وديع فلسطين .. كاتب المقالة الأول

بقلم: د. حسين علي محمد

وديع فلسطين أديب كبير من روّاد أدبنا الحديث، وإنني أعده بعد رحيل محمد عوض محمد وزكي نجيب محمود كاتب المقالة الأول في عصرنا.
بدأ الكتابة منذ شبابه، ترفده عزيمة وثّابة أن يكون من أصحاب القلم النابغين، يقول: « كنت أكتب بمفردي أكثر من ثلاث صفحات يوميا في "المقطم"، وهو جريدة بحجم الأهرام، وكنت إلى جانب ذلك أحرر في "المقتطف"، وأكتب في مجلات العالم العربي الأدبية، وأُدرِّس الصحافة في الجامعة الأمريكية، وأُحاضر في الجمعيات والندوات».
ووديع فلسطين (المولود عام 1923م، والذي نحتفل ببلوغه الثمانين ) أديب كبير من أدباء الضاد في عصرنا، يُقدِّره الأدباء العرب حق قدره، ويحتفظون بما ينشره أو يذيعه في الناس في أفئدتهم، وفي حدقات عيونهم.
وإن كانت ظروفه ـ بعد عام 1952م ـ لم تُمكنه من أن يتفرّغ للأدب الذي يعشقه ويحبه، فقد عمل منذ ذلك الوقت في وظائف تتعلق بالترجمة مما شغله عما كان يريد إنجازه في الأدب، يقول في إحدى رسائله لي:
"… والحقيقة أنني وإن كنت "سيّال القلم" كما وصفني أمس نائب رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق، فإنني أعد نفسي مقلا بالنسبة لما كنت أكتبه وأنا في أول الشباب، ثم بالنسبة لما في ذهني من موضوعات أحب الكتابة فيها ورغبات أشتاق إلى تنفيذها. ولكنني مضطر إلى صرف نحو 18 ساعة يوميا في العمل المتصل برزقي، وعليَّ أن أتدرَّع من إنـكشاريات الحياة التي تُطاردني … وتُعكِّر صفاء ذهني، فلا يبقى لي بعد ذلك من الوقت أو الجهد أو صفاء البال ما تهون معه تأدية تبعات الأدب على الوجه الذي أُحب".
وقد تثقف وديع فلسطين ثقافة جادة، قال عنها: "إن مطالعاتي في أول عهدي بالحياة كانت مطـالعات باللغات الأجنبية، وكانت تتناول جميع فروع المعرفة، أدباً وعلماً وعلم نفس واقتصاداً وسياسةً وتراجم … وما إلى ذلك، أما قراءاتي العربية فكانت تسير على غير منهاج مقرر؛ فقد أُطالع كتاباً إنكليزيا في علم النفس، فيقودني حب الاستطلاع إلى معرفة المرادف العربي للمصطلحات الإنكليزية، فأعكف على قراءة كتاب عربي، وهمي الأول المقارنة بين المصطلحات ومعرفة مدى توفيق الكاتب في ترجمتها".
"وقد أكون في مجلس من مجالس الأدب، فيُشير واحد من الحاضرين إلى أديب لبناني اسمه أمين نخلة لم يسبق لي أن سمعت باسمه، فأحاول تلافياً لتقصيري وجهلي اقتناء جميع كتبه ودواوينه وقراءاتها. وكنت أعمل نفس الشيء بالنسبة للأدباء المختلفين، فأشتري جميع كتب المازني وأطالعها الواحد بعد الآخر. ثم أنتقل إلى طه حسين، وسلامة موسى، والمنفلوطي، وشوقي … وهلم جرا".
