مهنة قراءة الحظ تلقى رواجا في طهران!

طهران - من طاهر الموسوي‏
قارئات الحظ يتاجرن بازمات الشباب

يمتد شارع ناصر خسرو جنوب العاصمة الايرانية المزدحم، ‏والذي تقوم على جانبيه ابنية يتجاور فيها القديم بطابعه التراثي العابق بتاريخ ‏غابر، والجديد الذي يصعد في السماء ليعوض مافاته من مواكبة العصر.
ويلمح الداخل الى هذا الشارع، الذي يحمل اسم الشاعر والرحالة الايراني الكبير ‏ناصر خسرو والمكتظ بالمكتبات الممتلئة بالكتب العربية، صورة مختصرة لكنها معبرة عن ‏ ‏طبيعة الحياة التي يحياها سكان جنوب العاصمة وهم يكافحون لتأمين مستلزمات حياتهم ‏او يحلمون لسد النقص الذي لم يستطع كدحهم المضني طوال النهار تلافيه او حين ‏ ‏يبحثون عمن يعينهم على تبديد همومهم والكشف عما تخبئه الايام لهم مما هو مقدر ‏ ‏ومحتوم.
وتقع عين الداخل الى شارع ناصر خسرو على مجموعة من النسوة يفترشن ارصفة الشارع ‏والازقة المؤدية اليه ويكاد يتوهم لرثاثة الثياب وفقر الحال البادي عليهن انهن ‏ ‏متسولات يستدررن عطف المارة ويثرن دوافع الاحسان في نفوسهم.‏ غير ان ايماءة محترفة من احداهن بطلب التقدم تجعل الزائر يدرك خطاه على الفور ‏فهو امام قارئة الحظ او الفوالة التي تكشف لزبائنها اسرار المستقبل وما تخبئه ‏الايام ولها قدرة خارقة كما تدعي على استمالة قلب الزوج النافر ومشاعر الحبيبة ‏الغضبى.‏
ومع ان الفوالين والمنجمين وقراء البخت من الرجال لهم حضورهم ايضا في هذا ‏الشارع وغيره من مناطق العاصمة حتى المترفة منها في الشمال الا ان الملاحظ ان ‏النساء هن اكثر قدرة على استمالة الزبائن وايقاع الباحثين عن السعادة في حبائلهن.
وعلى الرغم من دستة الخواتم بفصوصها الملونة المثيرة التي يحلي الرجال ‏اصابعهم بها وملابسهم الفضفاضة المتناغمة مع اللحى الطويلة المنسرحة على الصدور ‏فان قارئات الحظ البندريات (نسبة الى بندر عباس في جنوب ايران) يحظين بثقة الرواد ‏ ‏واموالهم اكثر من الرجال.
ولا يرتضي رواد قارئات الحظ ما اعتاد عامة الايرانيين القيام به حين يترددون في ‏الاقدام على عمل معين من استفتاح بالقران الكريم واختيار لما يعتقدون ان الايات ‏الكريمة توجههم نحو فعله فهم يتلون قبل الاستخارة دعاء خاصا يطلبون فيه من الله ‏سبحانه ان يختار لهم ما فيه الصلاح لحالهم.‏ وبعدها يفسرون الايات السبع في اعلى الصفحة اليمنى التي ينفتح علها المصحف ‏الشريف وفقا لما يرد فيها من معاني الوعد والوعيد او غير ذلك من المعاني التي ‏يستفيد منها المستفتح بالقران (عادة ما يكون من المعروفين بالتقوى) الامر بارتكاب ‏العمل او النهي عنه او التخيير فيه.‏
كما لا يروي ظمأ هؤلاء الزبائن ما درج عليه مواطنوهم من التفاؤل بديوان ‏الشاعر الايراني المعروف حافظ الشيرازي حين يفتحون الديوان دونما قصد لصفحة معينة‏ ‏ثم يقررون افعالهم تبعا لما يجدونه من المعاني في ابيات الشعر الواردة.‏
وتستعرض فاتحة الفال او قارئة الحظ مهاراتها في استكشاف المخبوء عن طريق ‏قراءة الكف او الفنجان او التمعن في خطوط الجبين ثم تنظر في قرص من النحاس حفر ‏على صفحته اسماء لاولياء وارقام وكلمات غير مفهومة وتخبر الباحث عن الحظ ماتدعي‏ ‏انها قرأته في جبينه وانبأها به القرص العتيد.
ويبدأ عمل القارئة مع الزبون بالثناء على محاسنه والاشادة بفضائله ‏الاخلاقية في محاولة كما يبدو لاسترضاء غروره الشخصي واستئصال الشعور بالشك من ‏ ‏نفسه تجاه ماتحدثه به ثم تعرج على الصعوبات والمشاكل التي سيواجهها في المستقبل ‏وتوصيه بالصبر والثبات امام هذه المشاكل لتختم حديثها ببشرى المال والبنين الذي ‏سيراه الزبون بعد اجتيازه لهذه الصعاب.‏
ولكي تضفي الفوالة بعدا عمليا على حديثها تطلع الزبون على خيط معقود وتؤكد له ‏ان اعداء يتربصون به هم الذين عقدوا هذا الخيط وانها ستحل عقدته اذا رغب في ذلك ‏ ‏وتزيل العقبات عن طريق سعادته في المستقبل.‏
وتطلب الفوالة من الزبون ان يضع في يده اليمنى الخيط المعقود ومبلغا من المال ‏ ‏قدره ألفا تومان ايراني (5.2 دولار أميركي) ويضم يده على صدره قريبا من القلب ثم ‏ ‏تبدأ هي بتلاوة كلمات والنطق بمقاطع ومفردات لايدري من اية لغة هي لتأمره في ‏ ‏نهاية المطاف بفتح يده وتختطف بمكر حذقته المال والخيط الذي تنحل عقدته بمجرد ان ‏ ‏تمسه يدها.‏
وتتمتع هؤلاء النسوة بذلاقة لسان كبيرة وقدرة فائقة على اقناع الزبائن الذين ‏يكون الشباب والنساء اغلبيتهم الساحقة والتلاعب بمشاعرهم وهي قدرة اكتسبنها من ‏ ‏طول ممارستهن لمهنتهن وخبرتهن الطويلة في احاسيس ضحاياهن وما يحبون ان يقال لهم ‏على الرغم من ان قارئة الحظ هذه تخاطب الزبون وكانها تردد كلاما تحفظه و كررته ‏مئات المرات.
وكثيرا ماتستعين الفوالات بانواع من الخرز والاحجار تزعم ان لكل واحدة ‏منها وظيفة تخصها فهذه خرزة منتزعة من راس حية ترقق قلب الزوج الساخط على زوجته، ‏وتلك عقيقة لاتقدر بثمن لاستمالة قلب المحبوب وغيرها حرز يحفظ صاحبه وينجيه من ‏الاخطار.‏
وبسؤال عدد من الشباب الذين كانوا يجلسون الى هؤلاء الفوالات ويستمعون ‏الى مايقلنه لهم باهتمام عن سبب لجوئهم الى هذه الطريقة وهل يصدقون ما يقال لهم ‏فاجابوا بطريقة واحدة تقريبا "بانهم لايأخذون مايقلنه لهم على محمل الجد ‏ولاينظرون الى كلامهن اكثر من كونه خزعبلات وهراء لاسند له من الواقع".‏‏ غير ان جلسة الاهتمام والاصغاء الجاد الذي يبدو على وجوه هؤلاء الزبائن لدى ‏استماعهم الى قارئة الكف يحمل المرء على الاعتقاد بان شيئا اكثر من مجرد الفضول ‏هو الذي دفع هؤلاء الباحثين عن الحظ للرضا بتلقي التطمينات والاحساس بالامل.‏‏ وربما كان ما يدفع زبائن الفوالات الى الذهاب اليهن هو نفسه الذي يدفع بالمريض ‏الذي اعياه دواء الاطباء الى اللجوء للتمائم والاساليب الشعبية في العلاج رغم عدم ‏ايمانه بها وانكاره لفاعليتها وكثير من الناس يجد في اللجوء الى واحة الاوهام ‏والاحلام ملاذا من صلابة الواقع وقسوة الحياة التي لاترحم.‏
وسألنا البندرية التي رفضت ان تذكر اسمها وكادت ان تكسر الكاميرا عند محاولة ‏تصويرها عن السر في الجلوس على الارصفة وتحمل تقلبات الطقس لكي تحل مشاكل الناس‏ ‏وتعلمهم سبل السعادة ولاتفكر هي باتباع نفس هذه الطرق للوصول الى السعادة ‏المنشودة والعيش الهنيء بعيدا مصاعب الجلوس في الطرقات ومناكدة الزبائن.‏ الا ان هذه البندرية اكتفت بالرد على سؤالنا بابتسامة عريضة وغامضة "ابتسامة ‏ربما كانت تحكي اعتذارا عن التوسل بالحيلة طريقا لكسب العيش". (كونا)