دور لصوص المقابر في نهب آثار وادي النيل

مراجعة: أحمد فضل شبلول

لم يقتصر التنافس بين الدول الاستعمارية ـ وخاصة إنجلترا وفرنسا ـ على احتلال الدول المريضة، التي تركتها الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر مهيضة الجناح، ولكن امتد التنافس بين هذه الدول على سرقة ونهب الآثار الموجودة، أو المدفونة في باطن الأرض، منذ فجر التاريخ البشري وعلى مدى العصور المختلفة.
وتعتبر مصر من أهم الدول التي جرت على أرضها مؤامرات عدة ـ بين الإنجليز والفرنسيين على وجه التحديد ـ لنهب آثارها وتهريبها إلى الخارج، وللأسف فقد ساعدهم على ذلك بعض الأهالي الذين لم يمتلكوا الوعي بأهمية الحفاظ على آثار البلاد، بل أن الأهالي كثيرا ما كانوا يستخدمون أحجار الآثار في بناء بيوت جديدة لهم، أو في استخدامها للاتقاء من فيضان النيل في الجنوب، أو لأغراض أخرى، أو يستخدمون المومياوات الفرعونية أو أوراق البردي التي يجدونها في إشعال مواقدهم وما إلى ذلك، دون الوقوف على الأهمية التاريخية لكل حجر أو مومياء أو ورقة بردي حقيقية أو تابوت يُسرق أو يُنهب أو يُباع للسائحين والمغامرين. مما دعا إلى القول إن بعض المصريين كانوا هم أنفسهم عاملا في تدمير الآثار المصرية على مر العصور سواء بدافع البحث عن ذهب وجواهر وكنوز، أو بوازع ديني باعتبارها آثارا وثنية.
وقد صدر مؤخرا ضمن الأعمال الفكرية التي يقدمها مهرجان القراءة للجميع/مكتبة الأسرة 2002 كتاب مهم يتناول هذا الموضوع التاريخي الحيوي، من تأليف بريان م. فاجان، وترجمة د. أحمد زهير أمين، ومراجعة د. محمود ماهر طه. وجاء في حوالي 400 صفحة من القطع الكبير، ومزود بملاحق للصور (أبيض وأسود) وقعت في حوالي 50 صفحة.
يبدأ الكتاب بعبارة من سفر الخروج 22:3 يُفهم منها أن سرقة أو سلب اليهود للمصريين شيء مباح. تقول العبارة:
"بل تطلب كل امرأة من جارتها ومن نزيلة بيتها أمتعة فضة وأمتعة ذهبا وثيابا، وتضعونها على بنيكم فتسلبون المصريين".
وحتى لا يتوه القارئ في غابات الأسر الفرعونية وعصورها المختلفة، فقد أورد الكتاب جدولا أو تقويما تاريخيا للأسرات المصرية والفراعنة والأحداث الرئيسية والتطورات الثقافية في مصر القديمة. سيناريو السرقة ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء:
الجزء الأول يتناول المقابر والسائحين والكنوز. والجزء الثاني يتحدث عن المهرِّب الأكبر الذي طغى على الجميع، ويقصد به (الإيطالي بلزوني). والجزء الثالث يتحدث عن تخريب الآثار، ثم خاتمة، فملحق المفردات والصور.
إن معظم أساليب النهب والسرقة لا تخرج عن السيناريو الذي نقله المؤلف عن الأثرى المعروف هوارد كارتر مكتشف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922:
"اجتماع سري وسط الصخور، والاتفاق على رشوة حراس المقابر أو تخديرهم، ثم الشروع في نبش القبور في الظلام، والتسلل إلى حجرات الدفن، والبحث عن كل ما خفَّ حملُه وغلا ثمنُه في ضوء الشموع الخافت، وأخيرا الرجوع بالغنيمة". وصف مصر يشعل حماس أوربا ولعل السجل الضخم (وصف مصر) الذي أعدته البعثة الفرنسية التي صاحبت نابليون بونابرت في حملته العسكرية على الشرق (1798 ـ 1801) عن مصر القديمة، أشعل حماس أوربا نحو مصر، فلما زار الأب جيرامب مصر سنة 1833 قال لمحمد علي باشا: "لم يكن مَنْ يزور مصر يحوز الشرف إلا إذا كان يحمل مومياء في إحدى يديه، وتمساحا في الأخرى".
