مقابلة صدام التلفزيونية تثير تحفظات واشنطن

واشنطن- من بات ريبر
البيت الابيض يعتبرها دعاية مضادة

في ظل انتقادات من جانب البيت الابيض بأنها تبث "دعاية" موالية للعراق، بثت شبكة تليفزيون سي.بي.أس ليلة الاربعاء المقابلة التي أجرتها مع الزعيم العراقي صدام حسين كاملة.
وقامت سي.بي.أس منذ يوم الاثنين الماضي ببث أجزاء من المقابلة أشارت إلى أن صدام لن يدمر صواريخ الصمود كما أمرت الامم المتحدة. كما نفى صدام وجود أية علاقة مع منظمة القاعدة وقال أنه لن يذهب أبدا إلى المنفى، وتعهد بعدم تدمير آبار النفط العراقية في حالة وقوع هجوم.
ولكن ليلة الاربعاء ظهرت صورة الرئيس العربي هادئا ومسترخيا فيما يواجه ضغوط من العالم كله تهدف لنزع أسلحة بلاده النووية والبيولوجية والكيماوية. ويحتشد أكثر من 200 الف جندي أمريكي وبريطاني على حدوده في انتظار أوامر من واشنطن ولندن للاطاحة به.
وراح صدام وقد ارتدى حلة رمادية من ثلاث قطع ويمسك بقلم يقلبه في يديه، راح يتحاور مع الصحفي دان راثر فيما كانت كاميرات ومترجمون عراقيون يعكفون على تسجيل وترجمة مادة الحوار.
باتت مخاوف البيت الابيض من إذاعة المقابلة واضحة في وقت سابق من يوم الاربعاء عندما وجه المتحدث آري فلايشر "التهنئة" لراثر على إجرائه "مقابلة صحفية جدية" مع صدام. ثم أضاف فلايشر "إلا أننا نرى أن ما قاله صدام حسين يندرج تحت بند الدعاية والاكاذيب".
وعلى ما يبدو فإن سي.بي.أس عرضت على الرئيس الامريكي جورج بوش أو مسئول كبير أخر - بالحديث أثناء إذاعة المقابلة، لكن هذا لم يحدث. وفي الواقع، فإن بوش حظي بتغطية تليفزيونية كافية من قبل إذاعة مقابلة صدام في خطاب بث على الهواء تحدث فيه عن المخططات الامريكية الكبرى الخاصة بالديمقراطية في الشرق الاوسط.
وخلال المقابلة التي أجريت في القصر الجمهوري الذي شيده البريطانيون مطلع القرن العشرين في بغداد، ابتسم صدام ورفع حاجبيه ونظر بعينيه شزرا بل وضحك في بعض المناسبات منها على سبيل المثال عندما سئل عما إذا كان يتحدث الانجليزية.
وفي الحقيقة، فإن صدام حسين مال على مترجمه كي يؤكد بالعربية على أنه يشير إلى جورج بوش الاب - الذي شن حرب الخليج الاولى ضد العراق - باعتباره "مستر (السيد) بوش" وليس "بوش" فقط.
وتعهد صدام بمحاربة القوات الغازية وقال أن قدره وقدر بلاده في يد "الله".
وقال صدام "إن القدر لا يصنعه بلد أجنبي. إننا نؤمن بالله والله وحده الذي بيده مقاليد كل شئ. أننا نعيش هنا في حرية وشعبنا سيواصل الدفاع عن حريته وعن مقدساته وعن شرفه وعن بلاده".
كما سأل راثر الرئيس العراقي عما إذا كان يوافق أو لا يوافق على هجمات 11 أيلول/سبتمبر عام 2001 الارهابية على الولايات المتحدة. يذكر أن واحدة من المزاعم الاساسية لواشنطن هي أن للعراق صلات بإرهابيي منظمة القاعدة وإنه دربهم على استخدام الاسلحة البيولوجية والكيماوية، وهي مزاعم رفضها المجتمع الدولي.
