تحليل: واشنطن تسعى لاسقاط رئيس فنزويلا لاستغلال نفط بلاده

لندن
شافيز يقف بصلابة امام الاطماع الاميركية

يجمع الخبراء والمحللون على أن الأزمة السياسية والاقتصادية الخانقة التي تعيشها فنزويلا منذ الثاني من كانون الأول/ديسمبر الماضي، والتي ألحقت بالاقتصاد الفنزويلي خسائر باهظة زادت عن أربعة مليار دولار خلال الشهر الأول فقط، تأتي في إطار الحروب والأزمات التي تفجرها الولايات المتحدة الأميركية في أكثر من منطقة وعلى أكثر من جبهة للاستحواذ على مكامن النفط الغنية في العالم، وفي مقدمتها فنزويلا التي تعتبر من المواقع النفطية الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة.
وقد دعت خطة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن للطاقة التي أعلن عنها في أيار/مايو عام 2001 صراحة إلى زيادة الاستيراد الأميركي للنفط من دول أميركا اللاتينية وخاصة فنزويلا التي تعتبر ثالث أكبر مصدر للنفط للولايات المتحدة بعد كندا والمملكة العربية السعودية، وبمعدل إنتاج يبلغ 1.5 مليون برميل يومياً، وتمثل صادرات النفط الفنزويلية 13 في المائة من واردات أميركا من النفط، و70 في المائة من مبيعاتها النفطية.
وتركز الولايات المتحدة على النفط الفنزويلي لاعتبارات عديدة نذكر منها:
1 - أن فنزويلا تملك أكبر احتياطات من النفط خارج منطقة الشرق الأوسط، بنوعيه النفط العادي والنفط الثقيل، وأن تكلفة استخرج الثقيل منه منخفضة.
2 - قرب موقع النفط الفنزويلي من أسواق الاستهلاك الأميركية، وفي نفس الوقت بعده عن مناطق النزاع الساخنة، لذلك لم يكن مستغرباً أن تسارع الولايات المتحدة إلى دعم الانقلاب العسكري الذي وقع في كراكاس في الحادي عشر من نيسان/أبريل الماضي ضد الرئيس اليساري هوغو شافيز الذي كان قد انتخب ديمقراطياً في عام 1998 وأعيد انتخابه عام 2000 لولاية جديدة تستمر حتى عام 2006، بل إن التحقيقات التي أجرتها الحكومة الفنزويلية وشهادة الشهود ووجود الملحق العسكري الأميركي في مقر قيادة قاعدة «فورت نيوتا» بالعاصمة كاراكاس أثبتت تورط واشنطن مباشرة في الانقلاب العسكري على الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز.
3 – حاجة الولايات المتحدة المتزايدة إلى النفط لتزايد استهلاكها منه، حيث تحصل الولايات المتحدة في الوقت الحاضر على 53 في المائة من حاجاتها النفطية من مصادر خارجية، ويتوقع أن ترتفع النسبة إلى 62 في المائة بحلول 2020 بسبب نضوب الكثير من الآبار من جهة وزيادة الاستهلاك الداخلي من جهة أخرى. وهذا يعني عملياً زيادة الاستهلاك الأميركي من النفط المستورد بنسبة 50 في المائة من 24.4 مليون برميل إلى 37.1 مليون برميل يومياً، واستناداً إلى بيانات وزارة الطاقة ستستورد الولايات المتحدة بعد 20 سنة نحو برميلين من كل ثلاثة براميل من النفط، أي أن اعتمادها على النفط الخارجي سيزداد.
4 – رغبة الولايات المتحدة في الحصول على حاجتها من النفط بأسعار منخفضة لتحفيز نمو الاقتصاد الأميركي الذي يعاني من الركود وإدامة هذا النمو ورفع معدلاته السنوية، حيث تشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة كي تحصل على كل الطاقة الإضافية المطلوبة سيكون عليها إنفاق نحو 2.5 تريليون دولار على النفط المستورد من الآن وحتى 2020 على افتراض أن تبقى الأسعار على مستوياتها الحالية، إضافة إلى إنفاق مماثل لاستيراد الغاز الطبيعي.
وتقول مصادر أميركية إنه من أجل أن تضمن توافر هذه الكميات، سيكون على الشركات الأميركية أن تعمل مع منتجين أجانب لزيادة إنتاجهم السنوي في شكل أساسي، ولأن الكثير من هؤلاء المنتجين موجودون في مناطق نزاع وعدم استقرار، سيكون على حكومة الولايات المتحدة أن تؤمن مساعدة أمنية قد تشمل في بعض الأحيان نشر قوات أميركية قتالية، أو حتى القيام بعمليات غزو واحتلال مباشر لدول كما في حال العراق.
وفي ظل الأهداف الأميركية للاستحواذ على مصادر النفط، وأمام فشل الانقلاب العسكري ضد الرئيس الفنزويلي لم يكن مستغرباً أن تزيد الولايات المتحدة من حجم ضغوطها وتورطها السياسي والاقتصادي في الأزمة التي تعيشها فنزويلا منذ أكثر من شهرين من أجل إسقاط الرئيس الفنزويلي الذي يقف حجر عثرة أمام طموحاتها بالسيطرة على النفط الفنزويلي، كما تعتقد أن تحركات الرئيس شافيز على المستوى الدولي تضر بمصالح الولايات المتحدة، وفي هذا السياق يرصد الخبراء مجموعة من السياسات التي أثارت غضب واشنطن ومنها:

أولاً: نجاحه في السيطرة على شركة النفط الفنزويلية التي يقدر رأسمالها بنحو 130 مليار دولار، وتنفرد الدولة بأسهمها كاملة، وتعتبر الشركة صلب وقلب الاقتصاد والمجتمع الفنزويلي.

ثانياً: وضع حواجز دستورية وقانونية أمام الاستثمارات الأجنبية وخاصة الأميركية منها في قطاع إنتاج النفط وتصديره، لذلك لم يكن بمستغرب إعلان قادة الانقلاب فوراً عن إعادة هيكلة القطاع النفطي الذي أمم عام 1976 مما تسبب في فشل الانقلاب.

ثالثاً: وضعه لاستراتيجية نفطية تتماشى لحد ما مع أهداف وسياسات منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك للمحافظة على حقوق الدول المنتجة للنفط، والرئيس شافيز هو صاحب معادلة النطاق السعري لبرميل النفط الذي يتراوح بين 22 إلى 28 دولاراً والذي التزمت به منظمة أوبك خلال العامين الماضيين، وكان له الفضل في تقليل خسائر الدول المنتجة وتحقيق استقرار نسبي في أسواق النفط العالمية.

رابعاً: تعاونه ودعمه للدول الخارجة على سياسات الولايات المتحدة مثل كوبا، فقد أبرم شافيز مع كاسترو اتفاقاً تقوم فنزويلا بمقتضاه بإمداد الجزيرة المغضوب عليها أميركياً بثلاثة وخمسين ألف برميل من النفط يومياً بشروط دفع ميسرة. كما قام بزيارة لاثنتين من الدول التي تعتبرها أميركا أعضاء في "محور الشر" هما العراق وإيران. كما زار ليبيا المرشحة للانضمام إلى هذا المحور.
وفي هذا السياق لا بد من التذكير بأن فوز الرئيس شافيز مثل لواشنطن، خطوة معاكسة لمساعيها من أجل بسط هيمنتها المطلقة على دول أميركا اللاتينية، بل وعزز مساعي اليسار في القارة، خاصة أنه تبنى سياسات اقتصادية واجتماعية تهدف إلى محاربة الفقر، والتصدي لمشكلة البطالة، وتقليص الفوارق الاجتماعية الهائلة بين طبقات المجتمع الفنزويلي. وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى مقابلته بالعداء منذ الأيام الأولى لانتخابه عام 1998. وأعلن السياسيون والمعلقون الأميركيون بوضوح أن بلادهم ليست بحاجة إلى كاسترو آخر في أميركا اللاتينية، بل إن الأميركيين اعتبروا شافيز أشد خطورة من كاسترو بسبب المصالح النفطية الهامة التي تربط بلادهم بفنزويلا، خامس أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم، ثالث أكبر المصدرين إلى السوق الأميركية.

وفي ضوء النقاط السابقة يعتقد الخبراء أن استمرار الأزمة السياسية في فنزويلا يعود للدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة للمعارضة اليمينية التي تطالب باستعمال القوة العسكرية لتنفيذ اقتراحات الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر المتعلقة بتعديل الدستور الفنزويلي، وإجراء انتخابات مبكرة وسريعة تلبي طموحات أغنياء ومستثمري فنزويلا لحماية مصالحهم التي ترتبط بشركات استثمارية وتجارية خارجية غايتها الربح وتنمية أموالها على حساب شعب فنزويلا.
ذلك فإن المعارضة تحاول الإسراع في إسقاط الرئيس شافيز قبل أن تفلت الأمور من أيديها وتضرب مصالح المستثمرين في الداخل والخارج التي كانوا قد وضعوا أسسها قبل وصول شافيز إلى الرئاسة بانتخابات دستورية وهم يخشون أن تتآكل هذه المصالح قبل أن يستكمل الرئيس الفترة الدستورية لحكمه والتي تمتد حتى عام 2006.

خسائر الاقتصاد

أدى الإضراب الذي تقوم به المعارضة منذ الثاني من كانون الأول/ديسمبر والذي مازال مستمراً حتى الآن إلى إلحاق خسائر باهظة بالاقتصاد الفنزويلي الذي يعاني في الأصل من أزمات كبيرة، وجاءت معظم الخسائر من الشلل الذي أصاب قطاع الصناعة النفطية الفنزويلية، فعائدات النفط بالنسبة لفنزويلا‏ تمثل 50 في المائة‏ من الدخل القومي،‏‏ و‏80 في المائة‏ من عائدات الحكومة من العملات الأجنبية، حيث تخسر فنزويلا نحو خمسين مليون دولار يومياً بسبب وقف إنتاج وتصدير النفط‏‏.‏
وأشارت دراسة لخبراء اقتصاديين في البرلمان إلى أن الخسائر التي كبدتها البلاد نتيجة ثلاثين يوماً من الإضراب فقط بلغت حوالي أربعة مليارات دولار، أي 57.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا يعني أن قيمة الخسائر قد تضاعفت الآن.
كما ألقت الأزمة السياسة التي تعيشها فنزويلا منذ نحو شهرين بظلال قاتمة على أسواق النفط العالمية نتيجة تراجع إنتاجها من حوالي ثلاثة ملايين برميل يومياً إلى حوالي 400 ألف برميل فقط، بحسب تقديرات مستقلة، مما تسبب بنقص الكميات المعروضة وارتفاع الأسعار إلى نحو 30 دولاراً للبرميل الواحد، علاوة على الآثار الاجتماعية التي خلفتها الأزمة، وزاد من حالة القلق العالمي استمرار التهديدات الأميركية بغزو العراق الذي يعتبر أحد منتجي ومصدري النفط الكبار.
كما أدى استمرار الإضرابات العمالية إلى إصابة البلاد بحالة من الاضطراب والفوضى‏‏، وفي حال نجاح المعارضة بإسقاط نظام الرئيس شافيز، فمن المتوقع أن تشهد أسواق الطاقة العالمية المزيد من الاضطراب، نتيجة تزايد الكميات المطروحة في أسواق النفط الدولية وهو ما كان فأكده رئيس قسم المبيعات في الشركة الوطنية للنفط "بتروليوس دي فنزويلا" فور الإطاحة بشافيز بعد الانقلاب الفاشل في نيسان/أبريل الماضي بأن الشركة سوف تنتج حسب حاجة الأسواق، وليس حسب الحصة المحددة لها من منظمة أوبك الأمر الذي كان من شأنه أن يؤدي لإطلاق أيدي المنتجين الآخرين في زيادة إنتاجهم، ومن ثم إغراق الأسواق وانهيار الأسعار كما حدث عام 1998حينما انخفض سعر البرميل الواحد إلى نحو 10 دولارات.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، وفي حال سقوط نظام الرئيس شافير، وقيام الولايات المتحدة بغزو العراق فإن قدرة أوبك على التحكم بأسواق النفط العالمية ستنهار إلى غير رجعة.

تدخل الجيش لمساندة شافيز

جاء تركيز الأحزاب اليمينية بالتحالف مع "اتحاد أرباب الأعمال" و"اتحاد العمال" الأصغر بقيادة كارلوس أوريتجا على شل القطاع النفطي وحرمان البلاد من عائداته، وهو ما أكده الرئيس شافيز بقوله: "إنهم يريدون وقف الصناعة النفطية لزرع الفوضى وتبرير تدخل عسكري وقلب الحكومة التي انتخبها الشعب الفنزويلي مرتين، إنهم يريدون إقامة حكومة تخصخص شركة المحروقات الوطنية.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف لجأ كبار المديرين والفنيين في الشركة إلى تعطيل أنظمة المعلومات وأجهزة الكمبيوتر بحيث أصبح العمل مستحيلاً، الأمر الذي تسبب بخسائر يومية تزيد عن50 مليون دولار، الأمر الذي دفع بالجيش إلى التدخل حيث نجح في إعادة الإنتاج بحدود (600- 700 ألف برميل يومياً) وتصدير كميات منه إلى الأسواق الدولية.
بكلمة أخيرة، على الرغم من أن الأزمة السياسية والاقتصادية التي تعيشها فنزويلا مستمرة منذ أكثر من شهرين وتعبر الأسوأ التي تواجه حكومة شافيز التي تعتمد بشكل كبير على صناعة النفط, إذ أدى تراجع عائدات النفط أدى إلى تقلص النمو الاقتصادي وزاد من الضغوطات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على الشعب الفنزويلي والحكومة، إلا أن نجاح الرئيس في التصدي لتلك الضغوطات وإفشال خطط المعارضة المدعومة أميركياً سيكون على المدى البعيد أفضل من نجاح المعارضة اليمينية في الاستيلاء على الحكم وتسليم ثروات الشعب الفنزويلي إلى الاحتكارات النفطية الأميركية، فذاكرة فنزويلا وأميركا اللاتينية حافلة بقصص النهب والسلب الاستعماري، لكن الأخطر من كل ذلك هو حصول انقلاب عسكري يصاحبه عنف دموي يأتي على منجزات الشعب الفنزويلي فتكون خسارته مضاعفة. (قدس.برس)