والواقع أنه في زمن الأب جيرامب هبَّتْ موجة عارمة من التنافس شملت الجميع من دبلوماسيين ونبلاء وسائحين وتجار بهدف جمع أكبر عدد من المومياوات وغيرها من الآثار المصرية، وأصبحت الموضة نماذج مصرية حتى في المعمار. وفي الوقت الذي كان فيه الفتى شامبليون عاكفا على فك شفرة الأبجدية الهيروغليفية، كان السائحون غارقين إلى أذقانهم في نهب كنوز المدينة التي لا يعرفون عنها إلا أقل من القليل. وهم على كل حال لفتوا أنظار العالم إلى أهمية التراث المصري العظيم. منذ أيام هيرودوت غير أن أمر الاهتمام بمصر وآثارها وتاريخها لم يبدأ منذ الحملة الفرنسية، ولكنه بدأ قبل ذلك بكثير، ومنذ أيام هيرودوت الذي عاش في مصر خمس سنوات (460 ـ 455 ق.م) وكان مؤمنا أن مصر أصل كل شيء، وقد ساح هيرودوت في صعيد مصر سياحة طويلة في النيل، وقدم وصفا لمصر وتاريخها يُعد الأقدم على الإطلاق، ولكن اختلط فيه التاريخ الصحيح بالخرافات بالأساطير. الأهرام إسراف زائد واستعراض غبي للثروة ولكن ما من شك في أن آثار مصر في عصر هيرودوت كانت أحسن حالا منها الآن. فمع قدوم الرومان إلى مصر أخذ السائحون يتدفقون بالآلاف ينشدون العلم والثقافة والتسلية، وهذا في حد ذاته كان سببا في العبث بالآثار وإتلافها، وقد وصل الأمر أن فُتحت معظم مقابر وادي الملوك ونُهبت. وقد تسلل بعض السائحين إلى حجرات دفن الفراعنة المنحوتة في الصخور، حبا في المغامرة.

البعض رأي الأهرام اسراف زائد

وقد سجل بعض هؤلاء أسماءهم على جدرانها في ضوء الشموع فانتهكوها وأتلفوها. ولكن في الوقت نفسه لا يمكن تحديد ما أتلفه الرومان من آثار مصر، فليس هناك ما يدل على سوق رائجة لتجارة الآثار في ذلك الوقت. لقد استهوى الرومان المسلات الجرانيتية، فاستولوا على عدد منها، في حين أن الأهرام لم تستهوهم، فهذا بليني يرى في الأهرام "إسراف زائد، واستعراض غبي للثروة قام به الفراعنة".
أما الإمبراطور هادريان فقد كان يشتري آثار مصر لتجميل حدائقه في مجاورة آثار الفن الإغريقي. نقوش المعابد نوع من الشرور وبدخول المسيحية مصر، اعتبر البعض نقوش المعابد نوعا من الشرور التي تجر إلى الخطيئة، مما أدى إلى التخريب المتعمد لآثار مصر انتصارا للديانة الجديدة. وعلى سبيل المثال في سنة 397 م جرى تخريب متعمد للسيرابيوم بمنف على يد البطريق (القائد) المتعصب سيريل وجنوده، ثم أُهمل حتى غطته الرمال، فلم ير النور مرة أخرى إلا في القرن التاسع عشر. كسوة الأهرام تستخدم في بناء الفسطاط ثم جاء الفتح العربي، وتسلل بعض العرب إلى الهرم بحثا عن كنز مزعوم، حيث ظن البعض أن الأهرام تحوي كنوز الفراعين القدامى، كما أنهم حطموا بعض المعابد للبحث عن هذه الكنوز المزعومة. ثم استخدم العرب المعابد والأهرام ـ بعد ذلك ـ كمحاجر باعتبارها موردا سهلا للحجارة المطلوبة للبناء، وعلى سبيل المثال استخدم في بناء مدينة الفسطاط كسوة الأهرام وحجارة المعابد والمقابر القريبة لتأسيس العاصمة الجديدة. فكرة الاستيلاء على المومياوات واستمر مسلسل السطو والنهب دون توقف، ودون رادع، ولم يتورع صائدو الكنوز حتى عن قتل ونهب بعضهم بعضا، رغم فشلهم المتكرر. وفي هذه المرحلة ازدهرت فكرة الاستيلاء على المومياوات، فكان الأهالي ينتهكون المقابر القديمة للحصول عليها، بغرض استخراج الزفت أو القطران الذي كان يُستخدم في علاج الجروح والكدمات والغثيان والكسور وغيرها، والذي استخدمه المصريون القدماء في تحنيط الجثث.
يقول مؤرخ عربي عن عملية السطو على المومياوات:
"قُبض على مَنْ جمع كثيرا من الجثث، ومثلوا أمام العمدة، وضربوا حتى اعترفوا بأنهم تعودوا الاستيلاء على الجثث من المقابر ثم غليها في الماء على نار حامية حتى يقطع لحمها، بعدها يجمعون الزيت الطافي (القطران) على سطح الماء ويبيعونه للفرنجة الذين كانوا يدفعون 25 قطعة ذهبية لكل مائة وزنة منه". تكوين المجموعات الأثرية وفي القرن السابع عشر يصبح الذوق العام في أوربا، تكوين المجموعات الأثرية والاحتفاظ بها، فها هو السفير الفرنسي دي هوساي بالقاهرة يكتب للكردينال "ريشيليو" في عام 1638 قائلا: "حيث إن أجمل الآثار القديمة قد صانت نفسها من عوادي الزمن قرونا عديدة، ليتسنى لنيافتكم اختيار ما تشاءون منها لتزيين مكتبكم أو الحفظ في خزائن نفائسكم، أتشرف بإخطاركم أنني كي أوفر لها ما تستحق من الحماية والصيانة، فقد وزعت منشورا في المشرق على كل القنصليات الفرنسية ينبه إلى ضرورة اتخاذ ما يلزم لتحقيق هذا الهدف النبيل".
