عام 2002: العالم يتغير بسرعة هائلة

بقلم: محمود القصاص
بوش وبوتين: حلفاء ضد «الارهاب»

لو افترضنا انك قرأت مقالا في عام 1990، يتوقع كاتبه ان تتحول دول شرق اوروبا، التي كانت وقتها اعضاء في حلف وارسو، الى اعضاء في حلف الناتو في غضون سنوات قلائل لظننت انه مجرد مقال هزلي خفيف الظل يحاول كاتبه ان يسقط فيه احلامه على الواقع.
ولو حدث في عام 1990، وهو العام الذي سبق انهيار سور برلين، ان نظر عراف الى بلورة سحرية وقال انه يرى جنودا اميركيين يتدربون في قواعد الجيش السوفييتي في جورجيا فمن المؤكد ان من يستمعون اليه سينظرون اليه بشك وريبة.
اما لو قيل ان ادوارد شيفرنادزه، وزير خارجية الاتحاد السوفييتي السابق، سيصبح حليفا لواشنطن ضد روسيا فمن المؤكد ان نظرات الشك ستتحول الى يقين بان من يردده اما مجنون واما اشرف على الجنون.
ولو حدث في عام 1996، وهو العام الذي سبق استنساخ النعجة دوللي، ان القى استاذا محاضرة يؤكد فيها امكانية ولادة البشر دون الحاجة الى ابوين، بل دون الحاجة الى التزاوج اصلا، لظن طلبته ان ما يقوله مجرد خيال علمي.
لكن ما كان يعد خيالا اصبح واقعا، وما كان يعتبر جنونا اضحى منطقيا، وكل هذا في غضون عشر سنوات تقريبا، وهي فترة صغيرة جدا في عمر الشعوب والامم، غير انها شهدت تغييرات مذهلة في السياسة والاقتصاد والعلم، وهي تغييرات تسارعت بشكل لافت للنظر في عام 2002.
فقد رأينا مدينة براغ عاصمة التشيك تستضيف قمة الناتو في عام 2002 في اشارة الى الوضع الجديد للحلف، ورأينا الاتحاد الاوروبي يقبل عشرة اعضاء جدد من شرق اوروبا منهيا سنوات طويلة من تقسيم اوروبا الى معسكرين متصارعين، ورأينا موسكو تسمح للقوات الاميركية بالتواجد في جورجيا، والتي كانت جزءا من الاتحاد السوفييتي السابق ومنطقة نفوذ روسي تقليدية، في اطار ما تسميه واشنطن الحرب على "الارهاب"، رغم المعارضة الشديدة من جانب اكثر السياسيين والعسكريين الروس، ثم رأينا رئيس جورجيا ادوارد شيفرنادزه وقد تحول الى حليف لواشنطن ضد زملائه السابقين في موسكو. ويكتمل المشهد الاميركي-الروسي بتوقيع الرئيسين جورج بوش وفلاديمير بوتين اتفاقية شراكة استراتيجية لتعزيز تعاون البلدين ضد "الارهاب".
وامتدت التغييرات العميقة الى الصين، فقد اعلن الحزب الشيوعي الصيني انه قرر ان يقبل عضوية الرأسماليين على اساس فكرة التمثيل الثلاثي التي ابتكرها الزعيم الصيني جيانج زيمين، والتي تهدف الى الحفاظ على حقوق العمال والفلاحين وجذب رجال الاعمال في نفس الوقت، وهو ما لم يكن يخطر على بال احد منذ سنوات قلائل. واصبح من الممكن في بلاد الصين ان تكون شيوعيا ورأسماليا في آن واحد. تغييرات اقتصادية عميقة واذا كانت التغييرات السياسية قد استغرقت بضع سنوات من الاعداد والتجهيز، فان التغييرات الاقتصادية جاءت اكثر سرعة واشد تأثيرا.
فالولايات المتحدة التي كانت لسنوات طويلة المتلقي الاول للاستثمارات الاجنبية في العالم فقدت جاذبيتها، وانخفضت قيمة الاستثمارات التي تلقتها في عام 2002 بنسبة 60% مقارنة بعام 2001، وهو اكبر هبوط من نوعه في عشر سنوات.
واكتشفنا ان شركات اميركية عملاقة، كانت مضرب المثل في النجاح وكفاءة الادارة، تعاني من ازمة طاحنة، وان مليارات الدولارات التي كانت تدخل حساباتها على انها ارباح هي، ببساطة، نتيجة عملية نصب عن طريق التلاعب بالحسابات. واتضح ان ارتفاع قيمة اسهم هذه الشركات في البورصة هو مجرد فقاعة لا اساس لها.
وبسرعة مذهلة انهارت شركة وورلد كوم الشهيرة في مجال تكنولوجيا المعلومات وتم اعلان افلاسها، وانهارت شركة انرون العملاقة في مجال الطاقة واستقال رئيسها وانتحر نائبه. والطريف في الامر انه اتضح ان شركة ارثر اندرسون، التي كانت تعد من اكبر شركات العالم وافضلها في تدقيق الحسابات، كانت تقوم بعملية "طبخ الحسابات" لشركة انرون وغيرها بدلا من اعدادها، وانتهى الامر بها الى منعها من العمل.
اما سوق الاوراق المالية في نيويورك فقد عاشت عاما كئيبا بعد ان انخفض مؤشر داو جونز (وهو المؤشر الرئيسي لاسعار الاوراق المالية) بنسبة 17%، وحققت الشركات التكنولوجية اسوأ نتيجة لها منذ ستة اعوام، حيث انخفض مؤشر ناسداك (وهو الخاص باسعار اسهم شركات التكنولوجيا) بنسبة 31%، وهو انخفاض هائل يعني ان مليارات الدولارات تبخرت في ايام.
وقبل انتهاء العام تم اعلان اكبر افلاس في تاريخ صناعة الطيران، وهو افلاس شركة يونايتد اير لاينز الاميركية.
ولعل المستفيد الاول من ازمة الاقتصاد الاميركي هو العملة الاوروبية التي ارتفعت قيمتها لتتجاوز قيمة الدولار، ولتكذب اغلب التوقعات بعجز اليورو عن منافسة الدولار.
وعانت اليابان خلال عام 2002 من شلل في النمو الاقتصادي وهبوط في اسعار البورصة الى ادنى مستويات لها منذ 19 عاما، وما زالت تحاول الخروج من ركود اقتصادي مستمر منذ 12 عاما.
وتبقى الصين بطلة العالم اقتصاديا اذ استطاعت ان تحافظ على معدل نمو بلغ قرابة 8%، وهو الاعلى في العالم، وان تتم عملية نقل السلطة من جيل الى آخر بسلاسة.

