فن المسرحية من خلال تجارب باكثير الشخصية

مراجعة: أحمد فضل شبلول
احمد باكثير

في أواخر عام 1990 دعا المؤتمر الدولي الأول للفن الإسلامي المنعقد بمدينة قسنطينة الجزائرية، الكاتب الروائي نجيب الكيلاني للحديث عن تجربته الذاتية في كتابة القصة الإسلامية، التي صدرت فيما بعد في كتاب بعنوان" تجربتي الذاتية في القصة الإسلامية".
وفي أوائل الستينيات الميلادية ـ من القرن المنصرم ـ دعا معهد الدراسات العربية العالية التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة، الكاتب المسرحي علي أحمد باكثير للحديث ـ في شكل محاضرات ـ عن فن المسرحية. واقترح مندوب المعهد، د. اسحق الحسيني ـ في ذلك الوقت ـ على باكثير أن يكون حديثه لشباب المعهد عن تجاربه الشخصية في كتابة المسرحية.
ثم صدرت هذه المحاضرات فيما بعد في كتاب عنوانه" فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية"، وبين أيدينا الآن الطبعة الثانية من هذا الكتاب الصادرة عن دار المعرفة بالقاهرة في أبريل 1964.
وكما يقول نجيب الكيلاني ـ في كتابه: "فإن طرح تجارب الكتَّاب يعد مصدراً للفائدة والمتعة، وهو أيضا توثيق للروابط وإفساح المجال لمزيد من الفهم والتفاهم حيث إنه يجيب على بعض التساؤلات التي قد يثيرها العمل الأدبي".
وعليه فإن أمتع أشكال القراءة تلك التي يقف من خلالها القارئ على تجارب هؤلاء الكتَّاب في كتاباتهم وممارساتهم الأدبية المختلفة، وبخاصة هؤلاء القراء المتابعين لأعمال كتابهم المفضلين. فن كتابة السيرة الذاتية لذا فقد شاعت في العقود الأخيرة كتابة السيرة الذاتية أو الشعرية أو الأدبية بوجه عام بين عدد كبير من أدبائنا ونقادنا العرب. ولعل أيام طه حسين تعد من أشهر السير الشخصية أو الذاتية لصاحبها في العصر الحديث. ثم راح بعد ذلك عدد من الأدباء والشعراء يكتبون عن تجاربهم في أعمالهم الأدبية ويمزجونها بحياتهم الشخصية والحياة العامة سواء في طفولتهم أو شبابهم وكهولتهم، فعباس محمود العقاد يكتب" أنا" و" حياة قلم"، وعلي أحمد باكثير يكتب" فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية"، وصلاح عبد الصبور يكتب عن تجربته في الشعر، ويفعل هذا كل من نزار قباني وفدوى طوقان وغازي القصيبي وشفيق جبري، ويكتب طه وادي" الليالي" وفاروق شوشه" عذابات العمر الجميل" ولويس عوض" أوراق العمر"… وغيرهم.
كما أفردت بعض المجلات أبوابها لتشجيع هذا اللون من الكتابة الأدبية، فمجلة الفيصل تقدم باباً بعنوان" من تجاربهم"، ومجلة الهلال تقدم بابا بعنوان" سنوات التكوين".. وهكذا..