ثم يبدأ عهد الرحلات الطويلة إلى بلدان البحر المتوسط بين أوساط المثقفين، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وهؤلاء كانوا يعودون إلى بلادهم ومعهم تماثيل ونقوش من المعابد، ليزينوا بها حدائقهم أو ليعرضوها في متاحفهم الخاصة، وكان الملوك والنبلاء الفرنسيون من أكثر أهل أوربا اهتماما بجمع الآثار، فكانوا أول من أرسل البعثات المتخصصة إلى بلاد البحر المتوسط.
ثم كانت رحلة الأب فانسلب الذي ذهب إلى سقارة وهبط في بعض القبور الجماعية وحصل على بعض جثث الطيور المحنطة، وأرسلها إلى باريس مع مخطوطات "عربية" بينها واحدة ترشد إلى "الأماكن السرية لكل الكنوز المصرية".
وخلال السنوات (1692 ـ 1708) زار قنصل فرنسا في مصر بنوا داماي الأهرام ودخلها أكثر من أربعين مرة، وكان يراسل علماء فرنسا، ووضع مشروعا لاستكشاف آثار مصر الفرعونية، استرشدت به حملة نابليون بعد مائة سنة. ذكر داماي في تقريره:
"قيل لي إنه يوجد في الصعيد معابد مازالت سقوفها الزرقاء أو المموهة محتفظة بجمالها كأنها جديدة، وهناك تماثيل عملاقة، وأساطين لا حصر لها".
وبعد داماي جاء القنصل الفرنسي مير الذي كلفه لويس الرابع عشر بمحاولة فتح أي هرم وإحصاء ما بداخله.
وفي عام 1723 يعرض توماس سرجنت في اجتماع لجمعية الآثار بلندن، صندوقا به آلهة مصرية، ورد حديثا من القاهرة.
أما السائح الإنجليزي ريتشارد بوكوك الذي زار مصر عام 1737 فقد عبر عن حسرته قائلا: "إنهم يحطمون كل يوم بقايا آثار مصر الجميلة، ورأيت بعيني أعمدة أثرية تُقطع لتستخدم كأحجار رحا (طواحين)".

تصاريح بالسرقة والنهب من السلطات التركية وعلى الرغم من ذلك فقد حصل بعض السائحين على تصاريح من السلطات التركية بنقل محتويات بعض المقابر، والبحث عن الآثار والتماثيل والنقوش بالحفر حول المعابد. غير أنه عندما شرع نائب القنصل الفرنسي بالإسكندرية في شحن ثلاثة تماثيل سنة 1751 جابه معارضة شديدة، وادعت السلطات أن لها في ذلك حقوقا، واضطر القنصل لحل المشكلة إلى استعمال الحيلة والصبر والرشوة.
واتسع نطاق البحث عن الآثار عندما اعتاد الأهالي التعامل بالنقد، فتوسعوا في انتهاك المعابد والمقابر، مفتقدين للحس التاريخي، بغية الحصول على الأموال من الأجانب الذين لم يكفوا بدورهم عن الضغط عليهم للحصول على الآثار. أول محاولة في أوربا إلا أن هناك من السائحين والدبلوماسيين الذين يذهبون للمشاهدة فحسب، وليس لديهم أي نية للسرقة أو السطو أو الاحتفاظ بشيء مما يرونه، من هؤلاء المهندس البحري الفنان فردريك لويس نوردون الذي رأس بعثة أرسلها إلى مصر ملك الدانمارك المستنير كرستيان الخامس. بعد مشاهدة نوردون لآثار مصر حتى النوبة وضع كتابا عام 1755 بعنوان "سياحة" لاقى من الجمهور والمثقفين قبولا شديدا، وكان الكتاب هو المحاولة الأولى في أوربا لعرض صور ومخططات عن آثار مصر القديمة اتسمت بالدقة والحيوية. السطو المنظم، وإنشاء متحف اللوفر غير أنه بمجيء نابليون إلى مصر يصبح أسلوب السطو على آثار مصر القديمة أسلوبا منظما. لقد صحب نابليون 167 عالما من مختلف التخصصات لمعاونته، ورغم فشل حملته العسكرية، فقد نجحت البعثة العلمية نجاحا مذهلا، وأنجزت في ثلاث سنوات ما يحتاج إنجازه لعشرات السنين، وكان أهم ما يشغل علماء الحملة تنفيذ ما اقترحه عالم التعدين ديوديه جارتي دولوميكو: "اختيار وحفظ ونقل الآثار المصرية القديمة، وتأمين وصولها إلى فرنسا سالمة". وكان من بين فناني الحملة فيفان دينون الذي قام باستكشاف وتصوير كثير من المباني الأثرية والتماثيل بدقة تُحسب له، وقد استُقبل دينون لدى عودته من مصر بالترحيب، وكُلف بإنشاء متحف اللوفر، فخصص به أول جناح للآثار المصرية، وظل يمده بالتحف والآثار حتى نهاية حكم نابليون، ثم أصدر بعد ذلك كتابه "رحلات في مصر السفلى والعليا" سنة 1801 فذاع أمره وترجم إلى لغات عدة. التاريخ سيذكر لكم: إنكم أحرقتم مكتبة الإسكندرية الثانية لقد جمع علماء الحملة آثارا مصرية كثيرة وكدسوها بالإسكندرية، لحين شحنها إلى فرنسا، ولكن الإنجليز بدأوا حصارهم للفرنسيين لسلب ما معهم من آثار، فهدد العلماء بإحراقها، فقال لهم العالم الفرنسي سان هيلير: "بدوننا اعتبروا أن ما معنا لغة ميتة، لن تستطيعوا مع علمائكم فهمها، فإذا سولت أنفسكم سلب ما معنا بهذه الطريقة الهمجية الظالمة، فسنقوم بدفنها في رمال ليبيا، أو إغراقها في اليم .. بل سوف نحرق ما معنا بأنفسنا .. إنكم تسعون إلى المجد والشهرة .. عظيم! لكن عليكم أن تتذكروا أن التاريخ سيذكر لكم: إنكم أحرقتم مكتبة الإسكندرية الثانية". ما حاجة المصريين لماضيهم؟ ومن يومها بدأ الصراع والحرب بين الدولتين على الآثار المصرية، وزاد من أمر هذا الصراع عدم اهتمام أسرة محمد علي باشا بمسألة الآثار المصرية، فهي لا تمثل لهم أية قيمة، لأنهم ليس من صلب البلد، وبالتالي لم يحسوا بأهميتها، ولم يهتموا بها إلا في حدود استخدامها كوسيلة لجذب انتباه الشخصيات العالمية المؤثرة.
