لا للعنف.. رؤية عربية

بقلم: السيد نجم

"السلام" هو مطلب الإنسان في كل زمان ومكان، هو فطرة الإنسانية، في مقابل "العنف" الذي يرفضه كل عقل راجح.
كم عانت الإنسانية من العنف، حتى أن بعض الدارسين أكدوا أن الإنسان عاش في صراع على الأرض الى حد الحروب، بما يمثل 80% من جملة أيامه وسنين تاريخ البشرية على الأرض. كانت القوة المادية زادا ووقودا للعنف طوال التاريخي البشرى، وكان العنف (ومازال) أبرز أساليب ومظهر هذه القوة.. من أجل مصالح مادية ومعنوية، تحققها فئة أو قبيلة أو عشيرة أو حتى دولة أو أمة.
تمثل العنف في تلك الحروب التي لم تفرق بين المقاتل والضعيف من أطفال ونسوة وشيوخ، حتى رصدوا بالإحصاء أن الضعفاء هم الأكثر تضررا من المقاتلين أنفسهم. ربما آخر إحصاء حول حروب القرن العشرين الميلادي ترصد 175مليون نسمة قتلوا بسبب العنف الغاشم الذي استتبع المعارك.. لم يفرق بين سكان المدن والمسلحين في ميدان المعركة، ولا بين مقاتل وغيره من الضعفاء.
ويشير المتابع للتقدم التكنولوجي لوسائل المقاتلة خلال الربع الأخير من القرن الماضي، هول الخسائر المتوقعة مع كل سلاح جديد. يكفى الإشارة الى مثال واحد: أن الأسطول الإنجليزي في القرن التاسع عشر ضرب الإسكندرية واحتلها (وبالتالي مصر كلها فيما بعد) باستخدام 3000 قذيفة، نجح منها في تحقيق الهدف 30% فقط .. بينما قتل بقنبلة واحدة (ذرية) القيت على هيروشيما اليابانية حوالي ستون الفا غير المصابين، والمعاناة التي تعانى منها منطقة التفجير حتى اليوم.
وقد سعت الإنسانية الى محاولة مواجهة العنف بكل صورة، بوازع ديني، وعاطفي إنساني، وأيضا كل الأيديولوجيات الأكثر تقدما، وبعيدا عن تلك العنصرية التي تذكر في كتب التاريخ من مدخل التذكر والاعتبار.
ففي القرن الماضي تشكلت عصبة الأمم المتحدة من أجل الهدف الإنساني نفسه، وان فشلت فقد جاءت بعدها هيئة الأمم المتحدة .. ومازال السؤال قائم حول تقييم دورها خصوصا مع بدايات القرن الواحد والعشرين. إلا أن السؤال نفسه ومهما كانت الإجابة مع أو ضد تلك المنظمة التي أنشئت في منتصف القرن الماضي.. هذا التساؤل لا يعنى سوى الرغبة الدفينة الأصيلة في الإنسان من أجل تحقيق السلام، ورفض كل صور العنف.
إن اختيار "السلام" يعنى اختيار "الحياة" التي جبل الإنسان على حبها، وبالتالي الاهتمام بضرورة إنجاز متطلباتها، ولا يتحقق ذلك إلا بتحقيق السلام العادل للجماعات، والسلام الروحي للأفراد.
ربما يجدر الإشارة الى بعض التعريفات:
"العنف": ضد الرفق (وقد أبرز د.سيد عويس في دراسة منشورة له حول العنف أن المقصود بالعنف في الخطاب العام الإعلامي ..أنه ذلك العنف الإنساني، أي الذي يصدر عن البشر..حيث يوجد العنف في الحيوان أيضا).
وقد يحدث العنف بين الأفراد كنمط سلوكي، أو بين الهيئات والمنظمات والجماعات مثل التنظيمات السياسية أو المهنية وغيرها. ومن مظاهر العنف "الثأر" أو المشاجرات العنيفة.. وكلها ترتكن على ثقافات اجتماعية تزكي العنف.
