سفود الجماجم: محمد خليفة المرر يحارب تزييف ارادة الشعوب

أبو ظبي- من عبد الناصر فيصل نهار

يحفل العالم الروائي للكاتب والأديب الإماراتي محمد خليفة المرر، بمؤلفات عدة أثارت الإعجاب في الساحة الأدبية سواء عربياً أو عالمياً، وقد ترجم بعض تلك الأعمال للغتين الإنجليزية والفرنسية لعلّ أبرزها "مدائن من رماد" الذي حظي بدعوات عربية لـ "اليونسكو" لدعم هذا العمل الروائي المتميز باعتباره يدعو لعالم يسوده الحبّ والسلام والإخاء، ومن الأعمال المتميزة أيضاً "ذاكرة من أحزان"، "ناي الجسد"، "وهج الأنثى"، "رعشة الأطيار"، "تيه الثرى"، و"وشل الطغيان."
وإذا كان البطل في "مدائن من رماد" هو الشيخ حمد، فإن أبطال العمل الجديد هم النملة والفأرة والضفدع والعنكب والقنفذ والسرطان..، وجميعهم ضمائر تولت مهمة إيصال رسالته إلى العالم، وإيضاح مسئولية الجميع تجاه الديمقراطية الزائفة، والانتخابات الحرة، ومحاولة تزييف إرادة الشعوب، وعزل أصحاب الآراء عن المشاركة ودفعها للعزلة، وغيرها من قضايا المجتمع الهامة.
والكاتب لا يلجأ قط إلى أساليب القص الحداثية التي يفتعلها البعض بحثاً عن التفرد وإيهاما بالتجديد، بل يقدم أفكاره عبر بناء فني يعتمد لغة سلسة وتراكيب ذات خصوصية تتسق وطبيعة طرحه..
ويؤكد الكاتب والأديب الإماراتي محمد خليفة المرر أن النظام الحضاري الذي يجب تقديم صورته النظيفة للأجيال القادمة هو الزيادة في المنتوج الثقافي القائم على تطوير علم الاقتصاد ومتابعة سلسلة النظام السياسي العالمي، وفرض تقاليد أخلاقية تتماشى مع قيم العصر وفتح نافذة عريضة على شتى العلوم والفنون العالمية. ومما لا ريب فيه أن العقل هو مفتاح التقدم نحو أشكال التطور بمختلف أنواعه..
ويقول في مؤلفه "سفود الجماجم" إنه للحقيقة التاريخية فإن تعريف السلم على اختلاف وتنوع أشكاله هو علاقة انقسامية بين روح العطاء غير المنتهى من ضرورة علمية وفكرية وأخصها على التحديد الإنسانية منها وبين مادية العلاقة مع العالم من حولنا.. وقد تجدر الإشارة إلى تحديد معالم التكافؤ بين العقليات في المجتمع الواحد، لكن الفعالية والتواصل هما أساس الخروج من بوتقة الحصار الفكري الذي أغرق بعض الثقافات جهالة وأمتعهم تخلفاً على مدار قرون عدة تمتع فيها البشر بقيم تشبه الكلمات المتقاطعة.
ويقول مصطفى عبدالله رئيس القسم الأدبي بجريدة الأخبار القاهرية وعضو لجنة الكتاب والنشر بالمجلس الأعلى للثقافة "أعادني هذا الكتاب مباشرة إلى عالمي القديم الذي مضى عليه أكثر من ربع قرن من الزمان، عندما قدر لي أن أدرس النقد في أكاديمية الفنون على يد واحد من أشهر رجالاته هو الدكتور رشاد رشدي الذي زرع في نفوسنا معنى الموضوعية في التعامل مع النص الأدبي وتقييمه بمعزل عن شخصية كاتبه أو موقعه من عصره. فحتى هذه اللحظة أعترف بأنني لم أر مؤلف هذا الكتاب فقد تعرفت إليه فقط عندما بدأت أطالع مخطوطة هذا الكتاب الذي وصلني عبر مطابع أخبار اليوم كي أقدمه للقراء."
ويؤكد مصطفى عبد الله "أننا هنا إزاء شكل فني جديد قديم في آن واحد ونحن أمام عمل منفصل متصل في نفس الوقت، كما أننا بصدد عمل يلجأ إلى الرمز للتعبير عن آراء كاتبنا في أخطر القضايا التي تشغله بل وتشغل مجتمعه والمجتمعات الإنسانية كلها، إلا أن هذا الشكل يبرز مسئولية الجميع تجاه هذه القضايا ومنها على سبيل المثال الديمقراطية الزائفة، والانتخابات الحرة ومحاولة تزييف إرادة الشعوب وعزل أصحاب الآراء – المغايرة لما يسود في المجتمع – عن المشاركة ودفعها للعزلة وجعلها تكتفي بترديد ما أطلق عليه الكاتب «لغة اللعنة» وهو تعبير يستحق التأمل."
ويشي هذا النص بأن كاتبه يمتلك قدراً كبيراً من البراعة الذكية التي جعلته يسقط كل ما يؤمن به من أفكار على ألسنة شخوصه من النمل والضفادع والفئران والعناكب والقنافذ أيضاً.
فينطقها صوته ويعبر بها عن آرائه كما في حوار النملة لأختها "صدقيني أختي النملة إن الواحد منا مهما اجتهد فلن يحصل إلا على نصيبه من العيش لقد قدر علينا الشقاء مع غيرنا من باقي الأصناف، فأنا أتساءل عن جدوى وجودي لماذا أجمع الحَبَّ؟ ... أليس من الجنون أن يكون همنا الوحيد هو الأكل؟... وما فائدة حياة تخلو من فعل نبيل؟"
ويتعمق إحساسنا ببراعته الذكية ونحن نحلل الحوار الذي دار بين الضفدع والسرطان من ناحية الضفدع والضفدع من ناحية أخرى والذي يبين لنا أفكار الكاتب وآراءه في هذه المجتمعات المغلقة التي ترفض الوافد إليها خشية أن ينازعها مصادر وجودها وعوامل بقائها ضاربة بالقيم النبيلة عرض الحائط.
وحتى عندما يود الكاتب أن ينتقد الحضارة يلجأ إلى الرمز عندما يتخذ من العناكب شخوصاً لإيصال أسئلته الفلسفية.
هل الرأس مازالت رأساً؟ وهل البطن أصبحت رأساً؟ في عالم المدينة الذي يجعله يشك في مسلماته.. هي النهاية إذن.. نهاية بداية حقيقية نحو التفتح على مختلف عقليات العصر الذي ترمي إلى تصعيد السلام والأمن في العالم لا إلى تفجيره حقداً وخيانة وموتاً.
فكاتبنا لا يزال يدعو إلى إفشاء الحب والسلام بين البشر وكذلك بين الكائنات الأخرى. عبد الناصر فيصل نهار - ابو ظبي