كان الناس يتساءلون: ما حاجة المصريين لماضيهم؟ إنها منحة من الرب لذلك تسربت آلاف القطع الأثرية الخفيفة من مصر عن طريق هواة جمع الآثار وتجارها والسائحين، وكل من لا هم له إلا الإثراء السريع من تجارة التحف والآثار. ودخل الدبلوماسيون الأجانب اللعبة واستغلوا نفوذهم في البحث عن الآثار ونقلها إلى بلادهم، بل كانت التعليمات التي أصدرها وكيل الخارجية البريطانية إلى القنصل البريطاني في مصر هنري سولت ـ على سبيل المثال ـ أن يجمع ما يستطيع من آثار والبحث عن حجر يضارع حجر رشيد، وأنه مهما كانت التكاليف فسوف يجد التمويل من شعب مثقف متشوق للتفوق على الشعوب الأخرى في إظهار اهتمامه بالعلوم والآداب والثقافة. ومن العجب أن تتم سرقة الآثار المصرية تحت شعار سولت: "إنها والله منحة من الرب". بلزوني: المهرب الأكبر الذي طغى على الجميع ويجيء عصر الرحالة الرياضي ولاعب السيرك، جيوفاني باتستا بلزوني (شمشون البتاجوني) المولود في إيطاليا في عام 1778 والمتوفى في بنين عام 1822، والذي زار مصر عام 1815 وقام برحلات نيلية عدة، وعمل في تهريب الآثار لصالح الإنجليز، وكانت له مواقف ومعارك مع القنصل الفرنسي في القاهرة في ذلك الوقت دروفيتي.
لقد خصص المؤلف القسم الثاني كله (حوالي مائة صفحة) للحديث عن هذا المهرب، وأطلق عليه "المهرب الأكبر الذي طغى على الجميع". وفي هذا الجزء يتضح مدى الحرب التي اشتعلت بين إنجلترا وفرنسا على الآثار المصرية.

سرقات بلا مراقبة
ونستطيع أن نلخص أهم اكتشافات وسرقات بلزوني على النحو التالي:
في البداية كان بلزوني يهتم بجمع الآثار الخفيفة المدفونة مع الأثرياء القدماء مثل الأواني المحتوية على الأحشاء والزهريات المرمرية والفخاريات المزخرفة والتماثيل الصغيرة والأوراق الذهبية والجعارين، فجمع من هذه الآثار ما يملأ سفينة كبيرة، وكان ضمن هذه الغنيمة تمثال رائع الجمال للربة حتحور مع آلهة أخرى.
اكتشف بلزوني في وادي الملوك، مقبرة الأمير منتوحرخبش إف الابن الأكبر لأحد الرعامسة المتأخرين، ثم مقبرة أخرى على بعد حوالي 100 ياردة من سابقتها بدا من حالتها أنها قد سُلبت منذ زمن طويل، ووجد بها جثتان لامرأتين عاريتين شعرهما طويل "يسهل فصله عن فروة الرأس إذا جذب برفق". أيضا اكتشف مقبرة سيتي الأول ـ والد رمسيس الثاني ـ الذي مات سنة 1300 ق.م تقريبا، وتمثالين للربة سخمت رأسيهما رأسي أسد، فباعهما لمدير الآثار الملكية الفرنسية بثمن بخس (سبعة آلاف قرش) لحاجته إلى النقود. أيضا من ضمن اكتشافات بلزوني تمثال جالس للملك أمنحتب الثالث من الجرانيت الأسود ـ كامل تقريبا ـ وهو موجود الآن بالمتحف البريطاني. كما أنه اكتشف معبد أبي سنبل، وفتح الهرم الثاني (هرم خفرع) ونقل رأس أحد تمثالي ممنون، وكذلك مسلة فيلة.