"السلام": هو ضد مفهوم العنف. والطريف أن البعد الأنثروبولوجي لبعض الشعوب "أي بعد الجنس الإنساني لشعوب ما"..قد يكون أميل الى السلام، بينما شعوب أخرى أميل الى العنف الى حد الحرب. وقد أوضحت الأساطير والحكايات الشعبية للصين أنها من النوع الأول، بينما الهند من النوع الثاني!
وربما من المجدي الإشارة الى مصطلح "الصراع"..حيث أن العنف يتبدى بالصراع جليا، والسلام يجعل من الصراع تنافسا شريفا كما في الصراع الرياضي. فالصراع يعد عند رجال الاجتماع، نوعا من العمليات الاجتماعية وفيه يحاول أطراف الصراع أفرادا أو جماعات أو حتى الدول تحقيق كل الرغبات التي يحتاجها، ومنع الآخر من تحقيقها. وهو على درجات منها اليومي والهين والشديد الى حد العداوة.
كما أن مصطلح "الضمير" يتداخل لتفضيل العنف أو السلام أو حتى الصراع أو العداوة. وهو البوصلة التي ترشد الأفراد والجماعات الى الخبيث والى الطيب من الأعمال والأقوال والأفكار.ز به يستقبح المرء أمرا أو يقبله ويندفع نحوه. والضمير يتشكل يوما بعد يوم منذ اليوم الأول لمولد الإنسان، بفضل الثقافات والخبرات المتوارثة والمكتسبة.
وبالتالي فما أحوجنا الآن للإشارة الى مصطلح "التربية" التي اختلفوا حوله، فليس هو التلقين اليومي من الكبار الى الصغار، بقدر أن التربية هي الخبرات المكتسبة والقابلة للتعديل والتبديل الى الأفضل بفضل سعة الأفق، وعملية التقييم المستمرة.. حتى تزدهر ملكات الإنسان ليحقق إنسانيته التي فطره الله عليها.
هناك العديد من الأمثلة والتي أوردها د.سيد عويس (في الدراسة المشار اليها سلفا)، لبيان مظاهر العنف عند الأفراد، وبالتالي تعبر عن أسلوب من أساليب العداوة:
"الإثارة"، "التسلط"، "التعبيرات البدنية"، "المعارضة المطلقة"، "مركز الانتباه"، "التمييز ضد"، "المعاملة في غير احترام"، "الأنانية"، "إرباك الآخرين"، "التعبير عن الإحساس بالسمو"، "المزاح العنيف"، "المعاملة النفعية"، "الجزع الزائد عن الحد"، "الاعتداء البدني"، "الوقاحة"، "التحكم التام مع التسليم يذلك"، "تحميل شخص ضعيف خطايا غيره"، "عقاب الذات"، "المعاملة الصامتة"، "إفساد ذات البين"، "لهجة الحديث"، "الإذعان دون اقتناع".
أما الأمثلة حول العنف عند الجماعات أو الدول، فقد أورد منها:
"التفرقة اللاإنسانية مثل التفرقة العنصرية بسبب لون البشرة"، "السجون باعتبارها مؤسسة قمعية وليست تهذيبية"، "الحروب على كافة أشكالها المحلية منها والعالمية"، "المؤامرات والدسائس العنيفة"...
ولا يسعنا إلا الحلم من أجل السلام العادل..وفى ذلك فالتنافس المتنافسون من المخلصين ..سواء كانوا من قادة الفكر أو الثقافة، أو بالعمل على غرس القيم ذات الأهداف العليا السامية العقائدية والاجتماعية معا في نفوس النشء. وفى ذلك على المسجد دوره، كما للأسرة دورها، أما المدرس فهي المجتمع الأول والهام مع الصغار، ثم كل وسائل الإعلام والاتصال الحديثة منها بعد كل ما أنجزته البشرية من تقدم تكنولوجي فيها.
وفى القرآن الكريم العديد من الآيات التي تحض على القيم العليا الإنسانية:
"ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم" (فصلت-41)
"وان الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون" (النحل- 90) السيد نجم