ووقفتنا اليوم ستكوم مع تجربة علي أحمد باكثير التي أودعها كتابه "فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية". النشأة الأولى لقد تحدث باكثير في كتابه هذا عن نشأته الأدبية الأولى في حضر موت حيث بدأ ينظم الشعر منذ أن بلغ الثالثة عشرة من عمره. يقول: "كان جُل اهتمامي بالشعر، ومبلغ اجتهادي للتبريز فيه. فلم أدع ديوانا لشاعر من الأقدمين أو المحدثين وقع في يدي إلا قرأته التهاما. وكان مثَلي في الأقدمين أبو الطيب المتنبي، وفي المحدثين أحمد شوقي، غير أني لم يتح لي الاطلاع على شئ من مسرحياته إلا بعد ما رحلت حضر موت فأقمت برهة في الحجاز. فكانت مسرحيات شوقي هي أول ما عرفت من هذا الفن المسرحي. فكان عندي عجبا أن أرى الشعر الذي كنت أعرفه للتعبير عن ذات الشاعر أو لوصف شئ من الأشياء مهما يكن موضوعيا فلابد أن يشوبه شئ من ذاتية قائله، كان عندي عجبا أن أرى هذا الشعر وقد تحول إلى حوار ومساجلة بين اثنين أو أكثر على نحو يجعل كل شخصية تعبر عن ذاتها ووجهة نظرها، ويضعها في صراع مع غيرها من الشخصيات، ويدور كل ذلك حول قصة واحدة هي مادة هذا العمل الشعري الذي يؤلف ديوانا صغير الحجم، يختلف عن الدواوين المألوفة حيث إنه ينتظم موضوعا واحدا، ولا يتناول موضوعات مختلفة كتلك الدواوين".
إذن كان لاطلاع باكثير على مسرحيات شوقي أثر كبير في نفسه، هزَّه من الأعماق، وجعله يقرر أن يكتب مسرحية شعرية سماها" همَّام أو في عاصمة الأحقاف" أثناء وجوده في الطائف، وكان يعرض ما يكتبه على صديقه الأستاذ حسن محمد كتبي الذي كان يشجعه للاستمرار في إنجاز هذا العمل.

الانتقال إلى القاهرة وإعادة النظر إلى المقاييس الأدبية وبانتقال باكثير إلى القاهرة ـ التي كانت تشكل له حلما رائعا، وبانتظامه في دراسة الأدب الإنجليزي بكلية الآداب ـ جامعة القاهرة، وجد بلبلة نفسية من حيث نظرته إلى الشعر الذي ينظمه وينشره في الصحف. لقد غيرت هذه الدراسة نظرته لمفهوم الأدب كله. يقول:
"فأخذت أعيد النظر في المقاييس الأدبية التي كانت عندي من أثر ثقافتي العربية، ويهمني هنا أن أخص بالذكر ما يتعلق بدراسة المسرحية فقد انجذب قلبي إليها أكثر من انجذابي إلى غيرها من فنون الأدب الأخرى، كالقصة والأقصوصة والملاحم والشعر القصصي، وكان يستهويني بوجه أخص أعمال شكسبير، ولعل مرجع ذلك ـ بالإضافة إلى مكانته المعروفة في هذا الفن ـ أنه شاعر وأنا كنت إذ ذاك مازلت اعتبر الشعر ميداني الأول، فلا غرو أن افتتن بشكسبير باعتباره يجمع بين الفن القديم الذي أحبه، وهو الشعر، وبين هذا الفن الجديد الذي بدأت اكتشف في نفسي الاستجابة إليه وهو فن المسرحية". الانقطاع عن الشعر لقد انقطع باكثير ـ في هذا الوقت ـ برهة عن كتابة الشعر، وحاول إيجاد طريقة جديدة للنظم، فكان الوقوع على محاولة إيجاد الشعر المرسل في اللغة العربية يقول: " انقطعت برهة عن نظم الشعر، تمت من خلالها تجربة جديدة بالنسبة إلي، ثم تبين أنها جديدة أيضا بالنسبة إلى مستقبل الشعر العربي الحديث، وأعني بها محاولة إيجاد الشعر المرسل في اللغة العربية".
ثم كان لقاؤه العاصف مع أستاذ الأدب الإنجليزي الذي تحدث عن الشعر المرسل في اللغة الإنجليزية، وكيف أن الشعر العربي لا ينجح فيه كتابة مثل هذا اللون من الشعر فاعترض باكثير عليه قائلا: "أما أنه لا وجود له في أدبنا العربي فهذا صحيح، لأن لكل أمة تقاليدها الفنية، وكان من تقاليد الشعر العربي التزام القافية، ولكن ليس ما يحول دون إيجاده في اللغة العربية، فهي لغة طيعة تتسع لكل شكل من أشكال الأدب والشعر".
ثم حاول أن يترجم فصلا من مسرحيات شكسبير بهذه الطريقة. بعد أن ترجم له من قبل بطريقة الشعر المقفى المألوف فصولاً من مسرحية" الليلة الثانية عشرة" ونشر بعضها في مجلة الرسالة لصاحبها الزيات. روميو وجولييت وإخناتون ونفرتيتي ويورد باكثير ـ في كتابه هذا ـ شيئا من ترجمة بعض فصول مسرحية "روميو وجولييت". ثم بعد ذلك يكتب مسرحيته الشعرية" إخناتون ونفرتيتي" بعد إحساسه بالرضا عن نجاح تجربته في ترجمة أجزاء من "روميو وجولييت". وقد اختار لمسرحيته الشعرية الجديدة بحرا واحدا هو بحر المتدارك الذي أدرك أنه أصلح البحور كلها لهذا الغرض.
ولكن يغيّر باكثير من طريقه في كتابة المسرحية الشعرية، ويتجه بكليته إلى كتابة المسرحيات النثرية، على الرغم من إشادة المازني بتجربة الشعر المرسل لدى باكثير في مقدمة مسرحية "إخناتون ونفرتيتي".
لقد انقطع باكثير عن المسرح الشعري، وأحس بأن النثر هو الأداة المثلى للمسرحية، ولا سيما إذا أريد بها أن تكون واقعية، وأن الشعر لا ينبغي أن يكتب به غير المسرحية الغنائية التي يراد بها أن تُلحن وتُغنى، أي "الأوبرا". عدم صلاحية الشعر المقفى لقد وصل الأمر بباكثير إلى إنكار صلاحية الشعر المقفى القائم على اتخاذ البيت وحدة نغمية مستقلة للمسرحية الشعرية. يقول: "فهذا الشعر أبعد ما يكون عن الصلاحية ليكون لغة المسرح، لأن استناده إلى البيت الكامل كوحدة مستقلة عن سابقه، وعن لاحقه، يعمل على تجزئة الوحدة التعبيرية، وتقطيعها إلى وحدات متساوية، مستقل بعضها عن بعض، دون مراعاة لاختلاف الجمل المسرحية طولا وقصراً. وينشأ عن ذلك أن الجملة المسرحية التي تكون أطول من أن يستوعبها بيت واحد تنشطر في بيتين تفصل القافية بينهما فصلا واضحا ليس من السهل على المستمع أن يغفل عنه. وكذلك الحال في الجملة المسرحية التي تكون أقصر من أن تشغل بيتاً كاملا فإما أن يصلها الكاتب بجملة مسرحية أخرى أو بجزء من جملة مسرحية أخرى، وإما أن يضطر إلى الحشو لتكملة البيت".
لقد جَرَّب باكثيرـ قبل أن يقطع صلته النهائية بفن الشعرـ كتابة المسرحية الغنائية "الأوبرا" فكتب "قصر الهودج" التي يقول عنها: "حرصت على أن أجعل نظمها موسيقيا ما أمكن لتكون صالحة للتلحين والغناء، ولم أتقيد فيها ببحر واحد، بل استعملت مختلف البحور حسبما يقتضي المقام، مراعيا في ذلك مطابقتها لحالات التعبير المختلفة، ومتحاشيا اطراد البحر الواحد والقافية الواحدة ما أمكن، حتى لا تكون المسرحية مجموعة من القصائد مضموما بعضها إلى بعض، كما حرصت على التنويع في القوافي ليكون ذلك أبلغ في التنغيم الموسيقي". هل عرف العرب فن الدراما؟ ثم يتحدث بعد ذلك ـ في محاضراته بالمعهد ـ عن نشأة الفن المسرحي، وهل وُجدت الدراما عند العرب؟ مجيبا عن ذلك السؤال بقوله: "لم يحفظ لنا التاريخ شيئا عن وجود شيئ من الدراما عند العرب في وثنيتهم الجاهلية، ولعل مرد ذلك إلى أن الوثنية العربية لم تكن وثنية أصلية، إذ هي في الواقع صورة مشوهة من دين قائم على التوحيد، هو دين إبراهيم وإسماعيل. ولذلك لم تتكوَّنْ لها تقاليد عميقة كما كان الشأن لدى الوثنيات الأخرى".
ثم يتحدث عن فن المسرحية باعتباره فنا جماعيا تعاونيا إلى حد كبير "فالكاتب المسرحي لا يستطيع أن يتحكم تحكما تاما في عمله الفني كما يفعل كاتب القصة مثلا، لأنه مضطر أن يراعي اعتبارات خارجية كثيرة، منها الممثلون الذين سيقومون بتمثيل مسرحيته ومنها الإمكانيات المادية للإخراج والمخرج نفسه، والجمهور، واللغة .. ".
ويذهب باكثير بعد ذلك إلى أن المأساة ظهرت ـ تاريخيا ـ قبل الملهاة "ولا غرو في ذلك إذا علمنا أن الفن المسرحي نشأ أول ما نشأ في ظل المعابد الوثنية كجزء من الطقوس الدينية ولا مكان في تلك المعابد للهزل والسخرية". كتابة المسرحية والقدرات الفنية وبعد هذه المقدمة عن الفن المسرحي ونشأته يعود باكثير للحديث عن تجاربه المسرحية وقدراته الفنية في هذا المجال. يقول عن نفسه: "كان أول ما اكتشفت هذه القدرة عندي حين كتبت تمثيلية من فصل واحد عن الرئيس الأمريكي السابق ترومان الذي تمت على يده مأساة فلسطين وكان عنوانها (سأبقي في البيت الأبيض) وقد شجعني نشر هذه التمثيلية ونجاحها على مواصلة هذا الاتجاه السياسي، فكتبت ما يزيد على سبعين تمثيلية عن مختلف القضايا العربية والإسلامية، كان معظمها يفيض بالسخرية حين كنت أتناول الشخصيات الاستعمارية من أمثال: تشرشل وترومان والجنرال سمطس، وكذلك أعوان الاستعمار وأذنابه من حكام العرب أو ساستهم". وقد جمع باكثير كل هذه التمثيليات أو المسرحيات في كتاب بعنوان "مسرح السياسة".
وعن عناصر التأليف المسرحي يذهب باكثير إلى أن هذه العناصر تتمثل في: الفكرة الأساسية والموضوع، ورسم الشخصية أو التشخيص، والصراع، والانتقال التدريجي، والحركة، والحوار، والبناء أو التخطيط، والدخول والخروج.
وقد توقف قليلا عند الفكرة الأساسية والموضوع وضرب مثالاً بمسرحيته" الدكتور حازم" التي تدور على فكرتين أولاهما لمن تكون ولاية البيت إذا كان الأب ضعيفا غير رشيد، وكان الابن هو الرشيد الحازم؟ والثانية هل للحماة أن تتدخل في شئون زوج ابنتها؟ موضحا أنه لابد من وجود الخلل في حالة الجمع بين فكرتين في مسرحية واحدة.
أما عن الموضوع فقد أوضح أن أمام الكاتب المسرحي مجالا واسعا لاختيار الموضوع اجتماعيا أو سياسيا أو تاريخيا أو أسطوريا. والكاتب في ذلك لا يستطيع أن يستغني عن أمور ثلاثة هي: خبرة واسعة بالحياة الإنسانية، وخيال خصب يساعده على ابتكار صورة جديدة من الحياة، وهدف خاص أو رسالة خاصة يتحمس أو يسعى لتأديتها من خلال هذا القطاع الذي يصوره في مسرحيته.
وفيما يتعلق بتعانق الموضوع والفكرة أوضح باكثير أنه "يحدث أحيانا أن تكون الفكرة الأساسية سابقة للموضوع وقد يكون الموضوع هو السابق للفكرة الأساسية. وفي الحالة الأولى يشعر الكاتب المسرحي بأن فكرة ما تختلج في أطوار ذهنه أو تعتلج في أعماق نفسه، وأنها تصلح نواة لعمل مسرحي إذا وجد لها الموضوع الملائم، فلا يزال يبحث عنه حتى يعثر به في واقعة من وقائع الحياة أو صفحة من صفحات التاريخ أو أسطورة من الأساطير، فيقول لنفسه حينئذ: هأنذا قد وجدته". شيلوك الجديد وهو يتحدث عن التجارب التي مر بها والتي تجسد هذا التلاحم بين الفكرة والموضوع، وذلك أثناء كتابته لمسرحياته شيلوك الجديد(حيث الموضوع قائم على استعارة فكرة هذه المسرحية من شكسبير) ومسمار جحا (كانت الفكرة سابقة للموضوع) وسر الحاكم بأمر الله.
(كان الموضوع سابقا للفكرة الأساسية). وفي مسرحية سر شهرزاد (اقترنت الفكرة بالموضوع في آن فلا يدري أيهما هو السابق وأيهما اللاحق).
ويبين باكثير أن الكاتب أحيانا "يعاني أزمة نفسية كأن يكون في حزن شديد أو يأس مرير فيتلمس متنفسا عنها في عمل مسرحي يستوحيه منها ويترجم به عنها دون أن يعرف بعدُ ماذا يكون موضوع مسرحيته، فقد وقع لي مثل ذلك في مسرحيتي(مأساة أوديب)".
وفيما يتعلق برسم الشخصية أو التشخيص، فإن هناك أبعاداً ثلاثة للشخصية هي: البعد الجسماني، والبعد الاجتماعي، والبعد النفسي.
أما الصراع "فيأتي بعد معرفة الكاتب بشخوصه وحسن اختياره لها في الموضوع الذي يعالجه، والفكرة الأساسية التي يدور عليها، بحيث تكون هذه الشخوص متباينة متناقضة ليتولد بينها الصراع الذي لا تنهض مسرحية إلا به، على أن ينشأ من هذا التناقض تناغم في النهاية يحقق تلك الوحدة المنشودة في كل عمل فني".
أما الحركة، فإنه حيث لا توجد الحركة لا توجد المسرحية، والمراد بالحركة في المسرحية "أن يستمر الخط المسرحي متحركا لا يقف لحظة واحدة. إنها تلك التي تحدث الحركة المتجددة في ذهن المشاهد فلا يفتر ولا يركد أبدا. ويكون ذلك بالوقفة الساكنة كما يكون بالحركة الظاهرة، ويكون بالجملة الصامتة كما يكون بالجملة الناطقة. كل جملة تدفع الحدث خطوة إلى الأمام تسمى حركة، وكل سكتة وكل إشارة وكل شئ يؤدي إلى هذه النتيجة يسمى حركة، وما لا يؤدى إلى هذه النتيجة لا يسمى حركة وإن كان مليئا بالجري والقفز". الحوار أهم عناصر التأليف المسرحي أما الحوار فهو يعد من أهم عناصر التأليف المسرحي فهو الذي "يوضح الفكرة الأساسية ويقيم برهانها، ويجلو الشخصيات ويفصح عنها، ويحمل عبء الصراع الصاعد حتى النهاية". ولكي يكون الحوار ناجحا لابد للكاتب من معرفة عميقة بشخوصه فالحوار "ينبغي أن ينبع من هذه الشخصيات فيحمل خصائصها في ثناياه، فكل جملة يقولها الشخص ينبغي أن تفصح عما هو الآن وتومئ إلى ما سيكون المستقبل". ويضرب باكثير أمثلة من الحوار الدائر في مسرحيته "سر شهرزاد".
وعن واقعية الحوار يذهب باكثير إلى أن المراد بها "أن يلتزم الكاتب حدود الشخصية المرسومة فلا ينطقها إلا بما يتلاءم معها سواء أوتيت أو لم تؤتِ القدرة على الإفصاح عن ذاتها".
وهنا نصل إلى التساؤل عن الفصحى والعامية في لغة الحوار. ويخلص باكثير إلى "أن الكاتب المسرحي يستطيع باللغة الفصيحة السهلة أن يصور ما يشاء من الأجواء المختلفة، بأن ينفخ فيها الروح المحلية الخاصة بشخوص مسرحيته، فالروح المصرية مثلا يمكن أن تترقرق في اللغة الفصيحة كما يترقرق الماء في كأس من البلّور".
وفيما يتعلق بالبناء والتخطيط المسرحي فيأتي دوره في المراحل الأخيرة من الاستعداد لكتابة المسرحية "وهو ما يتصل بالهندسة الشكلية لبناء المسرحية من حيث تقسيمها إلى فصول ومشاهد". حركة دخول الشخوص وخروجها ويتوقف باكثير عند حركة دخول الشخوص وخروجها في المسرحية قائلا: "قد يظن الناس أن حركة الدخول والخروج للشخوص أمر مستقل بذاته لا يدخل في صميم بناء المسرحية، وعلى ذلك يجوز للكاتب أن يدخلهم ويخرجهم كما يشاء حيث يشاء. وهذا خطأ فليس في المسرحية شئ قائم بذاته لا يخضع لمنطقها العام ولا تقتضي وجوده ضرورة حتمية، فعندما يدخل شخص من الشخوص أو يخرج لابد أن يكون ذلك لضرورة طبيعية فيشارك في إفصاح الشخصية عن ذاتها ويساعد على نمو الخط الدرامي. والكاتب الذي يدخل شخوصه ويخرجهم دون داع مفهوم وسبب معقول إنما يدل قصوره هذا على أنه لم يعرف شخوصه بعد معرفة عميقة تؤهله للكتابة عنهم".
ولا يفوت باكثير أن يسوق الشواهد والأمثلة التي تتفق مع آرائه السابقة سواء من واقع مسرحياته التي كتبها أو مارس التأليف المسرحي من خلالها، أو من مسرحيات الكتّاب العالميين من أمثال: شكسبير وبرنارد شو ويوجين أونيل وجالزورثي وماكارثي وهزيك أبسن… وغيرهم.
وقبل أن ينهي باكثير محاضراته عن تجاربه الشخصية في فن المسرحية يتحدث عن التجارب الجديدة في الكتابة المسرحية واضعا لهذا التجريب أطرا لا ينبغي الخروج عنها بأي حال، وتتلخص في "نمو الشخصيات عن طريق الصراع، وطريقة الانتقال التدريجي، ووجود الفكرة الأساسية الواضحة، والوحدة الفنية أو التناغم العام". الرمزية في المسرحية وينهي محاضراته بالحديث السريع عن الرمزية في المسرحية موضحا أن هناك نوعين من الرمزية في هذا الصدد: نوع يقوم على تجسيد المعاني في أشخاص يكونون رمزا لتلك المعاني، ونوع يكون فيه الرمز كليا عاما شائعا في المسرحية كلها بحيث تكون المسرحية واقعية نابضة بالحياة في حوادثها وشخوصها كأية مسرحية جيدة ولكن يكون لها فوق هذه الدلالة الطبيعية دلالة ثانية أدق وأعمق وتقع من الدلالة الأولى موقع الصدى من الصوت".
ومن النوع الأول يكتب باكثير مسرحيته "مسرح الروح" فجعل المسرح ذاته رمزاً للإنسان وجعل الشخوص الذين يتحركون على المسرح رموزا للصفات والخلال التي تصطرع في نفس الإنسان، ومن النوع الثاني ـ وهو أفضل وإجادته أصعب ـ مسرحيته "أوديب ملكا" التي كتبها عن نكبة فلسطين الكبرى.

أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية