معجم الدهـر، لاحمد فضل شبلول

بقلم: أ.د. عبد الحميد إبراهيم

-1-
يحتفظ الإنسان عادة بالمعاجم في مكتبه، حتى إذا أحتاج إليها ليستشيرها في كلمة، حينئذ ينفض عنها الغبار، ويفتح الصفحة على ما يريد، ثم يعيدها إلى مكانها كالجثة الباردة.
المعجم يختلف في وظيفته عن الكتاب الأدبي، هو مجرد أداة يستخدمها الباحث من أجل معنى، أو ضبط كلمة، ثم يعيده إلى مكانه، ليظل قابعا جامداً، لا يثير المشاعر، ولا يحرك الأحاسيس.

-2-

ولكن الأمر يختلف مع "معجم الدهر" لصاحبه الشاعر أحمد فضل شبلول، فهو ليس معجما صامتا كالجثة الهامدة، ولكنه معجم عن الدهر، أو الزمن، أو الدنيا، أو غير ذلك من مسميات، يلخصها أجمل تلخيص صورة الغلاف التي يتصدرها كتاب مفتوح تطل منه ساعة كبيرة بعقارب ثلاث.
الكون في ذاته كتاب مقفول، لا نستطيع أن نحدد فيه الماضي من المستقبل، ولكن ما أن تضاف إليه الساعة، حتى يتحول إلى ميقات ينفصل فيه الماضي عما هو آت، لأن الإنسان يتدخل في الكون الصامت ويضيف عنصر التاريخ، الذي يفيض على الوجود معنى أو يميز الإنسان عن الكائنات الأخرى.
الكائنات الأخرى، جمادا أو نباتا أو حيوانا، كائنات لا تعرف التاريخ، والإنسان وحده هو الذي يمنح التاريخ، سواء كان له أو لغيره من الكائنات، ومن هنا فالكون دون إنسان كون صامت وكتاب مقفول، والكون مع الإنسان كتاب مفتوح، يمنح المعنى لكل قارئ مجتهد.
وتلك هي الدلالة الأولى لمعجم الدهر، فهو ليس معجما صامتا، يتحدث عن أجزاء الإنسان أو الحيوان أو النبات، يستشيره المرء في كلمة ثم يلقيه بعيدا كالجثة الهامدة، ولكنه معجم يضيف عنصر الزمن، أي عنصر التاريخ الذي يعطي للكون معنى، ويفصل فيه الأشياء عن بعضها، ويميز الماضي عما هو آت. إنه معجم يشم فيه الباحث أنفاس الإنسان تتردد ساخنة عبر صفحاته، فتثير لديه التساؤلات والأحاديث، ويتحول من مجرد أداة إلى كتاب أدبي مفتوح.

-3-
وقد طفرت مشكلة الدهر حديثا، ولكن تحت عنوان جديد وهو الزمن، الذي أحتل مساحة كبيرة في الفكر المعاصر، وأقتحم علوما عديدة كالفلسفة وعلم النفس والفسيولوجيا، وأيضا الإبداع الأدبي والمسرحي والفني، وظهرت مشكلات كثيرة عبر عنها فلاسفة أمثال: هيجل وماركس، وجسَّدها فنيا كتاب من مثل: سارتر وكامي، وأصبحنا نقرأ حوارات حول الزمن التاريخي، والزمن النفسي، والزمن الشعوري، والزمن الفسيولوجي، وظهرت أجناس أدبية أخرى تعمق في مفهوم الزمن، وتتمرد على الدائرة التقليدية لتعريف الزمن، وتفيد من إمكانات علم النفس التحليلي، ومن هندسة أينيشتين، ومن الاكتشافات الفضائية التي نقلت الزمن من محور الأرض، إلى محور أكثر شمولا وأوسع تعريفا.
وتلك هي الدلالة الثانية لمعجم الدهر، فهو كتاب مفتوح، يستثير العقل البشري، ويدفعه إلى أن يتخطى صفحاته، ويتجاوز مادته اللغوية المحددة، ليفكر فيما هو وراءها، أو بتعبير أدق فيما هو من وحيها، لأن المادة اللغوية في هذا المعجم ليست صامتة، إنها تدفع الإنسان لأن يتحرك، وتغري الفكر البشري إلى أن يقفز كالكرة من القديم إلى الجديد، أي من مشكلة الدهر على حد تعبير القدماء، إلى مشكلة الزمن على حد تعبير المعاصرين.
-4-
ولكن مشكلة الدهر قديما، أو مشكلة الزمن حديثا، تتخذ أبعادا مختلفة باختلاف البعد التاريخي، فهي عند القدماء، كما يعكسها الشاعر شبلول، تدور في الإطار الديني، وكل ما تعكسه من فكر هو مجرد تعليق أو حكمة قد تضيق بالحياة، وقد تحس بثقلها، ولكنها لا تصل إلى حد التمرد على سلطة الإله، أو إلى حد الإحساس العبثي، الذي ينتاب المرء عند غيبة الإله.
حقا، قد يوجد في الفكر الفلسفي القديم، اتجاه يتمرد على الإله، ويقول أصحابه "وما يهلكنا إلا الدهر"، ولكن يظل هذا الاتجاه ضعيفا، يتكلم أصحابه على استحياء أو على استخذاء، لأن هناك من يتصدون لهذا الاتجاه، ويكشفون عن قصوره، وعن غربته بعيدا عن الوجدان العام. وقد أصدر الأفغاني كتابه الشهير في الرد على هؤلاء الدهرية، وهو يعتبر حلقة في سلسلة العلماء، الذين تصدوا لهذا التيار المادي، وهي سلسلة تتجدد مع تجدد التحديات التاريخية، فإذا كان الله قد هيَّأ قديما علماء من أمثال: الغزالي وابن تيمية وابن الجوزية، للتصدي للدهريين، فإنه قد هيأ حديثا علماء من أمثال: إقبال والأفغاني ومحمد عبده للرد على الماديين.
ولكن مشكلة الزمن عند الفلاسفة الغربيين، تتخذ على وجه العموم مسارا مختلفا، يصل إلى حد التمرد على سلطة الإله، وتضفي على الإنسان قدرات ليست له، وتقحم العقل البشري في مجالات خارج نطاقه.
وكانت النتيجة أن العقل البشري لم يستطع أن يجدف في غير ميدانه، فأصيب بالإحباط، ووقع تحت أسطورة سيزيف، التي يرددها الفلاسفة المعاصرون كثيرا، رمزا للعبثية واللاجدوى.
وقد اجتاحت هذه المذاهب العبثية الواقع العربي المعاصر، وتحولت من نبرة مستحية إلى نبرة قوية، تجاهر بأفكارها، وتجد صدى عند الشباب وعند أجهزة الإعلام، ويتطاول هذا الصدى إلى حد أنه يحجب عن الساحة الفكرية، ذلك الصوت الأصيل الذي كان يعكس أفكار علماء من أمثال: ابن تيمية وابن الجوزية قديما، ومن أمثال الأفغاني ومحمد إقبال حديثا.
وتلك هي الدلالة الثالثة ـ وليست الأخيرة ـ التي تثيرها معجم شبلول، وهو أنه يعكس لنا مفهوم القدماء لمشكلة الدهر، وفي واقع مفردات لغوية لا تخطيء في دلالاتها، ويمكن للباحث المعاصر أن ينطلق من هذه الرؤية، ليقيس الأفكار المعاصرة، وفيما إذا كانت تمتد بجذورها إلى مشكلة الدهر كما فهمها القدماء، أو تعود إلى مشكلة الزمن كما فهمها المعاصرون.
-5-
والأمر في قاموس أو معجم شبلول لا يقف عند مجرد مادة لغوية، بلغت مائتي جذر لغوي، لها اشتقاقات كثيرة، قد يسرها شبلول مضبوطة ومشروحة، ووثقها في مصادر أصلية ومتخصصة، زادت عن سبعة عشر مصدرا.
والأمر كذلك لا يقف عند حد دلالات فلسفية حول الدهر أو الزمن، تعكس رؤية العربي حول هذا الموضوع الشائك، وتستشير في الوقت نفسه رؤية الآخرين، مما يجعل الصورة كاملة، تدفع العقل البشري إلى الحركة والمقارنة والاستنتاج.
الأمر لا يقف عند هذا أو ذاك، بل يضيف إليهما متعة فنية، بسبب منهج شبلول في هذا المعجم، فهو لم يقدم المادة اللغوية جافة مجردة، بل قدمها خلال نصوص أدبية متعددة بتعدد الأجيال، وبتعدد الأجناس الأدبية. فالقارئ ينتقل من نص جاهلي إلى نص إسلامي، ومن شاعر أموي إلى شاعر عباسي، وينتقل أيضا من آية كريمة إلى حديث قدسي، إلى حديث نبوي، إلى قول مأثور، إلى حكمة أو مثل، إلى بيت من الشعر، وهو مع كل نص يتجدد نشاطه، وتتجدد متعته، ويقبل على المعاني اللغوية والدلالات الفلسفية بلا ملل ومن غير فتور.
أن مفردة مثل مفردة "الدهر" التي يحمل المعجم عنوانها، ترد خلال آيات من سورة الجاثية وسورة الإنسان، وخلال أحاديث قدسية، يشير شبلول إلى مصادرها في الهامش، وخلال أبيات لذي الرمة، ومتمم بن نويرة، وجرير والفرزدق، والمتنبي وابن دلف وآخرين. وخلال إشارات إلى جمهرة الأمثال، ولسان العرب، والقاموس المحيط، والمنقذ من الضلال، والموسوعة العربية الميسرة، وأساس البلاغة، ورسالة الأفغاني في الرد على الدهريين.
وبذلك يجد القارئ نفسه مقحما في نصوص أدبية، تحيل مادة الدهر، وهي مادة فلسفية، إلى متعة فنية.
-6-
كانت تلك قراءتي لمعجم الشاعر أحمد فضل شبلول، أسوق إليه من أجلها الشكر ثلاث مرات، مرة عن المادة اللغوية الميسرة، وثانية عن الدلالة الفلسفية العميقة، وثالثة عن المتعة الفنية.
وسوف يقرأ الآخرون هذا المعجم، وسيزجون لصاحبه الشكر لأسباب أخرى تتجدد مع كل قراءة، وسيدفع كل هذا الشاعر إلى مزيد من الجهد في هذا الميدان، الذي يحتاج إلى روح فريق، ولكن قد يوفق الله فردا إلى أن يتحمل عن الآخرين، ما لا يطيقون هم إلى تحمله. د.عبد الحميد إبراهيم، رئيس جماعة التأصيل الأدبي والفكري