الاجنبيات يسيطرن على الرقص الشرقي في مصر!

القاهرة
مجموعة من هواة الرقص الشرقي يتعلمن فنونه في مدرسة خاصة في القاهرة

يبدو أن الراقصات الشرقيات الأجنبيات اللاتي غزون مصر منذ منتصف الثمانينات، قد سجلن انتصارا جديدا على الراقصات المصريات، في أعقاب احتجاب واحدة من أشهر الراقصات، وهي الراقصة دينا، التي كانت تدعو لإنشاء نقابة للراقصات المصريات، منذ منتصف كانون أول/ديسمبر 2002، وتردد أنباء عن قرب اعتزالها الرقص، وارتداء الحجاب، عقب عودتها من موسم الحج الحالي، الذي حجزت تذكرة حج سياحي للمشاركة فيه.
فقد أثارت الحلقة، التي سجلتها الراقصة دينا مع إحدى المحطات الفضائية قبل أيام، وظهرت فيها وهي منكسرة باكية، عقب ما سمي بفضيحة شريط الفيديو، التي قالت الصحف المصرية إنها ظهرت فيه ضمن سبع سيدات أخريات، الكثير من الجدل في بعض الأوساط في الساحة المصرية.
ومما زاد من أهمية الموضوع القرار الذي يتوقع أن تتخذه الراقصة، التي اشتهرت بالرقص بملابس رقص "ساخنة"، مما عرضها لمخالفات من قبل شرطة الآداب، خصوصا أنها ركزت على الحديث عن اللجوء إلى الله، ومراعاة ظروف ابنها في المستقبل.
وأكد رئيس تحرير صحيفة "صوت الأمة" عادل حمودة، في مقال دفاعي مطول عنها في العدد الأخير الصادر يوم العشرين من كانون ثاني/يناير الجاري، تحت عنوان "دينا كبش فداء بـ 40 مليار جنية منهوبة".
إذ أشار حمودة إلى أن دينا "قررت أن تشطب اسمها من قائمة الفنانات لتكتبه في قائمة المحجبات". وأشار إلى قضية زواج دينا (زواج عرفي)، من المليونير حسام أبو الفتوح، الذي يجري التحقيق معه حاليا بتهمة عدم رد أموال المصارف، التي اقترضها بلا ضمانات حقيقية، والذي تم اكتشاف الشريط المشبوه بعد التحقيق معه.
مع انحسار الأضواء عن إحدى أشهر ثلاث راقصات مصريات، بعد اعتزال الكثيرات منهن، أو تحجبهن، عادت الأضواء في الوقت نفسه لتُسلط على الراقصات الأجنبيات، اللاتي يزاول المهنة منهن في مصر بطريق رسمي قرابة 32 راقصة من جنسيات أوروبية وآسيوية ومن أمريكا اللاتينية، بالإضافة إلى قرابة ألف راقصة أخرى، تزاول المهنة بلا ترخيص رسمي.
ومن أشهر الراقصات الأجنبيات "كيتي جوروليه"، التي نشرت لها مجلة "لوبان دوفو" مؤخرا تحقيقا بالصور حول شهرتها الواسعة في فنادق وملاهي القاهرة، ترجمته مجلة "روز اليوسف" المصرية في عددها الأخير، كشفت فيه عن أنها أستاذة كيمياء كانت تعمل في المختبرات وسط المواد الكيماوية، مما أصابها بحساسية في الوجه والذراعين، فاتجهت إلى الرقص الشرقي، ولقيت استحسانا كبيرا. راقصات أجنبيات ينافسن المصريات وعلى الرغم من أن عدد الراقصات الأجنبيات غير معروف بدقة في مصر، فقد كشف تقرير صادر عن إدارة مكافحة التهرب الضريبي في مصر، في منتصف 2001 عن أن العدد المسجل في الأوراق الرسمية هو 32 راقصة أجنبية، مقابل 382 راقصة مصرية.
إذ كشف التقرير عن أن خمس راقصات من أوروبا الشرقية والأرجنتين والبرازيل ضمن أكثر من 32 راقصة شرقية أجنبية يزاولن هذه المهنة في مصر، قد حققن ثروة تصل إلى ستة ملايين دولار خلال عملهن لمدة عامين فقط، في الملاهي الليلية ، وأن الإدارة قررت القبض عليهن حفظًا لحقوقها الضريبة عليهن؛ خوفًا من هروبهن للخارج، مثلما فعل غيرهن من قبل.
وقد زاد هذا الأمر من السخط الشعبي على هذا النوع من الرقص الذي يراه المصري العادي نوعًا من الإثارة الجنسية، في الوقت الذي تتزايد فيه نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر من المصريين. وكشف التقرير أن دخل الراقصة على تقديمها رقصتها الواحدة في الفنادق من نوع خمسة نجوم يصل إلى عشرة آلاف جنيه (2800 دولار)، أي ما يعادل الراتب الشهري لعشرة من كبار موظفي الحكومة!.
ورغم طرافة اشتغال الأجنبيات بمهنة الرقص الشرقي ومنافساتهن للمصريات، فلم يكن المصريون يتصورون في يوم من الأيام أن يأتي زمن تستورد فيه بلادهم الراقصات من بلاد "الخواجات"، أو أن يأتي اليوم الذي يصبح فيه ترتيب الراقصة المصرية هو الرابع أو الخامس أو السادس في ترتيب المشهورات القادمات من السويد والأرجنتين وإنكلترا والبرازيل، ولكن هذا هو ما حدث بالفعل، مع تزايد ظاهرة اعتزال الراقصات المصريات القدامى، وإعلان الكثيرات منهن التوبة، والإقلاع، لتتدفق على مصر الراقصات الأجنبيات، بما يضفنه للرقص الشرقي من اسراف في الإغراء، والحركات غير الأخلاقية، مما أثار اعتراضات عنيفة من قبل المؤسسات الدينية وعلى رأسها الأزهر، وكذلك العديد من الشخصيات الوطنية، التي ترى في هذا الرقص تدميرا لأخلاقيات المجتمع وقيمه.
وتشير أرقام إدارة الرقابة على المصنفات الفنية المصرية إلى أن هناك حوالي 32 راقصة أجنبية معتمدة في مصر، إلى جانب الراقصات المصريات اللاتي يبلغ عددهن - رسميًّا - 382 راقصة مسجلة في سجل إدارة المصنفات الفنية، و5000 في إحصاءات مصلحة الفنون، وأكثر من 10000 في تقديرات أخرى غير رسمية، بحساب كل الراقصات في الأفراح والملاهي الليلية.
وكانت فترة الثمانينيات قد شهدت اعتزال أكثر من راقصة مصرية من الشهيرات، سواء بسبب تقدم السن، أو الاعتزال، وهن في سن الشهرة، بسبب تدينهن، وإعلان توبتهن، وارتداء الحجاب، مثل سحر حمدي، وهالة الصافي، وعزة شريف، وزيزي مصطفى، لتدخل فترة التسعينيات وهناك قرابة ثلاثة أو أربعة فقط من الراقصات المشهورات المصريات، الأمر الذي دفع بعض معلمي الرقص المصريين من الرجال إلى السفر للخارج لتعليم الأجنبيات اللاتي، يقبلن على هذا اللون من الرقص المثير. الأمم المتحدة تورد راقصات! ويعود تاريخ غزو الراقصات الأجنبيات لمصر تحديدًا إلى فترة انهيار الاتحاد السوفييتي، عندما بدأت بعض الفتيات الروسيات بغزو مصر والبلدان العربية بحثًا عن عمل؛ إذ سعى بعض الفنانين المصريين وأصحاب فرق الرقص الاستعراضية للاستعانة بهن في استعراضاتهم؛ بسبب جمالهن، الذي يجذب الجمهور، ورخص أجورهن، وعدم وجود أي ضوابط أخلاقية في التعامل معهن!.
وشكل الممثل الاستعراضي سمير صبري أشهر الفرق الغنائية الراقصة من هؤلاء الراقصات الروسيات، اللاتي سرعان ما تسربن واحدة إثر الأخرى؛ ليتجهن إلى قاعات الرقص والملاهي الليلية، التي تدر عليهن أرباحا خيالية؛ ليفتح الباب بعد ذلك لقدوم راقصات من السويد وإنكلترا والبرازيل والأرجنتين.
والغريب أن الكثيرات منهن قد جمعن ثروات طائلة من "هز الوسط" في زمن قياسي، بل إن هناك من جمعت ثروة ثم عادت لبلادها، واختفت عن الأنظار، مما يؤكد أن الهدف هو جمع المال، وليس ما كانت تردده بعضهن عقب بدء ممارسة الرقص من أنهن يحببن هذا "الفن"، وليس غرضهن المال فقط.
