المغرب: احتجاجات عارمة على الموازنة الجديدة

الرباط - من مريم التيجي
المطالبة بالحقوق الأساسية

رغم الطقس البارد في العاصمة الرباط هذه الأيام، إلا أن حرارة الجدل والحركية السياسية في مجلس النواب المغربي وفي الساحة المقابلة له كانت مرتفعة على غير العادة.
ففي الوقت الذي تجري فيه مناقشة قانون المالية (الموازنة العامة) للسنة المقبلة، وهو القانون الذي أثار نقاشات وآراء مختلفة، وصلت حد التعارض، كان المربع الذي يواجه ساحة مجلس النواب ومحطة القطار المجاورة له، والشوارع المؤدية إليه ابتداء من مسجد السنة الشهير، الذي يجاور القصر الملكي، يشهد حركات احتجاجية ساخنة من قبل العاطلين عن العمل، والمطالبين بإعادة النظر في قانون المالية، بما يمكَن من حل معضلة البطالة، التي أصبحت شبحا تزداد وطأته يوما بعد يوم.
وأمام ارتفاع وتيرة الوقفات الاحتجاجية، التي بدأت هذا الأسبوع، طيلة فترة مناقشة البرلمان لقانون المالية، والتي أخذت أشكالا غير مسبوقة، ارتفعت في المقابل محاولات قمع هذه الوقفات، حيث بدأت المنظمات الحقوقية المغربية تحصي عدد الجرحى والمصابين، في هذه الاحتجاجات التي لا تزال مستمرة.
وفي الأسبوع الماضي عمدت مجموعة من حملة شهادة الدكتوراه ودبلومات الدراسات العليا، أثناء انعقادا المجلس الوزاري، إلى تقييد أيديهم بالأصفاد في الشبابيك والأبواب المحيطة ببناية البرلمان، وتدخلت قوات الأمن بشكل عنيف، لكنها لم تتمكن من إجلاء المتظاهرين إلا بعد قدوم فرق الوقاية المدنية، الذين كسروا الأصفاد الحديدية، وخلصوا المقيدين، حيث سجلت في صفوفهم حالات كسر وإغماء.
وتكررت الاحتجاجات المطالبة بتقديم حلول حقيقية للمشكلات الاجتماعية، التي يتخبط فيها قطاع كبير من الشباب على وجهه الخصوص، حيث توجه المئات من العاطلين بمناسبة مصادقة البرلمان على قانون المالية لسنة 2003 وهم يحملون البالونات الملونة، ويطلقونها في الهواء، وقد كتبوا عليها شعارات تطالب بحقهم في الشغل ، وأعلنت مجموعة منهم عن خوضها لإضراب مفتوح عن الطعام في الأيام القادمة.
ورغم وعود الوزير الجديد الحبيب المالكي بتسوية ملفهم، خصوصا بعد خوضهم لإضراب عن الطعام، أمام مقر الوزارة في الرباط، هدد المتظاهرون بالعودة إلى أساليبهم الاحتجاجية، التي يعتزمون تصعيدها إذا لم يف الوزير بوعوده في القريب.
في غضون ذلك ينظر ضحايا شركة النجاة المسجلة في دولة الإمارات العربية المتحدة، والبالغ عددهم 30 ألف شاب مغربي، بقلق إلى الإجراءات التي تتخذها وزارة التشغيل والوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، لحل مشكلتهم، وتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم، جراء تعرضهم للنصب من قبل شركة النجاة، التي وعدتهم بعقود عمل في أعالي البحار.
ولا تنحصر وتيرة الاحتجاجات، التي باتت الخبر اليومي في المشهد السياسي والاجتماعي المغربي، في إطار المطالبين بالشغل، بل تتعداه إلى مرافق حيوية في البلاد. ففي اليومين الأخيرين شلت حركة نقل البضائع، بسبب الإضراب الوطني الناجح الذي يخوضه أرباب الشاحنات، للمطالبة بإدخال تعديلات على قطاعهم، منها إعادة النظر في الضرائب، وفي بعض القوانين المنظمة للقطاع.
وفي هذه الأجواء المشحونة، صادق مجلس النواب المغربي بالأغلبية على مشروع قانون المالية لسنة 2003، وذلك بـ 108 صوتا مقابل 43 صوتا رفضت القانون المقترح. وكان المجلس قد صادق قبل ذلك على الجزء الثاني من مشروع القانون المالي، المتعلق بالميزانيات الفرعية لمختلف الوزارات والقطاعات بـ111 صوتا مقابل 43 صوتا.
ومن الأحزاب التي صوتت ضد قانون المالية حزب العدالة والتنمية الإسلامي، الذي رأى حسب تصريح نائب أمينه العام سعد الدين العثماني أن القانون تشوبه مجموعة من الثغرات، لأنه لم يوضع من قبل الحكومة الحالية، وإنما وضعته الحكومة السابقة، التي كان يقودها الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي، ومن جهة أخرى لا يتوافق هذا القانون، حسب قول العثماني، مع الأولويات التي وضعها البرنامج الحكومي، المستند إلى الخطاب الملكي، والذي جعل محور الأولويات للمرحلة القادمة التشغيل والاستثمار ومحاربة السكن غير اللائق وإصلاح التعليم.
كما لاحظ حزب الاتحاد الدستوري المعارض من خلاله تدخلات نوابه في البرلمان أن القانون الحالي يعاني من "عجز في تغطية الخصخصة على كل المجالات".
وحتى الأحزاب التي صادقت على القانون لم تخف تحفظها عن ضعف الاعتمادات المالية الموجهة لحل المشكلات الاجتماعية مثل البطالة والفقر، مما قد يهدد بتفاقم الأزمة الاجتماعية، التي تعاني منها البلاد.(قدس برس)