وتجاهل صدام السؤال عن الهجمات الارهابية على الولايات المتحدة وقال "دعني أقول لك شيئا في منتهى الوضوح. إن مبادئنا ليست وطنية أو قومية فحسب بل هي مبادئ إنسانية. إننا نؤمن بالانسانية. ونؤمن بأنه على العالم أن يسعى من أجل إيجاد فرص للسلام وليس فرص للحرب أو القتال أو الانتقام أو إيذاء الاخرين".
وأضاف صدام "إننا نؤمن - أنه كما علمنا المولى عز وجل - فإنه بنفس الطريقة علم البشرية كلها - وأيا كان الدين الذي يعتنقه الناس - فإن يتعين أن يكون هناك قانون يحكم البشرية ويحكم العلاقة بين البشر وأنه لا يتعين أن يكون هناك معتدي يلتزم الاخرون الصمت حياله".
وأضاف صدام "القاتل يتعين ألا يكتفي الاخرون أمامه بالمشاهدة والتصفيق. المحتل مغتصب الارض يتعين عدم التزام الصمت إزاءه والتقاعس عن التحرك لازالة احتلاله".
والمقابلة التي أجراها راثر من شبكة أي.سي.أس في بغداد يوم الاثنين الماضي، واستغرقت ثلاث ساعات، هي أول مقابلة يجريها الرئيس العراقي مع صحفي أمريكي منذ حوالي عشر سنوات حسبما ذكرت الشبكة.
وكانت سي.بي.اس قد ذكرت يوم الاثنين الماضي أن صدام أشار في المقابلة أنه لن يدمر الصواريخ التي تقول الامم المتحدة أنها غير مشروعة. وأمام العراق مهلة حتى الاول من آذار/مارس للبدء في تدمير هذه الصواريخ طبقا لطلب هانز بليكس، كبير مفتشي الاسلحة التابعين للامم المتحدة.
كما بثت يوم الثلاثاء مقتطفات تظهر راثر وهو يسأل صدام عما إذا كان سيدمر آبار النفط العراقية أو أنه سينسف السدود في حالة وقوع غزو.
ونقل عن صدام قوله في تفريغ للمقابلة على موقع سي.بي.أس على شبكة الانترنت "إن العراق لا يحرق ثروته ولا يدمر سدوده".
كما نفى الاتهامات الامريكية بأن عملاء لتنظيم القاعدة أقاموا خلايا في العراق يخططون منها للقيام بشن هجمات بيو-كيماوية في أوروبا. وتزعم الولايات المتحدة أيضا أن خبراء الاسلحة البيو كيماوية العراقيين دربوا عملاء للقاعدة.
وقال صدام "إن العراق لم يقم أية علاقات مع القاعدة وأعتقد أن السيد (أسامة) بن لادن نفسه قال في واحدة من خطبه مؤخرا نفس الاجابة وهي إنها لا نقيم علاقات معه".
وردا على تقارير ذكرت أنه يتعرض لضغوط من جانب أشقائه العرب للذهاب إلى المنفى مع كبار مساعديه لتجنب حرب شاملة، قال صدام أنه يفضل الموت على مغادرة بلاده.
وقال صدام "إن من يقرر التخلي عن أمته مهما كانت الضغوط إنسان غير وفي لمبادئه. إننا سنموت هنا. سنموت في هذا البلد وسنحافظ على شرفنا".
كما قال صدام أنه يود إجراء مناظرة مع بوش بشأن الحرب المحتملة بين البلدين على غرار المناظرات بين مرشحي الرئاسة الامريكية، وأن تنقل المناظرة على الهواء مباشرة عبر أجهزة الاذاعة والتليفزيون.
وتابع صدام "أدعو لهذه المناظرة لان الحرب ليست نكتة".
وقال صدام "ستكون المناظرة بمثابة فرصة له (بوش) إذا كان مصمما على الحرب .. لاقناع العالم".
وردا على ذلك أبلغ المتحدث باسم البيت الابيض آري فلايشر الصحفيين يوم الاثنين الماضي أن اقتراح الرئيس العراقي "غير جدي". وقال فلايشر "المسألة ليست مسألة مناظرة بل نزع سلاح وإذعان لاوامر العالم بنزع الاسلحة العراقية".