ويقدر أجر أي راقصة أجنبية في الملاهي الليلية بما لا يقل عن 4000 آلاف جنيه (1200 دولار) عن الرقصة الواحدة في اليوم الواحد، أي بدخل يزيد عن 36 ألف دولار في الشهر، وهذا بالطبع غير الرقص في الأفراح والحفلات الخاصة، التي لا يعرف أجورها على وجه الدقة.
ومن أشهر الراقصات الأجنبيات في مصر (أغلبهن يتخذن أسماء شبه عربية) الفرنسية كيتي، والسويدية "سماسم"، التي أجرت معها مجلة "المصور" المصرية منذ ثلاثة أعوام، حوارًا قالت فيه إنها مستاءة من تدهور فن الرقص الشرقي!. واعترفت بأن الراقصات الأجنبيات من أهم أسباب فساد الأذواق، وضياع أصول هذا الفن الجميل!، الذي لا يعتبره معظم المصريين سوى "عري وفحش". أما الأغرب فهو تأكيد "سماسم" أنها كانت إحدى المجندات في قوات الأمم المتحدة في مصر في منطقة الإسماعيلية، ثم عملت مندوبة مبيعات، وأخيرا قررت تعلم الرقص الشرقي. وهناك الأرجنتينية "اسمهان"، التي تعتبر نفسها الرابعة في ترتيب الراقصات في مصر، والبرازيلية "كاميليا"، والأمريكية "ساكتي"، والروسية "كاتيا" والأيسلندية "سونيا" والإسبانية "إيفا"، وكلهن جمعن ثروة كبيرة، وفقًا لما تؤكده المجلات الفنية.
وقد حذر بعض الباحثين الاجتماعيين من أن هذه الأجور الخيالية للراقصات قد أغرت العديد من خريجات الجامعات المصرية لتعلم الرقص الشرقي، لمواجهة البطالة المنتشرة، حيث لم تعد بعض الفتيات يهتممن بما يقال عن هذه المهنة. ثروة دينا 58 مليون جنيه
ولا يقتصر الربح الوفير من الرقص الشرقي على الأجنبيات، بل يتعداه إلى المحترفات المصريات. فتقرير مصلحة الضرائب المصرية عام 1999 أكد أن الراقصة "دينا" وصلت ثروتها إلى 58 مليون جنيه، وأن رصيدها في البنوك فقط 17 مليون جنيه، بالإضافة إلى مقتنيات من الماس والذهب تقدر بـ 20 مليون جنيه. وقد نفت الراقصة تلك الأرقام تماما فيما بعد، بيد أنها لم تنكر ارتفاع حجم ثروتها.
كما نقلت صحف فنية عن أشهر الراقصات ، التي دخلت العمل السينمائي إلى جانب الرقص، وهي فيفي عبده، وهو ما نفته عبده أيضا فيما بعد، "لديَّ أموال لو وقفت عليها في مصر لاستطعت رؤية جنوب إفريقيا"!. ورغم ما تحصل عليه الراقصة من شهرة وثراء، فإن الشارع المصري ما زال يطلق عليها اسم "عالمة" أو "رأآصة" وكلا الاسمين يحملان كل أوصاف الانحلال والتسيب، بل ويستخدمان في السب عند الشجار.
ومن أطرف ما انكشف حول الرقص الشرقي في مصر ما كشفه جهاز التمثيل التجاري في أحد تقاريره الأخيرة عن أن بدل الرقص الشرقي، وبذور نبات البرسيم تأتى على رأس السلع، التي تم التعاقد على تصديرها للخارج، خلال الفترة القليلة الماضية، وخصوصا إلى الولايات المتحدة الأمريكية. إذ قال التقرير إن جهود مكاتب التمثيل التجاري في الخارج أسفرت عن الترويج وتوقيع فرص تصديرية، ودخول سلع جديدة للأسواق الخارجية غير السلع التي يجري تصديرها حاليا، وأن بذور البرسيم وبدل الرقص تصدرت قائمة السلع الوطنية، التي تم التعاقد عليها.
وأكد جهاز التمثيل التجاري في تقريره الأخير، الذي نشرته صحيفة الوفد المعارضة التعاقد على تصدير بدل رقص وبذور برسيم إلى أمريكا، وتوافر فرص تصديرية لبدل الراقصات والأفلام الموسيقية والتسجيلات والغنائية والسينمائية والمفروشات والسلع الاستهلاكية، إلى جانب الهدايا والتماثيل المقلدة إلى سان فرانسيسكو.
ومعروف أن هناك تجارة رائجة لبدل الرقص الشرقي بين السياح الأجانب في مناطق خان الخليلي وأماكن بيع "الأنتيكات"، حيث يُقبل عليها السائحون الأجانب كنوع من الفلكلور، مما دفع بعض الشركات لبحث فرص تصديرها إلى أمريكا وأوروبا.
وتنتشر بدل الرقص الشرقي التي تستهوي السائحين الأجانب بأنواعها المختلفة في محال بيع الآثار و"الأنتيكات" وأغلبها يباع كنوع من الديكور أو الفلكلور، ويتراوح سعر بدلة الرقص الملونة ما بين 25 و400 دولار، حسب النوع والخامات.
وقد دفع إقبال السائحين الغربيين على مشاهدة وصلات الرقص الشرقي وتقليده، بالبعض من المصريين والأجانب لفتح عدد من مدارس تعليم هذا الرقص في بعض البلدان الأوروبية وأمريكا، كما عقدت مؤتمرات في مصر حول هذا النوع من الفن، بيد أن الراقصات المصريات يشتكين من منافسة الأجنبيات لهن في الوقت الحاضر بسبب أجورهن المنخفضة. البرلمان يعترض! وقد أغضبت محاولات بعض الراقصات عقد مؤتمرات دورية عن الرقص الشرقي في مصر للأجنبيات الراغبات في تعلم المزيد عن "أصول الرقص" غضب نواب في البرلمان، حيث وجّه عدد من نواب البرلمان العام الماضي انتقادات حادة لوزارتي الشؤون الاجتماعية والسياحة؛ لموافقتهما على إقامة مهرجان للرقص الشرقي، نظمته إحدى الجمعيات الأهلية في أحد فنادق القاهرة.
وتقدم أربعة من النواب المعارضين والمستقلين بطلبات إحاطة حول إقامة هذا المهرجان في مصر. وقال النائب عادل عيد (مستقل) إن إقامة مثل هذه المهرجانات هو تصرف استفزازي لمشاعر الشباب، الذين يعانون من البطالة، واستفزاز لمشاعر الشعب، الذي يتمسك بالتقاليد والعادات الشرقية. وأكد أن حجة وزارة السياحة بأن مثل هذه المسابقات تتم لجذب العملة الصعبة، وتنشيط السياحة أمر خطير، وغير مقبول.
وانتقد عيد بعنف الحكومة لموافقتها على إقامة مثل هذه المهرجانات، كما انتقد صمت المؤسسة الدينية في مصر، ممثلة في شيخ الأزهر والمفتي اللذين قال إنهما التزما الصمت تجاه هذا السلوك غير الأخلاقي. كما حذّر النائب "رجب هلال حميدة" من حزب الأحرار المعارض، من إقامة مثل هذه المهرجانات، التي تسيء إلى مصر وأزهرها وعلمائها، وتصور مصر في الخارج على أنها ملهى ليلي كبير، بما يخالف حقيقة تدين الشعب المصري. وطالب بمحاسبة كل من سمح بارتكاب "هذه الجريمة" على أرض مصر. وحمّل حميدة الحكومة المسؤولية كاملة لما وصفه بالهراء والاستهزاء بمشاعر غالبية الشعب المتدين بطبعه.
كما انتقد نواب جماعة الإخوان المسلمين هذه المؤتمرات عن الرقص الشرقي، ووصفوها بأنها "استجداء للمال الحرام، وامتدادا لمرحلة الهوان، التي تعيشها الأمة العربية كلها". وقالوا إن مثل هذه المسابقات لن تؤدي إلى إنعاش السياحة كما تظن الحكومة.
وكانت جمعية الفنون الشعبية (أهلية) عقدت مهرجانين للرقص الشرقي على مدار عامين متتاليين:2001 و2002، حيث استغرق المهرجان ثلاثة أيام، شاركت فيهما 310 راقصات مثّلن 18 دولة هي: أمريكا، واليابان، وألمانيا، وأستراليا، وإيطاليا، والسويد، والدانمارك، وسنغافورة، وهونج كونج، والبرازيل، وشيلي، وبولندا، وإنجلترا، وهولندا، وروسيا، والفليبين، وسولفينيا.
كما سعت كبريات الراقصات وعلى رأسهن (دينا) لتأسيس نقابة للراقصات الشرقيات المصريات، وقدمن طلبا بهذا الخصوص للجهات الرسمية، بيد أن مشروع النقابة قد يتأثر بغياب الراقصة دينا، التي قالت في آخر برنامج فضائي لها إنها لا تريد أن تصبح نقيبة للراقصات، وأبدت تراجعا عن تحمسها للفكرة. (قدس.برس)