مسلمو أمريكا: حصاد 2002 وتوجهات 2003

بقلم: علاء بيومي

في بداية عام 2002 تنبأنا - في أكثر من مقال - بأن قضايا الحقوق والحريات المدنية سوف تطغى على أجندة مسلمي أمريكا على الصعيدين السياسي والعام بشكل كبير، ومع بداية عام جديد وهو عام 2003 يمكن القول أن تنبئنا كان في محله. الحقوق المدنية والإعلام على قمة أوليات مسلمي أمريكا

فقد أنفقت منظمات المسلمين في أمريكيا جزأ كبير من مواردها في تلقي والدفاع عن تلال من قضايا انتهاكات حقوق المسلمين المدنية في أمريكا والتي قدرت أعدادها بالآلاف، في الوقت نفسه انشغلت هذه المنظمات بمتابعة سلسلة من السياسات والقوانين الأمريكية الجديدة التي تعرضت لحريات المسلمين المدنية بشكل خاص، والتي كان أخرها إجراءات تسجيل المهاجرين من عدة دول إسلامية وعربية والتي أثارت ضجة أمريكية ودولية كبيرة بعد أن أدت في منتصف شهر ديسمبر 2002 إلى اعتقال مئات المهاجرين في ولاية كاليفورنيا أثناء محاولتهم تسجيل أنفسهم بشكل قانوني.
القضية الثانية التي شغلت اهتمام المسلمين في أمريكا تمثلت في مواجهة حملات تشويه صورة الإسلام والمسلمين في الإعلام الأمريكي، والتي أخذت منعطفا جديدا على المستوى الأمريكي والدولي بعد تكرار تعرض بعض قادة اليمين الأمريكي المتشددين من أمثال بات روبرتسون وفرانكلين جرام بالإساءة لشخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. مساندة العالم الإسلامي لقضايا المسلمين في أمريكا وقد تزامنت مساعي المسلمين في أمريكا للدفاع عن صور منظماتهم ودينيهم وجماعتهم في وسائل الإعلام الأمريكية مع مساعي عدد من الدول والمنظمات الدولية المسلمة والعربية لتوضيح صورهم وصورة الإسلام والمسلمين في دوائر الإعلام والسياسة والرأي العام الأمريكية، الأمر الذي أعطي لمساعي مسلمي أمريكا على هذا الصعيد زخم دولي ومساندة كبيرين على المستويات الجماهيرية والحكومية في بلدان العالم الإسلامي وفي أمريكا أيضا.
وذلك لأنه ظهر نوع من الاهتمام الدولي الكبير والمشترك بقضايا التعامل مع الإعلامي الأمريكي بين المسلمين في أمريكا ومنظماتهم وبين هيئات رسمية وجماهيرية عديدة في العالم الإسلامي، وقد أخذ هذا الاهتمام عدة صور رئيسية خلال العام الماضي على رأسها الاهتمام بتنظيم حملات العلاقات العامة والسياسية الهادفة إلى الوصول إلى وسائل الإعلام ودوائر السياسة الأمريكية والتي نشطت فيها بعض الدول المسلمة والعربية خلال عام 2002، والاهتمام بقضية حوار الحضارات والحوار بين الأديان والتي شغلت اهتمام منظمات غير حكومية عديدة في العالمين العربي والإسلامي، والاهتمام بإنشاء وسائل إعلامية مسلمة وعربية باللغة الإنجليزية بهدف الوصول إلى الرأي العام الأمريكي وهو أمر لم يتطور بعد في صورة مشاريع محددة على الرغم من أهميته.
عموما تركت هذه القضايا والاهتمامات أثارا إيجابية على المسلمين في أمريكا لأنها كانت بمثابة دعم دولي كبير لاهتماماتهم ولأجندتهم. مشاركة الجماهير العربية في حملات الضغط الإعلامية وأحب هنا أن أشيد على وجه الخصوص بحجم الاهتمام الكبير الذي منحته الأوساط الإعلامية والجماهيرية العربية والمسلمة لحملات بعض المنظمات المسلمة والعربية الأمريكية للاعتراض على المسيئين للإسلام والمسلمين في الدوائر السياسية والإعلامية واليمنية الأمريكية وللمشاركة في هذه الحملات عبر الإنترنت، وقد لمسنا هذا الاهتمام وتابعناه عن قرب في أكثر من حملة.
