الرباط تستضيف حوارا عن الاسلام والغرب

الرباط
اساتذة الدراسات الاسلامية بالرباط يسعون الى فتح حوار مثمر مع الغرب

تحت عنوان "حوار الحضارات"، نظم نادي الفكر الإسلامي في العاصمة المغربية الرباط الملتقى الثاني للفكر الحضاري، ناقش المشاركون فيه إشكالية العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي في ظل الظروف الدولية العصيبة التي تعيشها العلاقة بين الجانبين في الوقت الراهن.
وتناول المشاركون في هذا الملتقى الوطني، الذي استأثر باهتمام واسع، ثلاث محاور بحثت من خلالها إشكالية الحوار بين الحضارات. فقد بحث المحور الأول من الملتقى تأسيس المفاهيم الأساسية في الإشكالية، وتوزعت المداخلات تبعا لذلك بين تناول الأسس الثقافية لحوار الحضارات، وصورة الآخر المتخيل الروائي بين الاحتلال والتواصل الحضاري. في حين فتح المحور الثاني النقاش حول الترجمة وأثرها في حوار الحضارات. وتطرق المحور الثالث إلى جدلية الحوار في علاقة الشرق والغرب.
ومن أهم المداخلات التي استأثرت بالنقاش في هذا الملتقى الذي نظم بالمغرب، وهي المنطقة الجغرافية الحساسة والقريبة جدا من الغرب مما يجعلها أكثر المناطق التي تتقاطع فيها أسئلة الحضارتين الغربية والشرقية، مداخلة الدكتور طه عبد الرحمان، أستاذ المنطق بجامعة محمد الخامس بالرباط الذي عنونها بـ"الحضارة المتوحدة والإرهاب المتعدد" حيث أشار إلى التباس مفهوم الحضارة، وحددها في أنها تعني الحضور في المكان من خلال نهوضها بالفعل العمراني على أوسع نطاق، والحضور في الزمان من خلال نهوضها بالفعل التاريخي على أعمق وجه، وخلص إلى أن الحضارة التي تنهض بهذين الفعلين هي وحدها الحضارة الغربية. أما الحضارات الأخرى, بما فيها الحضارة الإسلامية فلا حضور لها اليوم لأنها لا تزيد في المعمران ولا تفعل في التاريخ.
ورأى عبد الرحمن أن هذا يعني أن "حوار الحضارات" مفهوم غير ذي موضوع، فالحوار لا يمكن أن يكون بين حضارة حاضرة وأخرى غائبة. وطالب باستبداله بمفهوم أدق هو: "حوار الحضارة الغربية مع الحضارات الأخرى". وطرح المحاضر أمام هذا المفهوم الجديد إشكالا آخر هو كيف يمكن أن يحصل حوار في عالم تسود فيه حضارة واحدة؟.
من جهة أخرى تناول المتدخل ما أسماه بالإرهاب المتعدد الذي ساد عنه فهم واحد مفاده أن الإرهاب مادي، وفردي، واختياري محدود، وعابر. وأضاف إلى الإشكال الأول هو كيف يمكن الحوار في عالم يسود فيه الإرهاب المتعدد؟ مستنتجا أن الحل يمكن في اختيار مسلك وصفه بـ"الحوار التقويمي"، الذي يستخدم آليات الحضارة الغربية لتقويمها ومساءلتها من داخلها، في أفق فتح حوار يقوّمها، ويقوّم في نفس الوقت ثقافة الذات.
ودعا عبد الرحمن إلى فتح حوار تفاوضي على جبهة أخرى لتخفيف جبهة الإرهاب والبحث عن الحلول الوسطى للتواصل.
أما الدكتور عبد المجيد الصغير أستاذ الفكر الإسلامي بجامعة محمد الخامس بالرباط فحاول مساءلة مفهوم "حوار الأديان"، والنظر فيما إذا كان قائما على مقاصد حضارية أم أطماع إيديولوجية؟، منطلقا من أن مفهوم الحوار يعني إضفاء الشرعية على الآخر، مما يعني أن الحوار لا يمكن أن يكون دون وجود أرضية مشتركة، ولا يمكن أن يبدأ مع النفي المطلق للآخر.
وليدل على أن الإسلام تجاوز هذه الإشكالية من خلال اعترافه بالديانات الأخرى واعتماده البنية الحوارية في خطابه مع الآخر، في حين تغيب هذه البنية الحوارية في النص الديني اليهودي. أما المسيحية فقد شوهتها مؤسسة الكنيسة التي دخلت في صراع ورفض للاسلام منذ اليوم الأول.
واعتبر الصغير أن الفكر الغربي المعاصر لم يتحرر من الرؤية الكنيسية للإسلام وهذا ما كان له تأثير على الحوار الممكن بين المسيحية والإسلام، مؤكدا أنه من غير الممكن إقامة الحوار دون مناقشة ظاهرة التنصير التي تستهدف العالم العربي والإسلامي، والتي يشخصها على أنها رد فعل وليست فعلا، فهدفها هو تشويه الآخر. كما اعتبر أنها ليست دينا بل إيديولوجيا. وهي ليست دعوة وهداية بل إرهاب وحرب حقيقية على الحق في الاختلاف، باعتمادها على الحيل واستغلال الفقر والحرمان. وقال إنها ليست أخلاقا ولا قيما.
ولاحظ الدكتور الصغير أن هناك علاقة بين الحركات التنصيرية والحركة الصهيونية خصوصا على مستوى التشابه في الأساليب ووسائل الاختراق، لكن رغم ذلك فهو يرى أن المسلمين مطالبين بالقيام بالحوار الحقيقي مع الأديان الأخرى لتجاوز هذه السلبيات، وأنه لا بد لهم من أن يطرحوا وبإلحاح إشكالية كيفية فتح حوار حقيقي بين الأديان.
أما محمد طلابي القيادي اليساري السابق، وعضو حركة التوحيد والإصلاح الإسلامية حاليا فقد أكد أن الحوار مع الغرب لا يعني الحوار مع الغرب بالمعنى الجغرافي ولكن بالمعنى الثقافي والحضاري، لأن وجود مسلمين علمانيين ومتبنين للمنهج الغربي يفرض علينا فتح الحوار مع أبناء جلدتنا أولا، معتبرا ذلك من القضايا الأساسية الكبرى، ومشيرا إلى الجهل المتبادل الحاصل بين نخبنا المثقفة مما يعني أن الحوار يجب أن يبدأ على مستوى النخب، فالنخب المغربة تجهل عقيدة الإسلام ومنهجها المتفتح والحواري.
ووجه طلابي الدعوة إلى عقد تحالفات مع النخب العلمانية الخيرة وأنه لا مجال للحديث عن الشهود الحضاري قبل قيام حوار داخلي ينقل النفير الإسلامي من المستوى العفوي غير المنظم إلى المستوى المنظم والمؤثر.
وقسم الأستاذ رشيد بوشور العالم في مداخلة بعنوان "علاقة الإسلام بالغرب" إلى جبهة قوى الخير والمستضعفين، وجبهة الغرب المتغطرس، ملقيا مسؤولية الحوار على كل فئات المجتمع الإسلامي لتحقيق التعارف بين الحضارات والانفتاح على قوى الخير داخل المجتمعات الغربية واستثمار بعض المقولات الإيجابية مثل مقولة كارل بوبر حول "المجتمع المفتوح" التي تفسح المجال لوجود حوار فعلي مع المسلمين، وأطروحة النهضة الأوربية الجديدة التي تدعو إلى الانفتاح على الثقافات الأخرى لمنح الروح لأوروبا.
وفي نفس السياق سارت مداخلة الباحث مصطفى الخلفي المتخصص في دراسة رؤية الغرب للعالم الإسلامي، حيث أكد أنه لتأسيس حوار صحيح ومتكافئ, لابد لنا أن ندرس ونفهم كيفية تمثل الآخر لنا، حيث إن الغرب تعرف علينا عبر محطات كان أولها المرحلة الاستشراقية ثم تلتها مرحلة الدراسات الاستعمارية التي ارتبطت بالمشروع الاستعماري ومرحلة الدراسات المناطقية التي انطلقت منذ 1947 مع فتح فرع الدراسات العربية. وأضاف أنه مع الثورة الإيرانية زادت الحاجة لهذا النوع من الدراسات التي ركزت على منطقة الشرق الأوسط، وفي بداية التسعينات انطلقت مرحلة أخرى مع موجة الدراسات المركزة على الحركات الإسلامية.
وذهب الخلفي إلى أن هذه الدراسات خرجت بمقتربات عدة يمكن تصنيفها عموما إلى صنفين: صنف يقوم الصحوة الإسلامية تقويما علميا "موضوعيا" منصفا، وصنف متحامل على الصحوة، إلا أن التيار المتحامل هو الغالب في الغرب بسبب التمويل والدعم الذي يحظى به. وهو يصر على وصف الصحوة في العالم الإسلامي بالأصولية التي تعني حسب المنظرين لهذا التيار "التعصب للهدف والحقد على الغير، والرجعية اللاعقلانية..."، في حين أن التيار المعتدل في نظرته للصحوة الإسلامية يفضل استعمال مفهوم "الإحيائية الإسلامية" وينتقد المفهوم الأول. وفي نهاية مداخلته جدد الباحث الخلفي الدعوة إلى ضرورة تأسيس الحوار مع الأطراف التي تحاول فهم العالم العربي والإسلامي وفهم الإسلام بشكل موضوعي وعلمي وبدون أحكام مسبقة. (قدس.برس)