غير أن الطريقة التي يكتشف بها بلزوني المقابر والآثار المصرية القديمة، كان بها الكثير من العنف والفوضى، فكتب عنه الفرنسي مونتوليه الذي كان في رحلة بالصعيد، وزار بلزوني في وادي الملوك، وأزعجه ما حدث في المقابر من سلب وتخريب، كتب يقول: "إذا كانت هناك مقابر مازالت سليمة فإنني أتمنى ألا يكتشفها الأثريون الفضوليون، لأن أصحابها سوف يتعرضون للتهديد ـ كما في عهد قمبيز ـ فالتوابيت الحجرية ومن فيها سوف تُشحن إلى لندن أو باريس". وقد أبدى الرجل أسفه لعدم وجود متحف قومي مصري لحفظ ما يستولي عليه القناصل، وفي هذا كان سابقا لعصره في التفكير.
لقد وصف بعض الأوروبيين بلزوني بأنه وصمة عار في جبين الجنس البشري.
أما دروفيتي فقد قضى معظم وقته في "السطو على المقابر ودراسة النقوش البارزة وحل الكتابة التصويرية، وكون لنفسه مجموعات أثرية".
لقد بلغ الهوس بالآثار المصرية في إنجلترا وفرنسا حدا كبيرا، لدرجة أن ملك فرنسا اشترى إحدى المجموعات الأثرية من البريطاني يني أثناسيو، مقابل عشرة آلاف جنيه استرليني بتزكية من الأثري الضليع شامبليون شخصيا. التنافس على نبش قبور طيبة ومن عجائب القدر أن التنافس بين الأثريين والمكتشفين الأجانب وخاصة (دروفيتي وسولت وبلزوني) في جمع الآثار كان نتيجة التنافس على نبش قبور طيبة وانتهاكها وتخريبها، واستمر ذلك فترة طويلة، والأغرب أن كلا منهم أثرى المتاحف المنافسة لمتاحف وطنه الأصلي، فبلزوني الإيطالي صاحب جناح بالمتحف البريطاني.
متاحف لندن تزخر بالآثار المصرية

ودروفيتي الفرنسي كانت مجموعته هي التي قام عليها متحف تورين الإيطالي، ومقتنيات سولت الإنجليزي كثير منها ـ حاليا ـ موجود بمتحف اللوفر بباريس.
لقد جرى جميعهم وراء الشهرة والربح وذيوع الصيت، وكلهم حقق ولو بعض ما كان يصبو إليه، فكلهم خرج رابحا بشكل أو بآخر، لكن الخاسر الوحيد كان علم المصريات. هوس اسمه جمع الآثار المصرية بعد هذه الحلقة التاريخية في مسلسل سرقة الآثار المصرية، تبدأ حلقة أخرى متأثرة ببلزوني الذي فتح الباب للسطو على آثار مصر، وسرعان ما تبعه الآخرون في بقية المسلسل، حيث بلغ تهريب الآثار المصرية مداه، من برديات، إلى مومياوات، إلى جعلان، وأحيانا معابد صغيرة كاملة.
لقد أصبحت هواية جمع الآثار وتجارتها هوسا أشبه بالمرض حينذاك، حتى لقد وصفها عالم فرنسي بأنها "رغبة جارفة لا تختلف عن الحب أو الطموح إلا في كونها أكثر خسة لتفاهة أهدافها".
ودخل الأمريكان اللعبة وكانوا أشد فتكا بالآثار المصرية، ويتأسف المؤلف في قوله: "إن هؤلاء الأغبياء سيذكرون من جيل إلى جيل لأنه سجلوا أسماءهم على أشهر الآثار المصرية، فأتلفوها وطمسوا نقوشها الجميلة". سرقة مصر السماوية من معبد دندرة غير أن أشهر سرقة في ذلك الوقت كان بطلها الفرنسي سباستيان لويس سولونيه الذي قام بنزع النقش البارز المشهور الذي يمثل دائرة الأبراج السماوية بكامله من سقف معبد دندرة، والنقش يصور القبة السماوية بأبراجها، ويرجع تاريخه إلى العصر البطلمي، وربما بعده بقليل، وأهميته تتلخص في أنه تصوير "لمصر السماوية" التي آمن بها المصريون القدماء. إنها صورة طبق الأصل في السماء لمصر الأرضية بما فيها من أقاليم وتفاصيل أخرى. وقد نقلت هذه القبة السماوية من دندرة إلى باريس عام 1820 لتستقر في متحف اللوفر.