"و لعلك لا تصدِّق أني منذ تخرجت في الجامعة عام 1942م، وأنا لا أمشي في الشارع إلا ومعي كتاب، أقرأه في الترام أو في الأتوبيس أو في المقهى أو في الشارع أو في انتظار "ركوبتي". وعندما كانت لديّ سيارة وسائق، كنت أصرف الوقت من بيتي إلى مكتبي أو إلى مواعيدي في القراءة. ومعنى هذا أنني كنت وما زلت أشتري الكتب بالعشرات، عدا ما يأتيني هدية من القراء والمؤلفين. وكانت سنوات عمري الأولى تتسع للكتابة في الصحف تعريفاً بكل كتاب أطالعه، أما الآن فقد صار مُتعذِّراً عليّ أن أكتب عن كل كتاب فصلا مستقلا. ولعل لديّ مئات من المقالات في نقد الكتب والتعريف بها نشرتها في صحف كثيرة "كالمقتطف"، و"الأديب"، و"المقطم"، و"الآداب"، و"العلوم"، و"اليقظة العربية" السورية، و"منبر الشرق"، … إلخ".
ولقد تتلمذ في الجامعة على أيدي عمالقة منهم: الدكتور فؤاد صروف والسباعي بيومي والسيد شحاته وعبد الله حسين (أحد أركان جريدة "الأهرام" في الأربعينيات)، ثم عمل في الحياة مع الدكتور فارس باشا نمر، وخليل تابت باشا، وخليل مطران بك، وعلي الغاياتي، والدكتور نقولا الحداد، وإسماعيل مظهر، والدكتور بشر فارس … وغيرهم، فكان لا مفر لـه من الاشتغال بالأدب مهما حاول أن ينصرف إلى الصحافة.
وهو لا يفهم للأدب حياة، إلا مع الحرية الكاملة غير المقيَّدة. فإن كان هناك قيد واحد فقل على الأدب السلام.
يقول لي في رسالة: "تسألني عن واقع الأدب العربي ومستقبله، فأقول لك بالمختصر المفيد: لا واقع للأدب ولا مستقبل بغير الحرية الكاملة".
ويقول: "ومهما نقّبت في سود صفحاتي فلن تجد في كل ما كتبته حرفاً واحداً قيل في امتداح طاغوت أو الإشادة بطغيان. ولعل هذا هو سرّ تجاهل الدنيا الأدبية لي، لأنني لم أعرف من أين تؤكل الأكتاف والعصاعيص".
ولكن أستاذنا الوديع الذي ملأ الدنيا وشغل أهل الأدب بكتاباته يرى أن يجلس في مقعد خلفي من مقاعد الأدب!! وقد قال في حوار معي: "أرى نفسي في أقصى مقعد خلفي من مقاعد المتفرجين على مواكب الحياة الأدبية، وهو مكان آثرته لنفسي بعدما "توظف" الأدب، وصار الأديب يُعرف لا بإنتاجه بل بدرجته الوظيفية أو عضويته للجان والمجالس المختلفة. فإذا توافر الأديب على أداء رسالته في ترهُّب الناسكين كعلي أدهم، أو إذا أبت عليه كبرياؤه أن يُسخِّر شعره في الاسترضاء أو الاستعطاء كمحمود أبي الوفا، أو إذا ضاق بشموخ عقله القالبُ المصبوبُ كمحمود محمد شاكر، أو إذا ازورَّ عن القعود في " قهوة الفن" كمحمود البدوي، فبشرهم بالنسيان حاضراً، وإن كنت على يقين أن المستقبل لن ينساهم مهما استطالت أزمنة الجحود".
إننا يا أستاذنا الكريم نُقدر فنك وأدبك، ومقالاتك تُدرّس في الجامعات، وتأخذ مكانها في قاعات الدرس وفي الكتب الجادة، ويذكر تاريخ الأدب ـ الآن ـ وسيذكر في المستقبل أنك واحد من أفضل كتاب المقالة في عصرنا، إن لم تكن أفضلهم الآن على الإطلاق. د. حسين علي محمد
أستاذ الأدب الحديث المشارك
كلية اللغة العربية ـ الرياض
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية