تجربة صحفي في العهد العثماني

بقلم: السيد نجم
طبعتان مختلفتان للكتاب

"سليم سركيس" (1869-1926) صحفي لبناني، يعد من أنضج الأقلام العربية في زمنه، حيث كتب في السياسة والاقتصاد والنقد الاجتماعي.. كما عرف عنه كتابة الرواية. أنشأ "مجلة سركيس" فأصبحت سجلا لكل متابع لنبض هموم الحياة خلال تلك الفترة. فضلا عن شخصيته التي تميزت بالبساطة والعمق والقاء النكتة، وعلى الرغم من تجربته العميقة مع الحياة الغربية، إلا أنه يرى التمسك بالآداب والعادات العربية الأصيلة.
نشرت جريدة "القاهرة" كتابه "غرائب المكتوبجي" ضمن المشروع الثقافي الهام الذي يعنى بنشر واحد من الكتب الهامة وتوزيعه بالمجان مرة كل شهر، بالتعاون مع "دار المدى" العربية، وهو المشروع الذي يشترك فيه أكثر من جريدة عربية في أكثر من دولة عربية.
يتناول الكتاب بعض تجارب الكاتب مع "المكتوبجي التركي" وهو "رئيس قلم المراقبة" في زمنه ويتبع الحاكم التركي على البلاد. وكانت أول تجربة حادة معه عام 1892 حيث ترك لبنان واتجه الى باريس حيث أصدر جريدة "كشف النقاب"، عاد وانتقل الى إنجلترا وأنشأ جريدة"رجع الصدى"، ومنها سافر الى الإسكندرية في عام 1984 وأنشأ جريدة "المشير".. ولم يلبث حتى صدر ضده الحكم بالإعدام غيابيا من محاكم الدولة العثمانية.
بعدها انتقل الى القاهرة وقد أنشأ مجلة نسائية بها "مرآة الحسناء"، لم يلبث انتقل الى أمريكا هذه المرة حيث أقام بها لمدة خمس سنوات وأنشأ جريدتي "الراوي" و"البستان". بعدها عاد الى القاهرة وقام على مجلته الشهيرة"سركيس" الى آخر العمر.
الطريف أن يبدأ الكاتب حديثه بأنه عاش عدة نكبات هي على الترتيب الذي ذكره: مولده من والدين عثمانيين، وفى بيروت أي تحت الولاية العثمانية، ثم التحاقه بالمدرس فأصبح العلم نقمة عليه والأفضل أن يكون "جاهلا" تمثلا لقول الشاعر: من لي بعيش الأغبياء فانه
لا عيش إلا عيش من لم يعلم
كما أعتبر تعلمه اللغة الإنجليزية واطلاعه على المعارف والآداب الغربية نكبة جديدة، أما وقد عمل بالصحافة واحتكاكه بحياة الناس عمليا فهي نكبة أصيلة، بعدها رحل الى بلاد أوروبا وأمريكا ومتابعة حياة جديدة في مجال حرية الرأي لتكون نكبة أخرى، أما آخر النكبات أنه اضطر للعودة ثانية عن غير رغبة في نفسه!!
كأنه أراد أن يقول أن كل النكبات سببها القيود التي وضعها "العثمانيين" على رجال الفكر والصحافة في حينه.
برزت الروح المرحة الذكية للكاتب مع السطور الأولى للكتاب، حتى أنه قدم الإهداء هكذا: "الى جلالة السلطان عبد الحميد الأعظم.. يسوءني أنني من جملة رعاياك لأنه يسوءني أن أكون عبدا. وأنت عودتنا أنك تعتبر الرعية في منزلة عبيد بدلا من أن تتبع الحقيقة وهي أن تكون عبدا لنا. ولما كنت لا أستطيع التخلص من هذه التابعية فعلى الأقل أحاول أن أعلن للناس أنني عبدك رغما عنى، وهذا كل ما أستطيع أن أفعله".
وتابع الكاتب سرد بعض الوقائع التي يرى فيها ما يسئ الى الصحافة، فقد سافر خديوي مصر الى الأستانة، فاستقبلته الصحف بسرد بعض إنجازات الخديوي، وما أن علم "سلطان عبدالحميد" حتى قرر إيقاف نشر تلك الصحف.
الطريف أن وظيفة "المكتوبجي" في الأصل هي سكرتير والي الولاية العثمانية، إلا أن السلطان عهد إليه مهمة مراقبة الكتب والصحف.. ولم تكن وظيفة أساسية لمراقبة تلك الصحف.
لقد بدأت الأحوال تسؤ منذ عام 1877 حيث كانت الصحف السورية قبل تلك الفترة من أكثر الصحف حرية، حتى أن أهل مصر كانوا يبعثون إليها بشكواهم لأنها أكثر حرية من الصحف المصرية.
وفى تلك السنة تولى "سعادتلو خليل أفندي الخوري صاحب جريدة "حديقة الأخبار" مديرا لمطبوعات سوريا، وإذا به يتابع المطبوعات حتى إذا شك في مقال أو موضوع أنه يسئ الى الحكومة حتى يبعث اليه برسالة إنذار، لمرة واحدة بعدها تمنع الجريدة عن الإصدار.
وهو ما كان مع الكاتب، مما دفعه الى السفر الى بلاد أوروبا، وهناك كانت المتابعة أيضا، حتى دون أن يدرى أن بعضهم يتبع أخباره وتحركاته، وهو ما أدهشه. ومع كل رحلة جديدة، وحادثة جديدة يتابع رد فعله الإيجابي، وانخراطه في عمل صحفي جديد وغالبا في بلد أخرى، وهو سبب تعدد الصحف التي قام على نشرها.
هذا بالإضافة الى بعض الوقائع التي لم تكن على صلة مباشرة به، ولكنها تشير الى قدر العنت الذي عاشه أهل الآستانة والولايات العثمانية.
من أطرف تلك الوقائع أن نشر الكاتب في عدد 27 من جريدة "المشير" الحادثة التالية: "لما ذهب حضرة المطرب الشهير عبده أفندي الحمولي الى الأستانة بمعية سمو الخديوي، رغب السلطان أن يسمع صوته الرخيم، وقبل الوقت المعين لتشرفه، جاء أحد رجال السلطان وسأل المطرب أن يكتب على ورقة ما يريد أن ينشده من الأدوار، ففعل وكتب الأبيات الآتية: غاب عن عيني مرادي .. وانهمل دمعي صبيب
عز من يشفى فؤادي .. عندما غاب الحبيب
والدور الآخر: خلعت عذارى في هواك ومن يكن .. خليع عذار في الهوى سره نجوى وكتب أيضا: العذول اصل انتباهي . . . بالشمول
يا الهى أنت جاهي . . . بالعذول
فلما حضر السلطان عبدالحميد أعادوا الى عبده أفندي الأدوار وقد حذفوا من الأولى "مرادي" واستبدلوها "بحبيبي"، ومن الدور الثاني "خلعت" "وخليع" فيقرأ البيت: تركت عذارى في هواك ومن يكن .. بدون عذار في الهوى سره نجوى وحذفوا من الثالث كلمة "عذول" واستبدلوها بكلمة "الرقيب".. لأن مرادي تشير الى السلطان مراد. وخلعت وخليع تشيران الى معنى خلع الملوك، والعذول مشتقة من عزل يعزل!
وتكثر النوادر الطريفة والتي سردها الكاتب بخفة ورشاقة، فأصبح الكتاب سجلا هاما للتفكير والحياة الثقافية في حينه، في زمن الدولة العثمانية. السيد نجم