ويجب هنا أن نسجل أن حجم المشاركة الجماهيرية والإعلامية العربية في هذه الحملات فاق التوقعات، وبرهن على حجم التماسك الكبير داخل الأوساط المسلمة والعربية المختلفة بكل ما يتعلق بالدفاع عن صورة الإسلام والمسلمين، وعلى أن لدى الجماهير المسلمة والعربية طاقة فائقة للمشاركة في حملات الاتصال الجماهيري والسياسي لم تستغل إلا بقدر ضئيل جدا، وعلى أن عدد النشطين المسلمين والعرب الموجودين على شبكة الإنترنت والمستعدين للمشاركة في حملات الاتصال الجماهيري والسياسي خلال ساعاتها الأولى يقدر بالآلاف، ولك أن تتصور حجم النجاح الذي يمكن أن تحققه هذا الاستجابة الكبيرة لو تم تنظيمها واستخدامها بشكل علمي ومتوازن.
كما أعتقد أن هذه الاستجابة الجماهيرية الكبيرة أصبحت معروفة وملموسة ومحسوبة إيجابيا لبعض المنظمات المسلمة الأمريكية داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية، بمعنى أنها نجحت في تحقيق الهدف المرجو منها وهو التواصل مع الطرف الأمريكي - والذي قد يكون مؤسسة إعلامية أو شركة اقتصادية أو منظمة سياسية - والضغط عليه في بعض الأحيان. كما أتوقع لها مزيد من النمو السريع في المستقبل لأن حجم المستغل منها في الوقت الحالي مازال ضئيل جدا كما ذكرت في السابق. مسلمو أمريكا والدفاع عن قضايا العالم الإسلامي بالنسبة لاهتمام المسلمين في أمريكا بالدفاع عن قضايا الأمة الإسلامية الكبرى في وسائل الإعلام ودوائر السياسة الأمريكية فقد تعرض لمضاعفات سلبية عديدة خلال عام 2002، وذلك لعدة أسباب على رأسها موقف الحكومة الأمريكية التي أبدت تشددا متزايدا في التعامل مع تلك القضايا وعلى رأسها قضيتا فلسطين والعراق.
ومنها أيضا محدودية موارد المنظمات المسلمة والعربية الأمريكية، واستنزاف هذه الموارد المحدودة في الدفاع عن تلال من قضايا الحقوق والحريات المدنية وفي مواجهة حملات تشويه صورة الإسلام والمسلمين.
ولكن وعلى الرغم من ذلك شهد العام الماضي تنظيم اثنتين من أكبر المظاهرات التي شهدتها العاصمة الأمريكية واشنطن على مدى التاريخ دفاعا عن قضايا المسلمين والعرب، أولهما كانت دفاعا عن القضية الفلسطينية وعقدت في أبريل 2002، والثانية كانت دفاعا عن قضية الشعب العراقي ومعارضة للحرب ضد العراق وعقدت في شهر أكتوبر 2002. وقد شهدت المظاهرتان حضورا جماهيريا كبيرا يتخطى المائة ألف متظاهر في كلا منهما.
وسر نجاح المظاهرتين يعود إلى ظاهرة على أعلى قدر من الأهمية بالنسبة لصانع القرار المسلم والعربي في أمريكا وخارجها، وهي ظاهرة انتشار تأييد قضايا المسلمين والعرب الداخلية والدولية - وعلى رأسها قضيتي فلسطين والعراق - وسط فئات نشيطة وهامة داخل المجتمع الأمريكي - خاصة لدى الطلاب وبعض الجماعات المناهضة للعنصرية والحروب والمطالبة بالعدالة والسلام الدوليين. وقد بادرت هذه الجماعات بالتعاون مع منظمات مسلمة وعربية في تنظيم المظاهرتين السابقتين اللتين تعدان الأكبر في تاريخ المظاهرات الأمريكية المؤيدة لقضايا المسلمين والعرب في الولايات المتحدة.
ويمكن أن تمتد مظاهر تأييد هذه الجماعات الأمريكية لقضايا المسلمين والعرب الداخلية والدولية خلال عام 2002 إلى ما هو بعد المظاهرات بكثير جدا، وذلك لأن هذه الجماعات نشيطة وذات حضور قوى وواسع الانتشار في الأوساط الشعبية الأمريكية وفي الجامعات. وأحب من خلال هذه المقالة أن أقدم دعوة إلى الأكاديميين والنشيطين والسياسيين المسلمين والعرب في أمريكا وخارجها إلى تسليط مزيد من الضوء على هذه الظاهرة ودراستها ولدراسة سبل استخدامها في خدمة قضايانا داخل الولايات المتحدة، فهي تمثل دعوة من قبل الأمريكيين أنفسهم للتأثير عليهم بخصوص قضايانا والأحرى بنا قبولها. مظاهر تأييد الشعب الأمريكي لقضايا المسلمين والعرب وإن كان من المهم هنا أن نشير إلى أن مظاهر تأييد قضايا المسلمين والعرب من قبل الأوساط الشعبية الأمريكية لم تتوقف عند الظاهرة السابقة، وإنما شملت عدة مستويات أخرى.
فعلى مستوى الحقوق المدنية يمكن القول أن أحداث سبتمبر 2001 دفعت بالمسلمين في أمريكا ومنظماتهم إلى قلب حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، ويدلل على ذلك عدة شواهد منها ظهور أكثر من تحالف لجماعات الحقوق المدنية يضم المسلمين والعرب الأمريكيين ومنظماتهم فيه.
إضافة إلى ذلك تعددت اللقاءات التي عقدتها منظمات المسلمين الأمريكيين مع مسئولي الحقوق المدنية بالهيئات الحكومية الأمريكية الكبرى المهتمة بحماية الحقوق والحريات في أمريكا وعلى رأسها وزارة العدل ولجنة فرص التوظيف المتساوية (EEOC).
ثانيا: أوجدت أزمة سبتمبر فجوة معرفية كبيرة داخل المجتمع الأمريكي عن الإسلام والمسلمين، وأعطت الأزمة فرصة كبيرة للمسلمين في أمريكا للنشاط في توعية الشعب الأمريكي بحقيقة الإسلام والمسلمين بعد أن زادت رغبة الأمريكيين أنفسهم في توعية أنفسهم عن الإسلام، كما زادت من الضوء الإعلامي المسلط على المسلمين في أمريكا ومنظماتهم.
ثالثا: شهدت الفترة منذ أحداث سبتمبر وحتى الآن العديد من مظاهر المساندة الإيجابية من قبل فئات مختلفة داخل الشعب الأمريكي تجاه المسلمين في أمريكا، مما يمثل علامة على العلاقات القوية التي تربط بين المواطن الأمريكي العادي والفرد المسلم في الولايات المتحدة، كما تعد أيضا مؤشرا على الفرصة الكبيرة المتاحة أمام المسلمين لتحسين صورتهم وصورة الدين الإسلامي داخل المجتمع الأمريكي.
وقد رصد تقرير أصدره مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير) في سبتمبر 2002 - بمناسبة مرور عام على أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2002 - جهودا عديدة بذلها أبناء الجماعات الدينية والأقليات الأمريكية المختلفة لمساندة المسلمين في أمريكا بعد 11/9، ومنها مجلس الكنائس الوطني (NCC) والذي أصدر بيانا مشتركا مع المنظمات المسلمة الأمريكية يدينون فيه الهجمات، وبدأ سلسلة من لقاءات التشاور والحوار مع القادة المسلمين بهدف التفاهم والتعاون.
كما رصد التقرير نشاط المسلمين الأمريكيين في التواصل مع الجمهور الأمريكي بشكل مباشر لتوضيح حقيقة الإسلام والمسلمين، وذلك من خلال فتح المساجد والمراكز الإسلامية أمام الزوار للقاء بهم في مناسبات عديدة، فعلى سبيل المثال عقد المركز الإسلامي بسنترال نيوجرسي بالمشاركة مع أبناء الديانات الأخرى لقاء في 30 سبتمبر 2001 حضره 1500 زائر بالإضافة إلى القيادات الدينية والسياسية بالمنطقة. وفي مثال آخر عقد المركز الإسلامي بفورت كولينز بولاية كلورادو لقاءات مفتوحة أمام غير المسلمين كل أسبوع على مدى شهر كامل بعد أحداث سبتمبر، وفي مثال ثالث فتحت مساجد مدينة سان دياجو بولاية كاليفورنيا وعددها 12 مسجدا أبوابها جميعا أمام أبناء الديانات الأخرى خلال شهر رمضان قبل الأخير.
وهذا بالطبع لا يقلل من حجم التحديات التي واجهها ويواجهها المسلمون في أمريكا ولكنه دعوة إلى استغلال الفرص الإيجابية وصور الدعم والمساندة التي توفرت لهم من داخل أمريكا ومن خارجها. أربعة تيارات أساسية تشكل المستقبل وبالنسبة للمستقبل فأحب الإشارة إلى أربع تيارات رئيسية فرضت نفسها على حياة المسلمين في أمريكا خلال العام الماضي، ونتوقع أن تكون مؤثرة عليهم في المستقبل القريب وخلال عام 2003. أ. ترتيب أوليات المسلمين في أمريكا بالنسبة للتيار الأول وعلى مستوى أجندة مسلمي أمريكا السياسية والعامة نتوقع أن تستمر قضايا الحقوق والحريات المدنية في اعتلاء قمة أوليات عمل المسلمين في أمريكا ومنظماتهم، يلي ذلك قضايا الدفاع عن صورة الإسلام والمسلمين في الإعلام الأمريكي وعملية تشجيع مشاركة المسلمين في السياسة الأمريكية، ثم الدفاع عن قضايا العالم الإسلامي الهامة في الأوساط الأمريكي. ب. توطين المسلمين في أمريكا التيار الثاني الذي أفرزته أحدث سبتمبر يمكن تسميته بموجة التوطين، وهو ظاهرة هامة لم تلقى حظها من الاهتمام الكافي من قبل الأوساط الإعلامية المهتمة بشؤون المسلمين في أمريكا. وحقيقة هذه الموجة هي أن أزمة سبتمبر على الرغم مما تركته من أثار سلبية على حياة المسلمين في أمريكا على مستويات مختلفة إلى أنها ولدت موجة عامة في الأوساط المسلمة الأمريكي تسعى إلى توطين أكبر عدد من المسلمين في أمريكا وخبرتهم على كافة مستويات الحياة في الولايات المتحدة.
وذلك لأسباب عديدة وهامة، نذكر منها أن توطين المسلمين في أمريكا هو وسيلة هامة وأساسية جدا لحماية حقوقهم وحرياتهم في أمريكا، كما أن مساعي المسلمين في أمريكا لحماية حقوقهم وحرياتهم والدفاع عن صورتهم تتطلب تعميق معرفتهم بالنظام السياسي والحياة في المجتمع الأمريكي، وتؤدي هذه المعرفة بشكل لا إرادي إلى تقوية الصلة بين المسلمين والمجتمع الأمريكي، وذلك عملا بالحكمة القديمة القائلة بأن "الإنسان عدو ما يجهل"، الأمر الذي قد يعني أنه كلما ازدادت معرفة الفرد بأمر ما زاد ارتباطه وتعلقه بهذه الأمر.
كما أن المسلمين في أمريكا يتجهون منذ عقود إلى الاستقرار في الولايات المتحدة وتوطين أنفسهم فيها، كما أن فئات مسلمة أمريكية كاملة لا تعرف لها وطنا أخر غير الولايات المتحدة خاصة أبناء الجيل الثاني والأمريكيين الذين اعتنقوا الإسلام، وتدفع الأزمات الدولية الكبرى مثل أزمة سبتمبر 2001 وأزمة حرب الخليج الثانية المسلمين في أمريكا إلى الإسراع بعملية توطين أنفسهم في أمريكا لأنها تثبت لهم مدى تأثرهم وانغماسهم في المجتمع الأمريكي وتأثرهم بكل ما يجري فيه. ج. توعية متبادلة إيجابية التيار الثالث هو تيار مطلوب أكثر مما هو موجود وهي يرتبط بدور المسلمين في أمريكا كجسر تفاهم وتعارف بين المجتمعات المسلمة والعربية والمجتمع الأمريكي، والمعروف أن جهود الحوار والتفاهم بين تلك المجتمعات لن تنجح إلا إذا نجح كل طرف بتوعية نفسه بالأخر.
وفي ظروف الأزمات الدولية مثل الأزمة الراهنة تصبح عملية التوعية المتبادلة بالأخر عملية صعبة ومعقدة، وذلك لأن الأزمات ترتبط بانتشار كم هائل من المعلومات السلبية لدى كل طرف على الأخر.
وعلاج هذه الأزمات يتطلب مواجهة الحملات السلبية بأخرى إيجابية لتوعية كل طرف بإيجابيات الأخر، وأعتقد أن المسلمين الأمريكيين في موقع فريد من نوعه من حيث القدرة على لعب هذا الدور، وهو دور نشر المعرفة الإيجابية عن المسلمين لدى الشعب الأمريكي وعن الأمريكيين لدى الشعوب المسلمة والعربية.
وهذا لا يعني أن الخلاف والأزمة الراهنة هي أزمة معرفية ليست قائمة على سياسات ظالمة، ولكنه يعني أن هناك أطراف ثالثة قد تكون صاحبة مصلحة في تأجيج الخلاف والخصام بين المسلمين والعرب من ناحية وبين الأمريكيين من ناحية أخرى، وأن إبطال مكائد هذه الأطراف يتطلب بث معلومات إيجابية عن كل طرف لدى الأخر.
ومن ثم قد يحتاج المسلمون في أمريكا في المستقبل القريب أن ينشئون هيئة أو منظمة إعلامية موضوعية تعمل على توعية الشعب الأمريكي بالمواقف العربية والمسلمة العديدة الساعية لتحقيق السلام والتعاون الدوليين، وعلى توعية الشعوب المسلمة والعربية بالمواقف العديدة التي تتخذها هيئات أمريكية لمد جسور التفاهم والتعاون مع الشعوب المسلمة والعربية. د. الواقعية السياسية التيار الرابع والأخير الذي تشكل خلال العام الأخير يمكن تسميته بتيار الواقعية السياسية، وأعني بالواقعية هنا عدم المبالغة في الحديث عن التحديات التي تواجه المسلمين في أمريكا أو عن مدى قوتهم أو نفوذهم. فالواضح أن خطاب المسلمين في أمريكا عن أنفسهم مازال يميل إلى أحد هذين الاتجاهين المتطرفين.
فالبعض يميل إلى التأكيد على التحديات التي يواجهها المسلمون في أمريكا وخاصة منذ أحداث سبتمبر وعلى صعيد الحقوق المدنية، ويرتبط بهذا الاتجاه رؤية تؤكد على ضعف المسلمين في أمريكا ومؤسساتهم وعدم قدرتهم على التأثير على سياسات الولايات المتحدة على الصعيدين الداخلي والخارجي.
أما الاتجاه الثاني فيميل في المقابل إلى التركيز على إنجازات المسلمين في أمريكا والتفاؤل بخصوص قدراتهم وإمكانية تطوير هذا القدرات مدفوعا برغبته في محاربة شعور اليأس والانسحاب الذي قد يتولد لدى الفرد المسلم في الولايات المتحدة إذا تعرض للاتجاه السلبي المنتشر.
لذا أعتقد أنه في مقابل هذين الاتجاهين يحتاج المسلمون في أمريكا إلى تطوير اتجاه واقعي عند النظر إلى أمورهم، وأرى أنه يمكن تطوير هذا الاتجاه إذ ركز المسلمون في أمريكا على نقطتين أساسيتين على الأقل.
أولهما: دراسة خبرتهم دراسة عميقة ومقارنتها بخبرات الأقليات الأمريكية الأخرى، فالواضح بهذا الخصوص أن المسلمين في أمريكا مازالوا في بداية مرحلة نموهم وتأثيرهم السياسي وأنه لا ينبغي عليهم بأية حال من الأحوال المبالغة في حجم نفوذهم في الحياة العامة الأمريكية، وهذا لا يحول دون الإشادة بحجم التطور الذي حققوه على صعيد توحيد أنفسهم وتنظيم مواردهم على المستويات المختلفة خلال العقد الأخير.
ثانيا: يحتاج المسلمون في أمريكا ومنظماتهم إلى دراسة الفرص الإيجابية المتاحة أمام داخل المجتمع الأمريكي دراسة علمية وموضوعية، وذلك لكي يتحول حديثهم عن هذه الفرص إلى حديث واقعي علمي موثق بالأرقام والحقائق وقادر على إقناع الفرد المسلم العادي في أمريكا بوجود هذه الفرص أمامه، ومن ثم تشجيعه على اقتناصها.

علاء بيومي - كاتب وباحث سياسي - واشنطن alaabayoumi@yahoo.com