أبعاد مختلفة لموقف الولايات المتحدة تجاه المسلمين والعرب على المستوى التعليمي بعد سبتمبر 2001

بقلم: علاء بيومي ودعاء سعودي

موقف الولايات المتحدة تجاه المسلمين والعرب على المستوى التعليمي هو موقف ذو أبعاد متعددة ومختلفة نظرا لتعدد واختلاف مستويات العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والمسلمين والعرب في أمريكا وخارجها على المستوى التعليمي.
فبالنسبة للمسلمين والعرب المقيمين داخل الولايات المتحدة ترتبط الولايات المتحدة بهم تعليميا على مستويين على الأقل، أولهما مستوى صورة المسلمين والعرب في مناهج التعليم الأمريكية، وثانيهما مستوى تجربة الطلاب المسلمين والعرب والمدارس الإسلامية في الولايات المتحدة.
أما بالنسبة للمسلمين القيمين في أمريكا فترتبط بهم الولايات المتحدة تعليميا من خلال موقفها الإعلامي والسياسي تجاه مناهج وسياسات التعليم في الدول العربية والإسلامية.
وتهتم هذه الدراسة برصد موقف الولايات المتحدة التعليمي من المسلمين والعرب في أمريكا وخارجها على المستويات الثلاثة السابقة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كما تهتم أيضا بتقديم بعض النصائح العملية فيما يتعلق بالسبل المتاحة أمام المسلمين في أمريكا وخارجها لتحسين موقف الولايات المتحدة تجاههم على المستوى التعليمي. المعالم الرئيسية لصورة المسلمين والعرب في المناهج الدراسية في أمريكا اهتم المسلمون والعرب المقيمون في أمريكا ومنظماتهم – منذ فترة ليست بقصيرة - برصد نظرة المجتمع الأمريكي تجاههم على مستويات مختلفة بما في ذلك المستوى التعليمي، كما اهتموا أيضا بدراسة سبل تحسين صورتهم وسبل تنظيم أنفسهم على المستوى العملي لتحسين هذه الصورة.
وقد رصدت اللجنة العربية لمكافحة التمييز (ADC) مجموعة من الصور النمطية السلبية الموجودة داخل مناهج التعليم الأمريكية عن المسلمين والعرب، وهي أيضا صور منتشرة داخل أوساط المجتمع الأمريكي المختلفة. ويقصد بالصور النمطية هنا مجموعة الصور والأفكار التي تأتي إلى ذهن شخص معين عند تفكيره في أبناء جماعة أخرى. وتتميز الصور النمطية في العادة بالعمومية وبعدم استنادها على حقائق موضوعية.
وقد قسمت اللجنة صور المسلمين والعرب النمطية السلبية إلى سبعة مجموعات رئيسية، وهي: [i]
أولا: الصور النمطية العامة، وتصف هذه المجموعة العرب جميعا على أنهم "راكبو جمال"، "عبيد الرمال"، "كل العرب مسلمون وكل المسلمين عرب"، "القبيلة"، "البدو"، "الواحة"، "الجمال"، "الصحراء"، الحريم"، "الشيخ".
ثانيا: صور نمطية عن العالم العربي، وتصور هذه المجموعة العالم العربي على أنه "ساحة تنافس يعيش فيها الأبطال الغربيون مغامراتهم العاطفية"، "ألف ليلة وليلة"، "الجن"، "البساط السحري"، "الأميرات"، وزير شرير ظالم".
ثالثا: صورة نمطية عن المسلمين، وتصور هذه المجموعة المسلمين على أنهم "سفاحون"، "إرهابيون"، "محاربون"، متطرفون"، مغتصبون"، مضطهدون للمرآة"، الجهاد"، "الحرب المقدسة".
رابعا: صور نمطية عن الفلسطينيين، وتصور هذه المجموعة الفلسطينيين على أنهم "يحاولون تدمير إسرائيل وإغراقها في البحر"، "مفجرو طائرات"، "إرهابيون".
خامسا: صورة العرب الصالحين، وهؤلاء ينظر إليهم على إنهم "شخصيات ثانوية دونية"، "سلبيون"، "شخصيات ثانوية بالنسبة للأبطال الغربيون"، "قلما يكونون أبطالا".
سادسا: صورة الرجل العربي، وينظر له على إنه "شيخ بترول"، "ثري جدا"، "مسرف"، "يريد شراء أمريكا بماله"، "طماعون"، "قذرون"، غير متعلمين"، "غير أمناء"، "ديكتاتور".
سابعا: صورة المرأة العربية، وينظر لها على إنها "مضطهدة من الرجال العرب والمسلمين"، "حريم مترفون"، "راقصات عاريات"، "سيدات جميلات يقعن في حب الرجل الغربي الذي ينقذهن من شر الرجل العربي".
ولكن تناول هذه الصورة النمطية لا يكفي وحده لتقديم صورة منصفة عن الجهود التي تبذلها المنظمات الأمريكية المختلفة الخاصة منها والحكومية لمكافحة تحيز المناهج التعليمية الأمريكية ضد أبناء الجماعات الإثنية والعرقية والدينية المختلفة بما في ذلك المسلمون والعرب.
فالواضح أن في الولايات المتحدة حركة كبيرة وناجحة لمكافحة التمييز ونشر التعددية الثقافية، وتجد هذه الحركة دعما كبيرا وواسعا من الحكومة الأمريكية ومن مؤسسات المجتمع المدني الأمريكي المختلفة.
وقد اكتسبت هذه الحركة زخما جديدا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر خاصة فيما يتعلق بتعاملها مع قضايا التحيز ضد المسلمين والعرب في مناهج التعليم الأمريكية، ويمكن رصد هذا الزخم على مستويين أساسيين، أولهما اهتمام بعض أكبر المنظمات التعليمية الأمريكية بتطوير أبحاث ومناهج وبرامج دراسية تعالج مشكلة التحيز ضد المسلمين والعرب في المناهج التعليمية الأمريكية بعد أحداث سبتمبر 2001.
فعلى سبيل المثال قام اتحاد التعليم الوطني (NEA) وهو أكبر اتحاد للمعلمين في الولايات المتحدة بمناسبة مرور عام على أحداث سبتمبر بتطوير بعض المواد التعليمية التي تهتم بترسيخ التسامح من بينها مواد تعالج التحيز ضد المسلمين والشرق الأوسط وتقارنهم بخبرة اليابانيين الأمريكيين الذي وضعوا في معسكرات اعتقال خلال الحرب العالمية الثانية، ومواد تطالب المعلمين يتجنب إلقاء اللوم على المسلمين بخصوص الهجمات.[ii]
على مستوى ثاني اهتمت المؤسسات التعليمية الأمريكية المختلفة على شتى المستويات خلال العام الماضي اهتماما كبيرا بدراسة أحداث الحادي عشر من سبتمبر من حيث أسبابها وأبعادها وأثارها إلى الحد الذي دفع جامعة مثل جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA) والتي تعد أحد أكبر جامعات الولايات المتحدة إلى وضع 49 مادة بحثية متعلقة بهجمات سبتمبر، الأمر الذي أدى زيادة اهتمام هذه المؤسسات بتدريس المواد التعليمية التي تتناول المسلمين والعرب والإسلام والعالم الإسلامي.
وتقول مقالات أعدت عن هذه الظاهرة أن بعض الجامعات رأت في هذه الظاهرة فرصة حقيقة لزيادة وعي طلابها بالعالم الإسلامي وحضارته، وبجعل المواد الدراسية المتعلقة بالعالم الإسلامي جزأ لا يتجزأ من مقرراتها التعليمية. كما قامت جامعات أخرى بتدريس مناهج عن التعددية وعن خطورة التمييز ضد جماعة بعينها.[iii]
وفي مقابل هذا الانفتاح ظهرت جماعات – في غالبيتها يمينية محافظة – ترفض المواد التعليمية الجديدة التي تركز على التسامح، وترى أن هذه المواد التعليمية لن تساعد الطلاب على فهم الأيديولوجيا التي قامت على أساس منها الهجمات، كما اتهمت هذه الجماعات المحافظة المدرسين الراغبين في تدريس هذه المواد بأنهم مشكوك في وطنيتهم وفي ولائهم للولايات المتحدة، وقد نجحت بعض هذه الجماعات في إجبار اتحاد التعليم الوطني على إزالة بعض المواد التعليمية التي تحث على التسامح من على موقعه على الإنترنت.[iv]
وفي حادثة أخرى فشلت جمعية أمريكية محافظة تسمى "مركز اتحاد الأسر الأمريكية للقانون والسياسة" في إجبار جامعة نورث كالورينا على عدم تدريس كتاب يتناول بعض تعاليم القرآن الأساسية كان من المقرر أن تضعه الجامعة على قائمة قراءات ومناقشات 4200 طالبا من طلابها الجدد في بداية العام الدراسي الجديد، وذلك بعد أن لجئت الجماعة المحافظة وبعض طلاب الجامعة إلى القضاء الأمريكي، وبعد أن قرر القضاء - في شهر أغسطس 2002 - السماح لجامعة نورث كالورينا بتدريس كتاب عن القرآن لطلابها بعد أن رأت المحكمة أن تدريس القرآن لا يمثل تهديدا للحريات الدينية في أمريكا.[v]
وقد اشتكت الجماعات المحافظة التي حاولت منع تدريس الكتاب من أن تدريس الكتاب يمثل جهدا لتعميد الطلاب في عقيدة دينية ولنشر دين معين وأنه لا يجب أبدا أن تستخدم أموال دافع الضرائب الأمريكي في مثل هذه الأنشطة. كما اعترضت على أن الكتاب يحتوي على قرص معدني مسجل عليه آيات قرآنية. في حين رأى المشرفون على البرنامج أن الكتاب لا يحتوي على أية عبارات تبشيرية أو على أية عبارات غير موضوعية عن الدين الإسلامي وأن الغرض من قراءته هو رفع قدرات الطلاب التحليلية.
وقبل أن نترك هذا الجزء نحب أن نشير إلى الجهود الكبيرة والعديدة التي قامت بها بعض المنظمات المسلمة والعربية الأمريكية على سبيل تحسين صورة الإسلام والمسلمين والعرب في مناهج التعليم الأمريكية قبل وبعد أحداث سبتمبر، ولكننا رأينا تأجيل الحديث عن هذه الجهود بالتفصيل حتى الجزء الأخير من هذه الدراسة حيث سنتناول الأساليب التي يمكن إتباعها لتحسين موقف الولايات المتحدة من المسلمين والعرب على المستوى التعليمي. تجربة الطلاب المسلمين والعرب والمدارس الإسلامية في الولايات المتحدة تناولنا في الجزء السابق الصور النمطية الموجودة عن المسلمين والعرب في مناهج التعليم الأمريكية، ونتناول في هذا الجزء تجارب المسلمين والعرب داخل النظام التعليمي الأمريكي، والتي يمكن دراستها على جزأين، أولهما يتناول أوضاع الطلاب المسلمين، والثاني يتناول أوضاع المدارس الإسلامية. أولا: خبرة الطلاب المسلمين في المدارس الأمريكية بعد أحداث سبتمبر تقول الباحثة مارفين وينجفيلد والباحث بشرا كارمان في دراسة لهما بعنوان "المعلمون الأمريكيون والصور النمطية عن العرب" أن الطلاب العرب في المدارس الأمريكية يعانون من ضغوط عديدة نابعة من جهل معلميهم وزملائهم بحقيقة المسلمين والعرب وحضارتهم وثقافتهم، ويذكر الباحثان أنواع الضغوط التالية:[vi]
1- يتعلم الطلاب المسلمون والعرب العديد من التصورات الخاطئة عن حضارتهم وعن واقعهم من المقررات الدراسية الخاطئة التي تدرس لهم عن المسلمين والعرب في مدارسهم.
2- عاني الطلاب المسلمون والعرب من عداء زملائهم لهم بسبب الأفكار السلبية التي تدرس لهم عن المسلمين والعرب.
3- يعاني الطلاب المسلمون من العديد من المضايقات والتحرشات من قبل زملائهم.
4- يتعلم الطلاب المسلمون والعرب في المدارس الأمريكي العديد من الأفكار الإيجابية عن تاريخ وثقافة جماعات أخرى عديدة، ولكنهم يفتقدون هذه الخبرة التعليمية الإيجابية عند الحديث عن الحضارتين العربية والإسلامية.
5- عاني الطلاب المسلمون والعرب من صعوبات خاصة في فترات الأزمات الدولية مثل فترة حرب الخليج الثانية، والفترة التالية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، ويواجه الطلاب المسلمون والعرب خلال هذه الفترات بيئة مدرسية وتعليمية أكثر عدائية تجاه المسلمين والعرب وقضاياهم.
كما أشار الباحثان إلى زيادة حالات الاعتداءات وانتهاكات الحقوق المدنية التي يتعرض لها الطلاب المسلمون والعرب خلال فترات الأزمات الدولية. هذا وقد رصد مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير) 1717 حادثة تمييز ضد المسلمين في الولايات المتحدة بعد أحداث سبتمبر 2001 من بينها 74 حادث تمييز بالمدارس.[vii] ثانيا: خبرة المدارس الإسلامية في الولايات المتحدة بعد أحداث سبتمبر تقدر إحدى الدراسات الحديثة عن المسلمين في أمريكا عدد المدارس الإسلامية في شمال أمريكا بمائتي مدرسة، منها 170 مدرسة موجودة في الولايات المتحدة، وتتركز هذه المدارس في ولايات مثل مشيجان وألينوي ونيوجرسي وبنسلفانيا، وفلوريدا. كما تقدر الدراسة نفسها متوسط عدد الطلاب بكل مدرسة إسلامية بحوالي 150 طالبا، مما يعني وجود 30 ألف طالب يدرسون في مدارس إسلامية بشمال أمريكا.[viii]
وقد تعرضت صورة المدارس الإسلامية في أمريكا لحملة إعلامية كبيرة بعد أحداث سبتمبر، إذ ظهرت أكثر من مقالة تتهم بعض المدارس الإسلامية في أمريكا بمعاداة الولايات المتحدة وبنشر مشاعر الكراهية لغير المسلمين.
فعلى سبيل المثال وفي 17 مارس 2002 نشرت صحيفة لوس أنجلوس تايمز مقالا يتحدث عن المدارس المسلمة في أمريكا متخذا الأكاديمية السعودية الإسلامية – وهي مدرسة إسلامية سعودية خاصة تقع في منطقة شمال ولاية فيرجينيا - نموذجا. وقد تحدث المقالة عن أن المدرسة تعلم طلابها معتقدات دينية تتحدث عن الهجوم على اليهود كعلامة على قرب قيام الساعة، وعن أن بعض طلاب الأكاديمية يشعرون بمشاعر مختلطة تجاه أسامة بن لادن، وعن أن المدرسة ذات سياسية معادية إسرائيل لأنها تعلق خرائط للعالم ليس عليها دولة إسرائيل.
وفي نفس الوقت تحدثت المقالة عن خبرة الأكاديمية السعودية وعن خبرة المدارس الإسلامية في أمريكا كجزء من خبرة المسلمين في أمريكا بصفة عامة، وكجزء من خبرة الأقليات الأمريكية المختلفة عبر التاريخ مثل اليهود والكاثوليك والمورمان الذين حاولوا المزاوجة بين معتقداتهم الدينية وبين الخبرة الأمريكية، كما تحدثت المقالة عن أهمية دور الأكاديمية في حماية الطلاب المسلمين من الأخطار الاجتماعية، وعن مساعي المدرسين المسلمين لتطوير مناهج إسلامية مرتبطة بالواقع الأمريكي.[ix]
والواضح هنا أن المؤسسات التعليمية السعودية في الولايات المتحدة تعرضت لضغوط خاصة أكثر من غيرها من المؤسسات التعليمية المسلمة في الولايات المتحدة، وذلك بسبب حملة الضغط الإعلامي الكبيرة التي استهدفت المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص بعد أحداث سبتمبر، وهذا لا يمنع وجود مقالات اتخذت مواقف إيجابية من الأكاديمية السعودية بشكل خاص ومن المدارس المسلمة في أمريكا بشكل عام.
فعلى سبيل المثال وفي 14 ديسمبر 2001 نشرت صحيفة واشنطن تايمز مقالا يصف الأكاديمية الإسلامية السعودية بأنها واحة إسلامية ويتحدث عن نجاح طلاب الجامعة في الذهاب إلى جامعات أمريكية كبيرة، وعن سعى المدرسة للحفاظ على التقاليد الدينية الملتزمة لدى طلابها، وعن وجود مساحة للمزاح والابتسام مع الحفاظ على التقاليد الدينية داخل المدرسة، وعن تعاليم القرآن – التي يدرسها طلاب الأكاديمية - والتي تركز على الصبر وعلى فهم الآخرين.[x] موقف الولايات المتحدة الإعلامي والسياسي تجاه مناهج وسياسات التعليم في الدول العربية والإسلامية نتناول في هذا الجزء موقف الإعلام الأمريكي والدوائر السياسية الأمريكية من قضية مناهج وسياسات التعليم في الدول العربية والإسلامية منذ أحداث سبتمبر 2001، وسوف نقوم بذلك على مرحلتين نتناول في أولهما الموقف الإعلامي ونتناول في ثانيهما الموقف السياسي. أولا: موقف الإعلام الأمريكي تجاه مناهج وسياسات التعليم في الدول العربية والإسلامية وجهت وسائل الإعلام الأمريكي انتقادات عديدة لمناهج وسياسات التعليم في عدد كبير من الدول العربية والإسلامية، وعلى رأسها أربعة بلدان أساسية، وهي أفغانستان في ظل حكم الطالبان، والأراضي الفلسطينية المحتلة، وباكستان، والمملكة العربية السعودية.
بالنسبة لأفغانستان اهتمت بعض وسائل الإعلام الأمريكية بإبراز مساوئ النظام التعليمي في أفغانستان في ظل حكم الطالبان، وما عاني منه هذا النظام من تشدد، وتمييز ضد النساء، وفصل بين الجنسين، وفقر في المؤسسات التعليمية، وأن أنصار طالبان مازالوا موجودين في المؤسسات التعليمية الأفغانية مما يصعب عملية التغيير والإصلاح في عهد الحكومة الأفغانية الجديدة.[xi]
بالنسبة للأراضي الفلسطينية المحتلة استمرت وسائل الإعلام الأمريكية – مدفوعة من قبل المنظمات الموالية لإسرائيل - في تحيزها ضد مناهج التعليم في الأراضي الفلسطينية متهمة إياها بترويج العنف والعداء للسامية، ويجب هنا القول أن الحملة ضد مناهج التعليم في الأراضي الفلسطينية المحتلة هي حملة قديمة تمتد جذورها إلى ما قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر وسوف تستمر بعدها بكثير وأنها تكاد تمثل الحملة الأم في وسائل الإعلام الأمريكية ضد مناهج التعليم في البلدان العربية والإسلامية والتي صيغت فيها معظم المفاهيم والمصطلحات المستخدمة في الحملات التي نشهدها في وسائل الإعلام الأمريكية ضد دول مسلمة وعربية مختلفة مثل باكستان والسعودية.
بالنسبة لباكستان والمملكة فقد ظهرت في وسائل الإعلام الأمريكية خلال العام الماضي سلسلة من المقالات التي هاجمت البلدين وحاولت تصوير مناهج التعليم فيهما بالعداء للولايات المتحدة، وبأنها خاضعة لسلطة فئات من العلماء الدينيين المتشددين، وقد اهتمت الصحف الأمريكية في حالة باكستان بمحاربة "المدارس الدينية التقليدية" والتي يغلب عليها التعليم الديني، ودعت الحكومة الباكستانية إلى التدخل للسيطرة على المناهج المدرسة في هذه المدارس.[xii]
أما بالنسبة للمملكة فقد اتهمتها وسائل الإعلام الأمريكية بتمويل عدد كبير من المدارس الدينية التقليدية حول العالم بما في ذلك أفغانستان، واتهمتها أيضا بتصدير أفكار ومذاهب دينية متشددة تدرس في هذه المدارس، كما اتهمت مناهج التعليم في المملكة بمعاداة غير المسلمين وبالإفراط في التأكيد على المواد التعليمية الدينية على حساب الاهتمام بتدريس المواد الحياتية التعليمية الأخرى.[xiii] ثانيا: الموقف السياسي الأمريكي تجاه مناهج وسياسات التعليم في الدول العربية والإسلامية على المستوى السياسي يمكن الحديث عن ثلاثة أنواع من المواقف السياسية التي اتخذتها دوائر سياسية أمريكية مختلفة تجاه مناهج التعليم في الدول العربية والإسلامية منذ أحداث سبتمبر 2001.
النوع الأول: من المتوقع في الظروف الحالية أن تكون الإدارة الأمريكية ووزارة الخارجية الأمريكية قد تحدثتا مباشرة إلى بعض المسؤولين في البلاد العربية والمسلمة محل قلق الولايات المتحدة بشأن اتخاذ إجراءات وإصلاحات على النظم التعليمية في هذه البلدان تضمن تخفيف مشاعر العداء للولايات المتحدة التي قد تنتج عن المقررات والبرامج التعليمية القديمة في تلك البلدان.
النوع الثاني يرتبط بخطط الولايات المتحدة الخاصة بمساندة الإصلاحات الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي من خلال دعم عدة برامج وأنشطة أساسية مثل حقوق الإنسان وحقوق المرأة والإصلاح التعليمي، وقد أشار تقرير صحفي نشرته جريدة نيويورك تايمز في 15 أغسطس 2002 إلى أن الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش قد طلب من وزارة الخارجية في أوائل عام 2002 البحث عن وسائل توسيع الفرص الاقتصادية والتعليمية في الشرق الأوسط العربي بما في ذلك خطط لتحديث المناهج في المنطقة.[xiv]
النوع الثالث يرتبط ببعض المواقف المتشددة التي اتخذتها بعض دوائر السياسية الأمريكية تجاه قضية مناهج التعليم في دول العالمين العربي والإسلامي بصفة عامة أو تجاه مناهج التعليم في دولة عربية ومسلمة بعينها، وأخص هنا بالحديث موقف بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي تجاه مناهج التعليم في المملكة العربية السعودية. إذ قدم النائب جيم دافيس - وهو نائب ديمقراطي يمثل ولاية فلوريدا في مجلس النواب الأمريكي – في 27 يونيو 2002 مشروع قرار رقم 432 يطالب فيه (1) بأن يقوم الكونجرس الأمريكي بمساندة عملية قيام حكومة المملكة العربية السعودية بمراجعة مقرراتها التعليمية، و(2) أن يطالب الكونجرس الأمريكي حكومة المملكة العربية السعودية بأن تضمن أن تكون عملية مراجعة المقررات التعليمية عملية مفصلة وموضوعية ومعلنة، و(3) حث حكومة المملكة العربية السعودية على إصلاح مناهجها الدراسية بأسلوب يضمن نشر التسامح وتنمية المجتمع المحلي. وقد حاز مشروع القرار حتى الآن على تأييد أكثر من 50 عضوا من أعضاء مجلس النواب الأمريكي.[xv] السبل المتاحة أمام المسلمين في أمريكا وخارجها لتحسين موقف الولايات المتحدة تجاههم على المستوى التعليمي هناك العديد من الفرص المتاحة أمام المسلمين والعرب لتحسين علاقتهم بالولايات المتحدة فيما يتعلق بقضايا التعليم على المستويات المختلفة التي تناولناها في هذه المقالة، وأكتفي هنا بالقول بأن المسلمين والعرب سوف يحققون الكثير إذ نجحوا فقط في السير على خطوات الأقليات الأمريكية الأخرى، أو على الخطوات التي ترسمها المنظمات الحكومية الأمريكية نفسها لتحسين أوضاع وصورة أبناء الأقليات الأمريكية المختلفة في المجال التعليمي وفي مختلف أوجه الحياة الاجتماعية في الولايات المتحدة.
بمعنى أخر أن جزأ من مسئولية تدهور العلاقة بين الولايات المتحدة والمسلمين والعرب على المستوى التعليمي يقع على عاتق المسلمين والعرب أنفسهم لتقصيرهم في استخدام الوسائل العديدة المتاحة أمامهم لتحسين صورتهم وأوضاعهم وعلاقتهم بالولايات المتحدة.
وبغض النظر عن هذه القضية، يمكن القول أن تحسين موقف الولايات المتحدة من المسلمين والعرب على المستوى التعليمي يتطلب العمل على عدة مستويات متكاملة، منها ما يلي:
أولا: مستوى عمل المنظمات التربوية، واقصد بذلك تأسيس مجموعة من المؤسسات المسلمة والعربية داخل أمريكا القادرة على العمل مع المعلمين الأمريكيين والمدارس الأمريكية لتوعيتها بصورة المسلمين والعرب الحقيقة وتدريبهم على التعامل مع الطلاب المسلمين. ومن المتوقع أن تقوم هذه المراكز بالأنشطة التالية:
- توفير الوسائل المرئية والمسموعة والمكتوبة للمدارس وكافة الجهات التعليمية الأخرى التي تقدم صور موضوعية عن الحضارة الإسلامية والعربية القديمة والحديثة من أشرطة الفيديو والكتيبات.
- توفير الخبراء عن الإسلام والمسلمين لعقد الندوات والدورات التدريبية للمدرس الأمريكي وللرد على أسئلتهم واستفساراتهم عن الإسلام والمسلمين والعرب.
- إنشاء مدارس ومراكز تعليمية عربية أمريكية متوفرة للطفل العربي والمسلم والأمريكي لنشر التعاون الثقافي و الحفاظ عن الهوية الإسلامية الأمريكية.
- المساهمة في تطوير المناهج الأمريكية لتقديم صور واقعية عن الحضارتين العربية والإسلامية.
والواضح أن المسلمين في أمريكا قد بدءوا جهودا ناجحة على هذا المستوى كما يظهر في أنشطة مجلس التعليم الإسلامي (CIE) والذي أسس في عام 1990 لتحسين نظام التعليم الابتدائي في الولايات المتحدة عن طريق توعية واضعي السياسات التعليمية ومطوري المقررات التعليمية و المعلمين بالمعلومات التي يحتاجونها عن الإسلام والمسلمين.
ثانيا: يحتاج المسلمون والعرب إلى مزيد من النشاط على مستوى الحقوق المدنية والذي تعمل عليه منظمات مثل مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير) واللجنة العربية لمكافحة التمييز (ADC) وتقوم هاتان المنظمتان بدور هام وهو تسجيل حوادث التمييز التي يتعرض لها الطلاب المسلمون أو المنظمات التعليمية المسلمة أو المنظمات الساعية لتحسين صورة المسلمين والعرب في أمريكا، ويتميز هذا النوع من المنظمات بقدرته على إثارة القضايا التي يتناولها إعلاميا بنجاح وتصويرها على أنها قضية تضر بحقوق المسلمين والعرب المدنية أو تشوه سمعتهم.
ثالثا: هناك حاجة إلى جهد كبير على مستوى العلاقات العامة والدعاية للوصول إلى الفئات المختلفة للمجتمع الأمريكي وخاصة المؤثرة منها على الصعيدين السياسي والإعلامي، وتوعية هذه الفئات بمضمون وأهداف المناهج التعليمية المسلمة في أمريكا وخارجها.
رابعا: هناك حاجة للعمل على مستوى الاستفادة من الخدمات التي توفرها الحكومة الأمريكية ومؤسسات المجتمع المدني وبعض المنظمات المعبرة عن الأقليات الأمريكية - التي تربطها علاقات ثقة وتعاون مع المنظمات المسلمة والعربية في أمريكا - للاستفادة من الموارد والخبرات التي توفرها هذه المؤسسات. [i] American Arab Anti-Discrimination Committee. Arab Stereotypes. American Arab Anti-Discrimination Committee. Washington D.C. http://www.adc.org/arab_stereotypes.pdf
[ii] Kate Zernike, Lesson Plans for Sept. 11 Offer a Study in Discord. The New York Times. August 31, 2002, Section A, Page 1.
[iii] Karen W. Arenson. Campuses Across America Are Adding 'Sept. 11 101' to Curriculums. The New York Times. February 12, 2002. Section A, Page 11.
[iv] Kate Zemike. Lesson Plans for Sept. 11 Offer a Study in Discord. Op.cit.
[v] Stephen Braun. Students' Reading of Koran Text Is Upheld; Islam: The ruling rejects a conservative Christian group's federal appeal to halt study of the book by the University of North Carolina's freshmen. Los Angeles Times. August 20, 2002. Part 1, Page 10.
[vi] Marvin Wingfield and Bushra Karaman. Arab Stereotypes and American Educators. American Arab Anti-Discrimination Committee. Washington D.C. http://www.adc.org/arab_stereo.pdf
[vii] Mohamed Nimer. Stereotypes and Civil Liberties: The Status of Muslim Civil Rights in the United States 2002. The Council on American-Islamic Relations (CAIR). Washington D.C. 2002.
[viii] Mohamed Nimer. The North American Muslim Resource Guide: Muslim Community Life in the United States and Canada. Routledge. New York. 2002. Pp. 54-55.
[ix] Valerie Strauss and Emily Wax. U.S. Muslim Schools Juxtapose Politics, Fear and Hope; Education: Mainstream curriculum can collide with fundamentalism. How conflict plays out could affect whether students see U.S. as home. Los Angeles Times. March 17, 2002. Part A, Part 1, Page 20.
[x] Kenneth Lambert. An Islamic oasis; Private Virginia academy schools students in the teaching of the Koran. The Washington Times December 14, 1999, Part E, Pg. E1.
[xi] Mary Beth Sheridan. At Kabul University, Degrees Of Change; Taliban Legacy Hinders School's Modernization. The Washington Post. June 17, 2002, Section A, Pg. A11.
[xii] Tyler Marshall and John Daniszewski. Pakistan's Muslim Schools Preach Dark View of U.S. Los Angeles Times. September 19, 2001. Part A, Page 1.
[xiii] Neil MacFarquar. Anti-Western and Extremist Views Pervade Saudi Schools. The New York Times. October 19, 2001. Section B, Page 1. [xiv] The New York Times. The Anger of Arab Youth. The New York Times. August 15, 2002. Section A, Page 22.
[xv] Jim Davis and Doug Bereuter. To fight terror, fix Saudi schools. The Record. October 18, 2002. Pg. L09
علاء بيومي – باحث في الشؤون السياسية – واشنطن
دعاء سعودي – باحثة في الشؤون التربوية – واشنطن