"وصلت القبة السماوية إلى باريس، وكان استقبال وصولها حاشدا، وربح سولونيه ومعاونه ليلوريان، من ورائها 150 ألف فرنك دفعها الملك لويس الثامن عشر. والقبة ـ الآن ـ في اللوفر. أما زوَّار معبد دندرة فعليهم أن يقنعوا بمجرد صورة منسوخة منها". العالم الفذ شامبليون وتوسيع حدود التاريخ ويأتي دور العالم الفرنسي الفذ جان فرانسوا شامبليون المولود في 23 ديسمبر سنة 1790 في مدينة فيجا الفرنسية، ثم رحل إلى باريس، وعين أمينا بمتحف اللوفر، وكان يؤمن أن اللغة القبطية هي الامتداد الطبيعي للهيروغليفية في صورتها الدارجة. ومن خلال بحثه "الوجيز في النظام الهيروغليفي"، أثبت أن الهيروغليفية في حقيقتها مزيج بين الكتابة الرمزية والحروف المنطوقة، أي أنها أبجدية رمزية هجائية معًا. ومكافأة على جهوده منح الفرصة لزيارة مصر عام 1828 على رأس مجموعة مكونة من أربعة عشر عضوا من الفنانين والمهندسين، وكانت رحلته ناجحة بكل المقاييس، حيث زار المعابد الكبرى واستطاع أن يقرأ نقوشها، ويفهم ويدرك قيمتها الحقيقية، ومن ثم أصبح شامبليون ـ الباحث الفذ ـ أول رواد قراءة الهيروغليفية على آثار مصرية حقيقية. وقد استغرقت رحلة شامبليون سبعة عشر شهرا شهدت أروع إنجازاته، ولم يكن برنامجه يتضمن إجراء حفائر أو اكتشاف أية آثار، وكان هو نفسه معنيا أكثر بالمشاهدات والبحث ومحاولة تصنيف الآثار حسب تسلسلها التاريخي. ونجح شامبليون بضربة واحدة في توسيع حدود التاريخ ألفي سنة أو تزيد، فظهرت لنا أصول الحضارة المصرية القديمة في أزمنة كانت مجهولة حتى ذلك الوقت (عن طريق فك رموز حجر رشيد).
وقد نجح شامبليون في نقل إحدى المسلات المصرية لباريس، حينما تقدم لمحمد علي باشا بطلب إهداء إحدى مسلات الأقصر إلى باريس، وبالفعل نقلت المسلة من مكانها أمام معبد الأقصر إلى باريس عام 1830 بتكاليف نقل باهظة. ووضعت المسلة في أكتوبر عام 1836 في مكانها الحالي بميدان الكونكورد الشهير بباريس في حضور ملك فرنسا، ووسط جمع حاشد وصل إلى مائتي ألف مشاهد.
وللأمانة فإن شامبليون لم يكن من هؤلاء المهربين أو السارقين لآثار البلاد، على العكس فقد كان وراء القانون الذي أصدره محمد علي ونشر في 15 أغسطس 1835 لحماية الآثار المصرية، وحظر قيام الأفراد بالبحث والتنقيب عن الآثار المصرية، والنص على إنشاء دار للآثار تعرض فيها الآثار التي تملكها الدولة، وما تكتشفه منها بمعرفتها. وكان القانون نقلة هامة في الاتجاه الصحيح، غير أن القدر لم يمهل شامبليون لرؤية آثار القانون الجديد، فقد توفي في باريس بسكتة دماغية مات على إثرها في 4 مارس سنة 1832 وكان عاكفا على إعداد تقرير للنشر متضمنا أنباء رحلته في مصر. أمريكي يوجه التماسا إلى الأثريين الأوروبيين وعلى الرغم من جهود شامبليون وصدور القانون المشار إليه، فقد استمرت سيطرة لصوص المقابر وتجار الآثار على الحفائر الأثرية، ولكن في الوقت نفسه بدأت تظهر بعض الأصوات العاقلة التي تندد بمثل هذه الأعمال، ومن هؤلاء الأمريكي جورج جيلدون الذي وجه نداء لأصحاب الوعي الأثري بعنوان "التماس إلى الأثريين الأوروبيين حول تخريب آثار مصر".
والأمر الأشد خطورة بعد ذلك، تمثل في استخدام البارود والديناميت داخل معابد الكرنك سنة 1836، كما استخدمت حجارة معبد دندرة في بناء مصنع للسماد سنة 1835. ولم يتوقف التخريب، والتهريب. وظهرت بعض الأصوات التي تنادي بترك العلماء والتجار ينقلون ما استطاعوا نقله من الآثار القيمة التي يجدونها إلى أوربا، حيث تتوفر الحماية ضد النهب والضياع. أوجست مرييت مفتش عام الآثار المصرية ويجئ أوجست مرييت المولود في بولوينا بفرنسا في 11 فبراير سنة 1821 ليدرس قائمة الملوك التي استقرت في اللوفر بعد أن كانت في الكرنك، ثم يسافر إلى الإسكندرية، ويوجه نشاطه إلى مجال الكشوف الأثرية لجمع ما يثري به متحف اللوفر، وينجح في مهمته. بل ينجح مرييت في الوصول إلى وظيفة مفتش عام الآثار المصرية في عهد الخديوي سعيد، بعد أن أقنعه دي ليسيبس بذلك، بل طلب منه تأسيس متحف جديد للآثار يكون مرييت أمينا له. ومن الجدير بالذكر أن مرييت ـ بناء على طلب الخديوي ـ قام بكتابة النص الأوبرالي "عايدة"، بمعاونة مواطن فرنسي اسمه دي لود، ليلحنها الملحن الإيطالي فيردي في حفل افتتاح قناة السويس عام 1869. ماسبيرو وتأسيس مصلحة الآثار المصرية بوفاة مرييت في يناير 1881 تختار الحكومة الفرنسية المهتمة والحريصة على دعم نفوذها في قطاع الآثار المصرية، العالم الشاب ماسبيرو المولود في باريس سنة 1846 والضليع في علوم المصريات والخبير في الهيروغليفية. وتحت إدارة ماسبيرو تم ترتيب وتنظيم المجموعة الأثرية الضخمة بالمتحف. ومن العجيب أن يسهل اللورد كرومر (الإنجليزي) لماسبيرو مهمة تأسيس مصلحة الآثار المصرية وتطويرها. وعلى الرغم من ذلك استمرت علميات التهريب لأن المتاحف وجامعي التحف ووكلائهم كانت لهم طرقهم الملتوية في تنفيذ مخططاتهم. ومن هؤلاء الإنجليزي واليس بادج الذي بدأ حياته الوظيفية الطويلة مساعدا لأمين جناح الآثار المصرية بالمتحف البريطاني والذي كان من مقولاته التي يسوِّغ بها سرقاته:
"مهما وجه اللائمون اللوم لمن يخرج آثارا من مصر، فإن العقلاء لابد أن يعترفوا بأن المومياء في المتحف البريطاني ستكون فرصتها من العناية والصيانة أضعاف فرصتها فيما لو تركت في مقبرتها ملكية كانت أو عادية". بادج: نهب الآثار المصرية عمل مشروع تماما وعلى ذلك كان بادج يعتقد أنه يدعم المصريين القدماء أنفسهم، ويباهي بنفسه مدعيا أن القانون الأخلاقي في صفه، وأن نهب مواقع الآثار المصرية عمل مشروع تماما وحضاري، بشرط ترك بعض الآثار للمصريين للمشاهدة والفرجة أو للبحث. السيدات يقتحمن عالم السرقة
وتستهوي سرقة الآثار المصرية بعض السيدات، ومن الذين زاروا مصر وأقاموا فيها فترة طويلة الإنجليزية، الليدي دوف جوردن التي أقامت في مصر سبع سنوات متتالية (1863 ـ 1869) واختارت لسكنها مدينة الأقصر، واعترفت في إحدى رسائلها لزوجها بسرقتها لتمثال سبع أثري:
"لقد سرقته من أحد المعابد لأجلك، فقد وجدتهم يستخدمونه موطئا لأقدامهم كي يعتلوا ظهور حميرهم .. وقد سرق فلاح لأجلي خاتما فضيا جميلا التقطه من بين أنقاض الحفائر وقال لي: "لا تخطري به مرييت، أنت أولى به من مرييت لأنه إذا أخذه، سيبيعه للفرنسيين، ويستولي على ثمنه، ولو لم أسرقه أنا لسرقه هو". لذلك أخذت الخاتم لنفسي بكل هدوء".
أما الأديبة الإنجليزية آميليا إدواردز، فقد زارت مصر وسوريا خلال السنتين (1873 ـ 1874) وألفت كتابا بعنوان "ألف ميل في أعالي النيل" به وصف رائع للحياة المصرية القديمة تقول فيه:
"كل صباح أرى إخوتنا يبعثون أحياء، ثم ينقلبون تماثيل، وشعرت أنه سيأتي وقت تشرق فيه الشمس، فينفك سحر التعاويذ، فيبعث هؤلاء المردة ويتكلمون".
وفي واقع الأمر كانت الكاتبة الأمريكية تستبشع مظاهر العبث والتخريب التي رأتها في المقابر في سقارة، ولكنها انجرفت في سلك السطو والسرقة، حيث تقول:
"سرعان ما تماسكنا بعد رؤية هذه المناظر (تقصد آثار التخريب) وتعودنا عليها، ثم اندمجنا في التنقيب، والبحث بين التماثيل التي يعلوها التراب دون أن نشعر بأي حرج، حتى صرنا مثل محترفي السطو على المقابر الذين احترفوا الاستيلاء على الجثث المحنطة. هذه هي التجربة التي مررنا بها".
ولكن تكفر الكاتبة الإنجليزية عن سرقتها بعد ذلك، فتسافر في رحلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1889 / 1890 وتدعو لإنشاء صندوق دعم الآثار، كما تدعو الأمريكيين للتبرع له من أجل الاستكشافات الأثرية واستمرارها، وكانت رحلتها ناجحة للغاية ومحاضراتها تلقى ترحيبا كبيرا. وهي نفسها التي كتبت في عام 1883:
"قام الفرنسيون في الوجه القبلي، والإنجليز في الوجه البحري ببذل الجهود المضنية للكشف عن الكنوز المدفونة لأعرق شعوب الأرض". ثم تستطرد في ثقة قائلة: "قدماء المصريين المدفونين في ثرى مصر أكثر من كل الرجال والنساء الذين يعيشون فوق ثراها". ميراثنا من الهرم الأكبر ثم يجئ فلندز بيتري المولود في إنجلترا عام 1853 وبعد قراءة كتاب الفلكي بيازي سميث "ميراثنا من الهرم الأكبر" أولى عناية كبيرة ـ مع والده ـ بالأهرامات المصرية. فسافر إلى مصر وقدم مسحا مبتكرا للهرم حسب المقاييس العصرية في ذلك الوقت، ووجد أن أسلوب مرييت ومعاونيه في الحفر منفرا ومتخلفا، فكتب يقول: "إنه شيء مؤلم أن نرى المدى الضخم لتخريب كل شيء، وكان آخر ما ينال الاهتمام هو الحفظ والصيانة". مصر .. بيت مشتعل بالنار وبعد سنة أمضاها في مصر يقول: "بعد سنة من وجودي في مصر أحسست أنها مثل البيت المشتعل بالنار .. فقد كان التخريب يجري بسرعة مذهلة، وكان يتعين علي جمع ما أستطيع جمعه بسرعة، كي أحفظه حتى أبلغ الستين من عمري، فأتفرغ له ولم يكن هناك أي اهتمام بالدقة والإتقان .. أما النهب والسلب فكانا على أشدهما".
