تحليل: الاقتصاد الصيني يحقق اعلى نمو في العالم، لكن مشكلاته كثيرة

بكين - من بيل سميث
القيادة الصينية الجديدة تواجه تحديات هائلة

تكاثر مستخدمو الانترنت في الصين بصورة مترادفة مع النمو الذي لا يتوقف لصناعة تكنولوجيا المعلومات في واحدة من القوى الاقتصادية القليلة التي مازالت على نشاطها في آسيا. فقد ساعدت انطلاق شبكة الانترنت وزيادة مبيعات أجهزة الكمبيوتر الشخصي في دفع نمو الناتج المحلي الاجمالي في الصين إلى نسبة متوقعة تبلغ ثمانية بالمائة خلال عام 2002، وهي اعلى نسبة نمو في العالم.
غير أن تطور الانترنت يعكس أيضا ثمنا اجتماعيا للتطور الاقتصادي السريع في الصين. ففي أوائل كانون أول/ديسمبر أصبحت إحدى طالبات علم النفس آخر ضحايا المراقبة الشرطية القاسية للانترنت في البلاد. ولم تعط الشرطة سببا لاعتقال الطالبة التي تبلغ من العمر 22 عاما من الكلية التي تدرس فيها ببكين. غير أن جماعات حقوق الانسان ذكرت أنه يبدو أنها لم تفعل سوى نشر تعليقات تنتقد الحكومة في عدة مناسبات حوارية على الانترنت.
ويظهر هذا التناقض في الكثير من مظاهر المجتمع الصيني، عاكسا السياسة التي تنتهجها الحكومة منذ أمد بعيد والقائمة تقريبا على عدم السماح بالحرية السياسية.
ويقول شينج تشياويو رئيس الابحاث الاقتصادية بجامعة الشعب في بكين "من أجل النظام الاجتماعي يجب عليك فرض رقابة على الانترنت".
ويقول شينج مرددا سياسة الحزب الشيوعي الحاكم "ربما نتمكن خلال 100 أو 200 عام من الوصول إلى اقتصاد ديمقراطي واقتصاد إنساني، إلا أننا نحتاج الان إلى النظام".
وكان الكثير من الغربيين المدافعين عن حرية التجارة قد دعموا انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية - وهو ما تم في كانون أول/ديسمبر من عام 2001 - على أساس أنها ستقوم أيضا بتشجيع الاصلاح الديمقراطي. غير أنه بعد عام من انضمامها لا يوجد أي مؤشر على التغيير وذلك برغم أن الآثار الاقتصادية لعملية انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية لن تظهر بوضوح كما هو متوقع إلا بعد ثلاث إلى خمس سنوات أخرى. مشاكل فائض العمالة
وبرغم الصورة الوردية هذا العام، حيث سجلت الصادرات والاستثمارات نموا ثنائي الرقم، إلا أن المطالبات باقتصاد أكثر انفتاحا بموجب قوانين منظمة التجارة العالمية ستؤثر على الاستقرار الاجتماعي في الصين على المدى الطويل، وفقا لتوقعات شينج. ويقول في هذا الصدد أن "المجال الذي يشكل أكبر تحديا هو البطالة".
وتهدف الحكومة إلى نقل حوالي 40 مليون من فائض المزارعين إلى مدن داخلية صغيرة بحلول عام 2005 وذلك لتركيز إنفاق البنية التحتية على المناطق الوسطى والغربية الاقل تطورا. وحتى الان فإن مشروعات البترول والتعدين في غرب البلاد هي فقط التي تجتذب أي اهتمام كبير من جانب المستثمرين الاجانب أو الصينيين.
والواقع أنه حتى هؤلاء الاربعين مليون مزارع ليسوا سوى مجرد قمة جبل جليدي واسع يضم ملايين من عمال الدولة مدرجين "كعمالة مسرحة مؤقتا" غير أنهم عاطلون في الحقيقة، وكذلك عشرات الملايين أيضا من المزارعين رهن التوظيف بأجور دنيا.
