رحيل اشهر المانية تخصصت في الاسلام

ماري شيمل كشفت لاوروبا جوانب مضيئة من الحضارة الاسلامية

برلين - أعلن في ألمانيا مساء الاثنين عن وفاة عالمة ألمانية بارزة في مجال الاستعراب والعلوم الإسلامية. فبعد مسيرة علمية حافلة توفيت المستشرقة الألمانية الشهيرة آنا ماري شيمل عن عمر يناهز الثمانين عاماً.
وامتد النشاط العلمي لشيمل في المشرق الإسلامي وشبه القارة الهندية وأميركا الشمالية. وولدت أنا ماري شيمل في مدينة إرفورت الألمانية في عام 1922، وكانت إقامتها الأخيرة في مدينة بون، العاصمة السابقة للجمهورية الاتحادية.
وقبيل وفاتها بأشهر قليلة وثقت شيمل سيرتها التي تحمل عنوان "شرق وغرب: حياتي الغربية الشرقية"، في كتاب بقلمها يقع في أكثر من ثلاثمائة صفحة، صدر عن دار بيك الألمانية للنشر في أيلول/سبتمبر الماضي.
وبدأ شغف المستشرقة الراحلة بالشرق الإسلامي منذ سني طفولتها الأولى، ففي السابعة من عمرها أثارت القصص الشعبية التي قرأتها الاهتمام بالثقافة الإسلامية لديها، فبدأت رحلة الاستكشاف الطويلة التي أوصلتها إلى قمة علماء الإسلاميات والاستشراق في ألمانيا وأوروبا، وامتدت جولات شيمل من باكستان إلى المغرب الأقصى، وكانت جامعتا أنقرة التركية وهارفرد الأميركية من بين المحطات العلمية التي درّست فيها.
وبعد أن بدأت في تعلم اللغة العربية في الخامسة عشرة من عمرها؛ عرفت هذه العالمة بإتقانها عدة لغات إسلامية واهتمامها بعرض أسس الدين الإسلامي والقرآن الكريم وأعلام التصوّف. واشتهرت شيمل في السنوات الأخيرة بكونها رمزاً عالمياً للتواصل الإيجابي بين الشرق والغرب، فضلاً عن كونها داعية لحوار الحضارات، وهو الدور الذي تمسكت به حتى بعد صدور رواية "آيات شيطانية" المسيئة للإسلام وللرسول الكريم عن الكاتب سلمان رشدي، وبعد وقوع حوادث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 أيضاً.
وقد فاقت الأعمال المنشورة لشيمل المائة، بين كتاب وبحث علمي ومحاضرة مطبوعة، فضلاً عن أنها تولت ترجمة العديد من الأعمال من اللغات العربية والأوردية والفارسية والتركية والسندية.
وبمناسبة بلوغها سن الخامسة والسبعين؛ تم تقليد شيمل جائزة السلام الألمانية للكتاب لعام 1995، وهي أرفع جائزة أدبية في ألمانيا. ولكن الجائزة التي يمنحها الناشرون الألمان أثارت في حينها عاصفة حول شخصيتها في وسائل الإعلام وصالونات النخب، بسبب إعجابها شيمل بالإسلام والثقافة الإسلامية واستنكارها للآيات الشيطانية التي خطها سلمان رشدي.
من جانبه؛ أعرب المجلس المركزي للمسلمين في ألمانيا مساء الاثنين أنه تلقى نبأ وفاة البروفيسور آنا ماري شيمل بالكثير من الألم. وقال المجلس الذي يعد أبرز مظلة مؤسسية للمسلمين في الجمهورية الاتحادية إنه "خسر بوفاتها عضواً معتبراً جداً في مجلسه الاستشاري"، مشيراً إلى أنّ رحيلها هو "خسارة لكل المسلمين".
وأعاد المجلس المركزي للمسلمين إلى الأذهان أنّ شيمل سعت "بلا كلل في حياتها الطويلة الحافلة بالأعمال إلى تحقيق تفاهم أفضل بين المسلمين وغير المسلمين"، على حد تعبيره.
وبدورها؛ نعت الرابطة الأوروبية للإعلاميين البروفيسور آنا ماري شيمل "التي رحلت عن الحياة لتبقى حاضرة بقوة من خلال مسيرة علمية وأكاديمية حافلة، اختارت فيها نهج التلاقي بين الثقافات في الوقت الذي تعلو فيه صيحات الصراع والتصادم بينها".
وقالت الرابطة الأوروبية للإعلاميين "يأتي رحيل شيمل ليسلِّط الأضواء بصورة أنصع على شخصية عالمة قديرة، ساهمت أعمالها الغزيرة في إثراء التفاهم المتبادل وستبقى كذلك حتى بعد وفاتها". وطالبت الرابطة الأوروبية للإعلاميين "كافة الأوساط الإعلامية المنتقدة وجميع الذين هاجموا شيمل في العام 1995، إبان اختيارها لنيل جائزة السلام الألمانية للكتاب؛ إلى المبادرة بإنصافها بعد وفاتها على الأقل، والاعتذار عن الإساءات التي لاحقتها في ذلك الحين، بسبب إعجابها بالميراث الحضاري الإسلامي وتقديرها للدين الإسلامي، وانتقادها لصاحب الآيات الشيطانية سلمان رشدي"، كما جاء في تعليق لها.
وأشادت الرابطة الأوروبية للإعلاميين بالراحلة و"الإسهامات العلمية والفكرية التي قدمتها، في سبيل تحقيق التفاهم بين الثقافات والشعوب الإنسانية"، ورأت فيها "نموذجاً للتقارب الإنساني جديراً بكل تقدير".
وعلى خلفية تدهور حالتها الصحية على ما يبدو؛ أرجئت عدد من الفعاليات الثقافية والأكاديمية التي دعيت إليها المستشرقة شيمل في الأسابيع الأخيرة، ومن أواخرها الندوة التي كان من المفترض أن تستضيفها في جامعة بون في التاسع من كانون الثاني/يناير 2003. (قدس.برس)