عن مفارقات الوضع العربي: استعصاء مشاريع التغيير يجعل العرب مكشوفين أمام الخارج

بقلم: ماجد كيالي

ينطوي الوضع العربي الراهن على مفارقات كثيرة وخطيرة على غاية في الحدة والتناقض تطال الدول والحكام كما المجتمعات والأفراد، وهي مفارقات تشمل السياسة والاقتصاد والفكر.
وجاءت الأحداث التي تعصف بالمنطقة العربية لتبين مدى انكشاف العرب تجاه الخارج وعجزهم عن مواجهة القضايا والتحديات التي تعترضهم واستعصاء مسارات التغيير والتطوير لديهم، والنتيجة أن مشاريع التغيير باتت تفرض من الخارج كما بات التقرير بمصير المنطقة يجري بمعزل عن إرادة الحكام والمحكومين، في آن معا.
والمؤسف أن العقل العربي (على الأغلب)، وفي مواجهة كل ما يجري، مازال أميل للهروب من مواجهة المشكلات الذاتية وتأجيل الاستحقاقات الداخلية والتردد في التصدي للمناطق المحرّمة، بما يخص قضايا السياسة والفكر والمجتمع، بسبب كوابح السلطات (الذاتية والخارجية)، وبسبب ميله للتركيز على المباشر والسطحي والآني، في تعامله مع الأحداث والتحديات والظواهر.
والحاصل أن السياسة بمعناها الضيق والمباشر، التي هي (على الأغلب) مجرد مواجهات مستمرة مع الخارج (وفق عقلية المؤامرة)، مازالت هي الموضوع الأثير للعقل السياسي العربي، كونها مواجهات تعفيه من الاشتغال على قضايا المجتمع وتصرف الناس عن التفكّر بحاجاتهم ومشكلاتهم (السياسية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية)، التي يبدو حلها شرطا لازما لتحصين مجتمعاتهم وبالتالي تفعيل مساهمتهم في مواجهة أي تحد يأتيهم من الخارج، كما أن هكذا سياسة تغطي على مشكلات النظام الرسمي وتبرر عجزه عن مواجهة التحديات ومسؤوليته عن تدهور الأحوال.
ولعل هذا ما يفسر أن قضيتي فلسطين والعراق، مثلا، تظهران، في هذه الآونة، وكأنهما محور اهتمام العرب ( الناس والحكومات)، برغم من أن القضية الأولى لها أكثر من نصف قرن، من دون أن تجد آليات مناسبة ومنتظمة للتعامل معها (حربا أو سلما)، وبرغم من أن القضية الثانية ولدت منذ عقود في الحرب العراقية ـ الإيرانية، دون أن تجد، هي الأخرى، ردا موضوعيا عليها لا يخضع لابتزاز الشعارات الشوفينية أو المصالح الضيقة.
والمشكلة في التعامل العربي الرسمي والشعبي (على تفاوتهما) مع هاتين القضيتين أنهما تكادان تستهلكان الخطابات السياسية والجهود الدبلوماسية والندوات والمهرجانات الصاخبة، التي تعيد إنتاج واستهلاك الشعارات ووسائل العمل إياها، في عجز واضح عن ابتداع خطابات ووسائل عمل جديدة وفي تعبير مرير عن مدى الشلل في الإرادة والتفكير، ما يجعل مستوى التعامل مع التحديات المتعلقة بقضيتي فلسطين أو العراق دون الحد الأدنى المفترض تأكيدا لمقولة "أن العرب مجرد ظاهرة صوتية".
فالعرب، الذين باتوا لا يملكون سوى إبداء مشاعر الغضب والإحباط إزاء مشكلاتهم وما يحيط بهم، يبدون حائرين تجاه إدارة أوضاعهم وتدبّر مصائرهم فهم، مثلا، يستوعبون عدم قدرتهم على محاربة إسرائيل لكنهم لا يريدون تحمل تبعات السلام معها، أو هم يريدون السلام معها، لتجنّب تبعات العداء لها، ولكنهم لا يستطيعون فرض السلام عليها أو حتى إقناعها بالسلام معهم! ويبدو هذا الاضطراب واضحا في تفاوت التعاطي مع القضية الفلسطينية التي تبدو أحيانا عبئا على الوضع العربي وأحيانا أخر مجرد يافطة يجري توظيفها، في حين يبدو الشعب الفلسطيني في معظم الأحوال عبئا أو مجرد حالة سياسية وأمنية!
من جانب أخر يبدو العرب متحدين في رفض الحرب الأمريكية المبيتة ضد العراق، ولكنهم لا يقدرون على صدها أو الحؤول دونها، كما أنهم لا يستطيعون التوافق على إيجاد بديل يجنّب العراق تبعات الحرب ويجنّب العراقيين المصير البائس المحيط بهم جرّاء استمرار الوضع الراهن، عبر ولوج عتبة التغيير. وهكذا فثمة انقسام هائل في الشارع العربي إزاء ما يجري إذ ثمة عداء مستعر ضد السياسة الأمريكية، بسبب انحيازها لإسرائيل وبسبب شبهة الحرب الأميركية المبيتة ضد العراق، المتعلقة بالسيطرة على النفط وموقع العراق الاستراتيجي.
وعموما فقد كشفت هاتين القضيتين كم أن النظام العربي قوي وشديد البأس تجاه الداخل وضعيف وسريع العطب تجاه الخارج، وهذا برغم من كل الإنفاق على الجيوش والتسلح والأمن، بدلا من الإنفاق على التعليم والبحث والتنمية والخدمات الصحية والبني التحتية، ففي معترك هاتين القضيتين انكشفت سياسات وتكسرت شعارات وبانت حقائق مريرة، ولكن بعد فوات الأوان.
المفارقة الآن أن النظام الرسمي الذي ينحو إلى استنفار الشارع العربي ضد الاملاءات الأمريكية يؤكد، في ذات الوقت، على علاقات الارتهان مع الولايات المتحدة الأمريكية، لاعتبارات متفاوتة، وواقع الحال فإن هذا الانفصام لا يخدم بناء علاقات واضحة مع أميركا ولا يساهم في الضغط عليها لتعديل سياساتها. وما يضعف مصداقية هذه السياسة أن الإدارة الاميركية اعتادت على هذه الازدواجية في المواقف وحتى أنها تبدي تفهما لها وتعمل على مراعاتها أحيانا.
أيضا فإنه ثمة مفارقة صارخة هنا تتمثل في أن النظام العربي عندما احتاج للجماهير، ولو مقابل حركة تكتية تحسّن من فرص مساومته إزاء الإدارة الاميركية الهائجة (بعد أحداث 11 أيلول)، لم تجد دعوته الاستجابة الملائمة، ولو بالحد الأدنى، فالجماهير اعتادت الخلود إلى السكينة لاسيما بعد أن فقدت وعيها لذاتها، والنتيجة أن الشارع العربي اختفى في مواجهة لحظة الحقيقة! ووجد النظام العربي نفسه يحصد ما زرعه طوال السنوات الماضية، نتيجة تغريب الجماهير عن السياسة وهيمنة السلطة على المجال الاجتماعي.
وبعيدا عن تداعيات هذين القضيتين، ففي الصراع ضد الإرهاب، مثلا، ثمة مفارقة عجيبة فالعرب ضد الإسلام السياسي في الداخل ومع الإسلام السياسي في الخارج! (خالد الدخيل دراسات فلسطينية العدد 49) ما يعكس الإرباك والاضطراب في الحالة العربية، وحتى الآن ليس ثمة من توجه لوضع حد لهذا التوظيف الخطير للإسلام، والذي يضر بالعرب وبمكانتهم قبل أي أحد أخر.
وفي التوجه بشأن تغيير المناهج التعليمية يبدو الوضع وكأن الادارة الاميركية هي التي تريد ذلك في حين أن الكثيرين من المتنورين والمثقفين العرب طالبوا، منذ زمن، بضرورة تطوير مناهج التربية والتعليم العربية التي من غير المعقول أن تبقى على هذه الدرجة من التخلف بعد كل هذه التطورات التي حدثت على صعيد الفكر والعلوم والتكنولوجيا.
أما في الحديث عن الديمقراطية يركز الخطاب العربي على رفض الديمقراطية التي تفرض فرضا (بدبابة أميركية) وهذا صحيح، ولكن يجري السكوت عن التسلط المحلي المدعم بمثل هذه الدبابة أو غيرها، في واقع تبدو فيه المجتمعات العربية احوج ما تكون إلى ظرف تتعلم فيه الديمقراطية وشرطا تتمكن فيه من ايجاد وتطوير ديمقراطيتها، لتحقيق التكافؤ بين الحاكم والمحكوم في دولة مواطنين. أما معارضة الانفتاح الاقتصادي فهي تبدو، بدورها، نكتة سمجة في واقع ينتج المنفتحين والفاسدين، وهو واقع لا يمكن فيه التفريق بين النهب الداخلي والخارجي، بالنسبة لمجتمع يعاني من الطفيليين ومن هدر الثروات الوطنية، ومن الفقر والبطالة والنزعة للهجرة.
ثمة مفارقات كبيرة وخطيرة وكثيرة في الوضع العربي ينبغي التوجه إلى تفحصها ودراستها والاجابة على التساؤلات التي تطرحها قبل فوات الأوان.