1.8 مليار دولار. إذ بلغ التصدير الإسرائيلي في العام 2002 نحو 29.5 مليار دولار (بدون الماس بلغ نحو 19 مليار دولار). أما الاستيراد في العام 2002 فقد بلغ نحو 33.1 مليار دولار (بدون الماس نحو 25.9 مليار دولار). وهكذا فقد بلغ العجز التجاري لإسرائيل في العام 2002 نحو 3.6 مليار دولار." (هآرتس 20/1)
وبسبب من تدهور معدلات التنمية والاستثمارات الأجنبية وشلل بعض القطاعات الاقتصادية، كما قدمنا، تفاقمت في العام 2002 مشكلة البطالة في إسرائيل، حيث تراوح معدلها بين 10.4 في المائة و 10.6 في المائة، ما يعني أنه ثمة 265 ـ 270 الف عاطل عن العمل. وفي وزارة المالية الإسرائيلية يقدرون انه في عام 2003 سيصل عدد العاطلين عن العمل إلى 300 ألف شخص يشكلون 12 في المئة من قوة العمل في إسرائيل. (يديعوت أحرونوت 20/1)
وتشير الإحصائيات إلى اتساع نطاق الفقر في إسرائيل، فثمة واحد من كل أربعة أطفال في يعيش تحت خط الفقر، وحوالي 280 ألف طفل يعيشون في عائلات تحصل على ضمان دخل من التأمين الوطني (المهدد بالتقليص)، وللكثير من هؤلاء الأولاد لا يوجد مكان لإعداد وظائفهم البيتية.(معاريف 23/12/2002)
وبحسب جاد ليئور فقد قدرت وزارة المالية الإسرائيلية إجمالي الأضرار التي لحقت بالاقتصاد جراء الانتفاضة بحوالي 50 مليار شيكل (حوالي 11 مليار دولار) وذلك بعد عامين على اندلاعها. وبتقدير خبراء في الوزارة فقد تحول النمو الاقتصادي الإسرائيلي إلى اتجاهات سلبية والى حالة من الخمول، إضافة إلى تأجج الأزمات في مجالات اقتصادية عديدة". (يديعوت أحرونوت 23/7/ 2002)
وفي مواجهة مظاهر الأزمة الاقتصادية تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى اتخاذ العديد من الإجراءات الصعبة والحساسة، من النواحي السياسية والاجتماعية والأمنية. من ضمنها: أولا، التوجه نحو الإدارة الامريكية لدفعها إلى تقديم مساعدات إضافية لها، بحوالي 12 مليار دولار على شكل مساعدات وضمانات قروض، وذلك لتمكينها من مواجهة مضاعفات الأزمة الاقتصادية والنفقات الأمنية المتزايدة والتحضيرات للحرب المبيتة ضد العراق. والتقدير أن إدارة البيت الأبيض، ربما، تتوجه نحو مساعدة إسرائيل بعد نهاية النصف الأول من عام 2003، وذلك بهدف حث حكومة إسرائيل على تلبية الشروط الأمريكية، التي من بينها الموافقة على خطة خريطة الطريق، وإجراء تقليص في ميزانية المستوطنات وعدم استخدام الضمانات للاستثمار في المناطق؛ ثانيا، تخطط وزارة المالية تقليص ما نسبته 10 بالمئة من قوة العمل في القطاع العام وتقليص أجور المتبقين بنسبة 10 في المائة حتى عام 2003، حتى بدون موافقة الهستدروت. ويدور الحديث عن إقالات مخطط لها لـحوالي 60 ألف شخص، بهدف توفير 4-5 مليار شيكل في ميزانية العام 2003. وكنتيجة لذلك ستتضرر الخدمات للمواطن بما في ذلك التعليم والصحة. (هآرتس - 4/2)؛ ثالثا، تهتم الحكومة بتخفيض العجز في الموازنة بإجراء تقليص في موازنة بعض الوزارات وتقليص الدعم لجمهور المتقاعدين وللخدمات الاجتماعية؛ وهو ما يعترضه مصاعب جمة.
المهم من كل ذلك أن الحكومة الإسرائيلية، بزعامة شارون، مازالت مصرة على تجاهل حقيقة الترابط بين التدهور في الوضع الاقتصادي والتدهور في الوضع الأمني، بالترابط أيضا مع الانهيار في عملية التسوية، التي شهدت إسرائيل في ظلها، كما بينا، أعلى معدلات للتنمية وللاستثمار الأجنبي في تاريخها، إلى درجة دفعت سيفر بلوتسكر إلى مطالبة شارون بمصارحة الإسرائيليين بحقيقة الواقع بقوله: "عليكم، سيدي رئيس الحكومة أن تقولوا الحقيقة. قولوا لنا ببساطة: إذا لم نخرج، وطالما لم نخرج، من الحرب مع الفلسطينيين، فلن نخرج من الأزمة الاقتصادية، إذ لا نمو بدون السلام".(يديعوت أحرونوت10/2)
وفي الختام لا بد لنا من التنويه إلى أن إسرائيل قادرة بشكل أو بأخر على معالجة أزماتها ومشاكلها الاقتصادية بحكم إمكانياتها وعلاقاتها الاقتصادية الدولية وضمان الولايات المتحدة الأمريكية لاستقرارها وتطورها. ومع ذلك ينبغي لنا أن نشير أيضا إلى أن الأزمة الاقتصادية في إسرائيل لم تبلغ، بعد، حد الخطوط الحمر بالنسبة للإسرائيليين، فهي مازالت تلامس القشرة أو حدود الرفاهية بالنسبة لهم، فخسارة 6 ـ 7 مليار دولار سنويا تعني خسارة قدرها 6 ـ 7 بالمئة، فقط، من الناتج القومي الإسرائيلي الذي يبلغ 110 مليار دولار. ويمكن أن نميز الفرق إذا عرفنا أن خسائر الفلسطينيين التي تبلغ حوالي 5 ـ 6 مليار دولار، سنويا، تشكل أكثر من 150 بالمئة من الناتج القومي لهم. وعلى أية حال فإن الصراع في المجال الاقتصادي هو وجه من وجوه صراع الارادات وقوة التحمل بين المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي، فالصراع أساسا يدور في المجال السياسي.