لقد أدرك بيتري الأهمية القصوى للتبويب حسب التسلسل التاريخي أثناء إجراء حفائره في نوقراطيس، وأهمية طبقات الحفر وأعماقها في تصنيف التسلسل التاريخي للآثار. بعد ذلك استطاع بيتري إقامة معرض جميل لبعض البورتريهات والمومياوات في صالة كبيرة من الجناح المصري في بيكاديللي.
ولعل اكتشافات بيتري الأثرية كانت الأساس الذي اعتمد عليه أدولف إيرمان في تأليف كتابه المعروف "الحياة اليومية في مصر القديمة" الذي صدر عام 1895. تأسيس جمعية الآثار المصرية ونظرا للحالة التي وصل إليها متحف الآثار من الفوضى والمتاجرة بدون رقيب ولا حسيب، خاصة وأن الفرنسيين قد سيطروا على إدارة المتحف منذ أيام مرييت، فقد ارتفعت الأصوات في إنجلترا مطالبة بالحد من تدمير الآثار المصرية وضرورة المحافظة عليها. ومن أجل ذلك تأسست جمعية الآثار المصرية التي وقف ضدها الفرنسيون بكل حزم خاصة عندما طالبت الجمعية بضرورة توظيف مفتش مستقل من إنجلترا، وسرعان ما شكلت لجنة للآثار لدراسة المشكلة، سيطر عليها الفرنسيون خصوصا "جريبو" الذي كان متعاونا مع التجار حسب ظن بيتري. نظرية بيتري عن التتابع التاريخي أخذ بيتري يواصل حفائره وتمكن في سنة 1894 من الكشف عن ألفي مقبرة، ثم عثر على مدفن ملكي في نقادة، واستطاع أن يثبت أن الحضارة المصرية القديمة جذورها ممتدة إلى حضارات سابقة لها في العصور العتيقة قبل عصر الاتحاد، وأنها نمت وتأصلت في وادي النيل نفسه. ولهذا تعتبر نظرية بيتري عن التتابع التاريخي واحدة من أهم إنجازاته التي أودعها في كتابه "طرق وأهداف البحث الأثري" الذي صدر عام 1904. أعقبها سيرته الذاتية "سبعون عاما مع الآثار" التي أوضح فيها كثيرا من "خطايا الزملاء الفرنسيين".
لقد كان نشاط بيتري وسرعته في الإنجاز مثار دهشة الباحثين بعده، وكان من عادته قضاء الشتاء بطوله في مصر منهمكا في الاستكشاف الأثري، ثم يعود لبلده حيث يقضي الربيع والصيف، ليكتب عن كشوفه ويقيم المعارض، وكان بيتري يتميز بغزارة الإنتاج فيصدر كل سنة كتابا على الأقل، بالإضافة إلى محاضراته الجامعية والعامة، وحلقات البحث في مقر عمله بجامعة لندن. لذا يرى البعض أن بيتري يعتبر باعث حضارة مصر العتيقة، بعد أن كانت راقدة في نقادة وفي ديوسبوليس، فهو الذي عثر على لوحة مرنبتاح. آثار مصر ملك للإنسانية جمعاء حقا .. هناك نوع من الخلود في وادي النيل، لا ينال منه مر السنين والأحقاب. وعلى الرغم من الآثار المصرية الموزعة بين المتحف البريطاني ومتحف اللوفر، وعلى الرغم من كثرة ما سرق وما نهب وما خرب، فإن مصر مازالت غنية بآثارها وحفائرها، وقد كان عرض آثار مصر المنهوبة في أوربا هو المنبه الذي أيقظ الرأي العام العالمي لضرورة وضع حد لنزيف آثار مصر لأنها ملك للإنسانية جمعاء. لذا لا يملك المرء إلا السخرية من أفكار أندريه إمريش الذي وقف ليعلن على الملأ: "إن الولايات المتحدة الأمريكية ـ دون غيرها ـ هي التي لها حق الوصاية على الفنون البشرية كلها".
ولم أدر ما الذي أقحم الولايات المتحدة ـ التي بلا تاريخ أو حضارة قديمة ـ في معركة تجرى على أرض أقدم الحضارات قاطبة على وجه الأرض. شامبليون: مصر تتلألأ في كل العصور ونختتم مراجعتنا لكتاب "نهب آثار وادي النيل ودور لصوص المقابر"، لمؤلفه بريان م. فاجان، بعبارة للعبقري شامبليون يقول فيها:
"مصر هي مصر، دائما وفي كل مراحلها وتاريخها، دائما عظيمة، ودائما جبارة: في فنونها وقدرتها على التنوير. وفي كل العصور تتلألأ مصر .. وبنفس العبقرية. أما نحن فينقصنا شيء واحد لنشبع غريزة حب الاستطلاع فينا، ذلك الشيء هو معرفة منشأ المدنية نفسها وتطورها". أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية