الحائر

بقلم: وليد اللوح

(1)
إنها المرة الأولي التي أقف فيها حائرا.. كان اختبائي يطمس روحي ... ويبدد
أنفاسي، ... حينما تقابلنا على الدرج مع بداية نهار آخر، اعطت التحية باستحياء،
حدثتني عن ليل أمس، عن الرصاص والانفجارات ... كانت الطائرات تدك كل شيء حتى الحب فينا.. كلمات بسيطة لا تتناسب مع المقدمة، كنت أرصد شفتيها، بالكاد حفظت قليلا مما تشدو ... مر الوقت ...يفصلنا هذا القرب البعيد .. أسرعت إلى مكتبي فرحاً ... سمعت دقات قلبي ...جاء موعد العمل.
(2)
كعادتي استلمت الصحف، قلبتها بدون أن أعلق على العناوين، مررت عليها كأني قد
قرأتها مسبقاً، أعطيت الأحكام لكل شيء، تركت العنان لعقلي أن يضع خطوطه ويرسم مستقبلاً غريباً ... عدت للصحيفة ... أوقفتني الصفحة الثالثة وجدتها على اليسار.
فاجأتني زغرودة الهاتف ... تمالكت نفسي ... أنت لي حلم ويقظة .. شؤون...وشجون .. تسأل عن أشياء لا أعلمها، كانت أكبر مني في صدقها، تعطي الجمل
حقوقها ... لم يصبر فراس حتى أنتهي سائلاً أين تسهر هذا المساء؟ رفضت الاجابة
قبل أن أسمع السؤال … تركتهم جميعاً من أجلها .. وقبل انتهاء الموعد.
(3)
تركتني مضطرب الفكر.. أذرف دمعاً على شيء لا أعرفه ... حاولت أن أهدئ نفسي بشيء من كأس كان بجواري، تذكرت كلماتها وهي تحدثني عن نفسي، واضعةً العربة أمام الحصان.

وأدت الفكرة قبل أن تخرج، أعلمت الجيران بحديث منتصف الليل ... عن قصة بائع
الورد الذي باع وروده وأنفق كل ماله من أجل محبوبته التي تركته بلا ورد ولا حب.

(4)
سارعت الى أمي وأنا أشعر بأنني حصلت على مفتاح قلبها، أحدثها على عجل بما حدثني به قلبي، عن التي أضعتها ... أحدثها وعيناي خاملة كعيون الصغار المتعبين.

وصفتها مسرعاً ... حدثتُها عن كحلتها، عن عنقها عن جسدها المرسوم في لوحة أحسن فنان إستخدام الألوان فيها عن شفتين لا تنطقان الا بما هو جميل.
أعطيتها كل شيء ... كانت العلاقة بسيطة في جوانبها عميقة في معانيها ... حدثتها عن أول لقاء، عن مصارحتي لها بحبي .... صدتني ... وماذا أقول لأم اسماعيل، لقد طلبت لك ابنتها الوسطى جفرا ... لم أكن أعرف شيئاً عن جفرا، إلا عن والدتها كثيرة
الثرثرة ... عاودت أحدثها عن جمالها وجمال إسمها الذي يحمل قدماً ومعانٍ. لم أكن أسعى الا لأمتلك قليلا من دفء حنانها ... جعلتني أرسم خيوط الحاضر ... تدربت على عناق خالد وهو في سريره ... كيف سآخذه الى المتنزه لينال قسطاً من الطبيعة الخضراء، صممنا حتى ملامح شيخوختنا وكيف سنصنع من الخيزران عكاكيز .. لا أدري أين أضاعني قلبي.

(5)
أسهبت في الحديث ولم أترك شيئاً ... طرقات الباب تصرعني ... فتحت شقاً لأرى ذلك الضيف الغريب في وقته، الشديد في خطواته ... عانقته بسرعة، عرفت أنه وسيم حافظ أسراري.
ألهبني بالمفاجآت وما يحمله من أخبار عكست سوء النوايا رغم كل ما قدمته له، ضاع الجميل في بحر يابس ...لا أمتلك شجاعة الأبطال كي أدافع ... سكت وعدت لا تتهمني يا عزيزي باليأس ..
لنفسي حياتها....
لذلك، لم تطلب مني الدفاع عنها أمام الحياة