الطبيبة الفرنسية بوسيلييه تعلن ميلاد اول طفل مستنسخ

تطور علمي مخيف هناك تطور علمي مذهل يتم في مراكز الابحاث في اوروبا واميركا بحيث ان تاريخ الانسانية كله سيتغير، ويصبح بالامكان تصنيع قطع غيار بشرية عن طريق استنساخ الخلايا الجذعية، او تصنيع اطفال بالكامل حسب الطلب عن طريق الاستنساخ.
وفي الايام الاخيرة لعام 2002 اعلنت الطبيبة الفرنسية بريجيت بوسيلييه التي تعمل بالتعاون مع طائفة الراليين، وهي طائفة تزعم الاتصال بكائنات فضائية، انها نجحت في اخراج اول طفل مستنسخ للوجود، بل واكدت ان هناك اطفال آخرين في الطريق، من بينهم طفل لزوجين من الشواذ، وطفل تم استنساخه بخلايا محفوظة لطفل آخر فارق الحياة!.
ولا يزال السباق على اشده بين فرق العلماء التي تحاول كل منها تطوير تقنية افضل للاستنساخ، وكلها تصب في خانة واحدة: ان تحصل على الطفل الذي تريده، تماما كما تذهب للتسوق وتختار البذلة التي تريدها. ويبدو هذا السباق مجنونا وخطرا الى ابعد الحدود، الا ان العلماء، الذين تشجعهم شركات تتوقع ارباحا طائلة من ورائه، يصرون على السير فيه الى آخر مدى.
وهناك سباق آخر بين علماء الهندسة الوراثية حول تغيير خصائص الحيوانات والنباتات، وهو سباق له نواح ايجابية مثل مقاومة الامراض او الاوبئة، لكنه ايضا يدخل الى تغيير التوازنات في الطبيعة، وهو امر شديد الخطورة.
ولم يتوقف سباق العلماء على الارض بل امتد للفضاء حيث يواصل العلماء بناء محطة فضائية او سكك حديد فضائية تستخدم في نقل البشر بين الارض والكواكب. ويرى البعض ان القمر سيتحول قريبا الى استراحة على طريق الرحلات للمريخ، او بعبارة اخرى "ترانزيت" فضائي.
وكل هذه التطورات تعني ان شكل الحياة على كوكب الارض سيتغير تماما في السنوات القادمة. هل التغيير قادم في المنطقة العربية؟ واذا نظرنا الى منطقتنا العربية، فسنجد ان يد التغيير تمتد اليها شيئا فشيئا. فقد قرر الخبراء في واشنطن، والذين يقولون انهم يعرفون مصالح العالم العربي اكثر مما يعرف هو نفسه، انه قد دقت ساعة التغيير في هذه المنطقة التي ظلت الامور مستقرة بها عقودا طويلة. وما كان يعد من ثوابت السياسة العربية اصبح الآن محل شك. فالتحالف التقليدي بين السعودية والولايات المتحدة يهتز بشدة. ولا تنسى واشنطن، ولن تنسى، ان 15 سعوديا كانوا من بين من بين 19 من منفذي هجمات سبتمبر، وان اسامة بن لادن المتهم الاول بتدبيرها سعودي ايضا.
واصبحت واشنطن تطالب الرياض بتغيير مناهج التعليم التي يرى الخبراء الاميركيون انها تسهم في تكوين «الارهابيين» وتطالب بالسيطرة على المنظمات الخيرية السعودية، وكلها امور لم تكن واردة في منطقتنا من قبل، علاوة على المطالبة بتعويضات تتجاوز تريليون دولار لاسر ضحايا هجمات سبتمبر!.
وهناك مشروع الحرب القادمة في العراق، والتي ينتظر اذا تمت ان تسفر عن تحويل العراق الى دولة «فدرالية» كما تسميها واشنطن تقسم ما بين العرب والاكراد والشيعة والسنة وغيرهم من طوائف العراق، ويكون تقسيمها بداية لاعادة رسم خريطة المنطقة وتقسيم دولها.
وكما قال رئيس سابق للمخابرات الاميركية فانه بعد العراق ستنظر واشنطن في امر باقي الانظمة في المنطقة، وعلى رأسها السعودية ومصر، علاوة على ايران التي وضعها بوش مع العراق وكوريا الشمالية فيما سماه "محور الشر" والذي اصبح اشهر المصطلحات السياسية في عام 2002، علاوة على مصطلح الحرب على «الارهاب» الذي اطلقه بوش العام السابق، وهي حرب لا يعرف احد متى تتوقف او اين تتوقف، لكن يعرف الجميع انها فشلت في تحقيق هدفها الاساسي وهو الامساك باسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة، او حتى وقف عمليات القاعدة التي شملت باكستان واليمن وكينيا واندونيسيا.
ويأتي اعلان وزير الخارجية الاميركي مبادرة لتحقيق اصلاحات ديمقراطية في العالم العربي تتويجا لمؤشرات الرغبة الاميركية في فرض التغيير، وليؤكد عزم واشنطن على السير بخطى مرسومة في مشروعها لقلب الاوضاع في المنطقة العربية.

حرب مرجحة في العراق ستغير شكل المنطقة

حتى خريطة انتاج البترول قد تتغير اذا تمت هذه الحرب. اذ ينتظر ان يتحول العراق الى اول او ثاني دولة منتجة للنفط في العالم ليزيح دور السعودية التقليدي باعتبارها المنتج الاول للنفط في المنطقة والعالم.
ومن يدري لعله يتم تغيير خريطة اسرائيل ايضا اذا تم ترحيل الفلسطينيين الى العراق كما يرى البعض انه منتظر أي يحدث.
وارجو ان تنظر عزيز القارئ نظرة سريعة الى جملة التغييرات التي تحدث في العالم لترى اين موقع العرب.
هناك دول مثل الصين تتقدم اقتصاديا بخطى سريعة وثابتة منذ سنوات، ومثل الدول الاوروبية التي تسير على طريق الوحدة، والتي حققت نجاحا اقتصاديا هائلا باخراج عملتها الموحدة للوجود.
وهناك دول تراجعت مثل الارجنتين التي كانت تلقب في يوم ما بزهرة اميركا الجنوبية، والتي اصبحت تعيش ازمة اقتصادية وسياسية طاحنة.
وهناك دول استقر بها الحال على الفقر واليأس من الاصلاح مثل دول كثيرة في افريقيا يقل دخل الملايين فيها عن دولار واحد شهريا، ويتحالف ضدهم الايدز والمجاعة.
وهناك سباق علمي محموم على الارض والفضاء، ابطاله هم علماء الهندسة الوراثية وهندسة الفضاء والاستنساخ.
وهناك دول في ازمة.. منها الولايات المتحدة والمنطقة العربية.
والملاحظ ان الازمة الاقتصادية-الاجتماعية العميقة التي تمر بها الولايات المتحدة ترتبط بشدة بالازمة الاقتصادية-الاجتماعية التي يمر بها العالم العربي، اذ ان الازمة الاميركية تدفع قادتها الى الحصول على النفط العربي باقل سعر ممكن، خاصة بعد ان تزايدت الواردات الاميركية من النفط بشكل مخيف.
العالم يتغير بسرعة، ومنطقتنا لم تعد بمعزل عن التغيير.. وليس السؤال المطروح هو هل هناك تغيير ام لا؟ ولكن الى أي مدى سيصل هذا التغيير؟
وواقع الامر اننا على ابواب عصر جديد، خاصة في المنطقة العربية، الا اننا ببساطة لا نملك منهجا او اسلوبا او استراتيجية للتعامل معه، سواء على المستوى السياسي او الاقتصادي او العلمي.
وربما لم ينج من التغيير الا كرة القدم البرازيلية.. فقد اكد لاعبو البرازيل ان ثوابت كرة القدم اكثر استقرارا من ثوابت السياسة. وما زالت البرازيل بطلة العالم كما كانت منذ نصف قرن!. محمود القصاص - صحفي وباحث مقيم في لندن