ويعمل حوالي 100 مليون من المهاجرين من الريف، أي ما يقرب من نسبة 10 بالمائة من سكان الصين البالغ عددهم 1.3 مليار نسمة، إما بصورة مشروعة أو غير مشروعة بالمدن الكبرى.
ومع اتساع صناعات التكنولوجيا الحديثة والعالية، وتآكل القطاع العام الضخم في الصين نتيجة استمرار الاصلاحات الاقتصادية "فإن الحكومة ليس باستطاعتها سوى تخفيف الالام فقط"، كما يقول شينج.
ويقول شين يوي عالم الاقتصاد من بكين أن الحكومة ستبقي على سطوتها، من خلال التراجع عن الاصلاحات الاقتصادية إذا ما رأت تزايدا كبيرا في احتجاجات فائض عمال الدولة.
ويقول شين "إن لدينا قدرا من عدم الاستقرار، ولكنه قدر لا يمكنه أن يتسبب في حدوث اضطرابات خطيرة لان الصين لديها نظام مستقر قوي". وذكر أن "الاصلاح السياسي أقل تطورا بكثير من الاصلاح الاقتصادي".
وأشار شين إلى دول التكتل السوفيتي السابق باعتبارها أمثلة على فشل الاصلاح السياسي والاقتصادي المتزامن. ومن جانبه يقول شينج أيضا أن غياب الاستقرار في الدول السوفيتية السابقة قد ساعد في تبرير سياسات القادة الشيوعيين في الصين.
وقد اتخذت الولايات المتحدة وحكومات غربية أخرى موقفا أقل تصلبا إزاء حقوق الانسان والديمقراطية في الصين بعد هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر لعام 2001 مختارة بدلا من ذلك تعزيز العلاقات مع الصين في الحرب العالمية لمكافحة الارهاب.
وفي تشرين ثان/نوفمبر أظهر الحزب الشيوعي الصيني الذي يضم 66 مليون عضو مدى استقراره وتضامنه وذلك في مؤتمره الذي يعقد كل خمس سنوات. وكشف عن تعيين نائب الرئيس جو جينتاو زعيما جديدا للحزب، غير أنه أكد بقاء الزعيم السابق جيانج تسي مين في السلطة كرئيس للجنة العسكرية المركزية للحزب. وتبنى المؤتمر أيضا اقتراح جيانج المثير للجدل بالسماح للمقاولين بالانضمام إلى الحزب.
وقال هو 59 عاما أنه والاعضاء الثمانية الآخرين في لجنة المكتب السياسي الدائم سيضمنون استمرارية الحفاظ على الاهداف التي وضعها جيانج وكذلك "الاسراع بالتحديث الاجتماعي". كما تعهد أيضا بتطوير القيادة الجماعية وإبعاد الصين على الاقل خطوة أخرى عن العبادة الشخصية "لثورة ماوتسي تونج الثقافية" من عام 1966 وحتى عام ويتوقع معظم المحللين ألا يكون هناك أي توجه سياسي جديد من جانب هو طوال ثلاث إلى خمس سنوات على الاقل.
ويقول شين "إن الاصلاح السياسي البطيء وكذلك أيضا الاشتراكية التقليدية الصينية قد ساعدا على تأمين الاستقرار".
وبالنسبة للوقت الحاضر فإن الكثير من الصينيين مستعدون لرؤية التضحية بمنشقين سياسيين وحتى برفاق حوارات الانترنت من أجل الاهداف الاكبر المتمثلة في الاستقرار الاجتماعي والتقدم الاقتصادي. غير أنه في ظل الرقابة الصارمة على وسائل الاعلام الجماهيرية، وكذلك على الانترنت الان، فإن معظم الصينيين لا يسمعون مطلقا عن الاعتقالات.