خمسة وعشرون عاما على زيارة السادات لاسرائيل

القاهرة - من سيمون إبيكو
السادات يلقي خطابه التاريخي امام الكنيست

كان للرئيس المصري الراحل أنور السادات أسلوب مراوغ في مفاجأة مؤيديه وخصومه على حد سواء. وقبل 25 عاما وبالتحديد في 19 تشرين ثان/نوفمبر عام 1977 أطلق السادات قذيفة من العيار الثقيل غيرت مسار الحياة السياسية في الشرق الاوسط وقلبت كل الموازين.
استقل السادات الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته طائرته الرئاسية وطار إلى إسرائيل ليصبح أول زعيم عربي على الاطلاق يزور الدولة العبرية - والتي كانت لا تزال من الناحية الفنية في حرب مع جاراتها العربيات - ويعلن السادات حقها في الوجود.
وقال السادات في خطابه أمام مجلس الشعب المصري في 9 تشرين ثان/نوفمبر عام 1977 "إن إسرائيل ستدهش عندما تسمعني أقول هذا. ولكنني أقولها. إنني مستعد للذهاب حتى إلى بيتهم .. إلى الكنيست وبحث السلام معهم إذا اقتضى الامر".
لم يصدق مناحم بيجين رئيس وزراء إسرائيل في ذلك الوقت ما يسمعه ومن ثم وضع كلمات السادات على المحك في 11 تشرين ثاني/نوفمبر وأرسل له دعوة لزيارة بلاده.
ولدهشة العالم قبل الزعيم المصري الدعوة وقام برحلته التاريخية إلى إسرائيل.
ثلاثة أشياء مهمة شجعت السادات على السير على هذا الطريق حسبما يقول الدبلوماسي المصري محمد بسيوني سفير مصر السابق في تل أبيب وخبير العلاقات المصرية-الاسرائيلية.
قال بسيوني إن السادات أدرك أن ثمة "إمكانية لحل المشكلات الدولية والاقليمية بالطرق السلمية".
وتابع الدبلوماسي المخضرم أن السادات أراد أن يستخدم هذا الاسلوب "لوضع حد للنزاع العربي-الاسرائيلي". والاهم من ذلك أن السادات خلص إلى أن "إسرائيل حقيقة وأنه يتعين التعامل مع هذه الحقيقة".
وقتها كان العرب والاسرائيليون قد خاضوا أربعة حروب منها حرب تشرين أول/أكتوبر 1973 التي خطط لها وأدارها السادات بنفسه.
وكان الجيش الاسرائيلي لا يزال يحتل أرض شبه جزيرة سيناء المصرية التي استولى عليها إبان حرب الايام الستة في حزيران/يونيو عام 1967.
يقول بسيوني إن السادات أثبت باختياره السير على طريق السلام أنه "رجل شجاع" تماما مثلما اتخذ قراره بالذهاب إلى الحرب.
ولقيت زيارة السادات لاسرائيل وخطابه التاريخي أمام الكنيست الاشادة في الغرب ولاسيما في الولايات المتحدة، وفي المقابل تعرض لانتقادات قاسية وإدانة في الداخل وفي العالم العربي الذي تحرك على الفور لعزل مصر.
وفي خطابه أمام الكنيست قال الزعيم المصري "جئت إليكم اليوم على أرض صلبة لصياغة حياة جديدة وصنع السلام".
وأضاف "لقد جئت إليكم لكي نبني معا سلاما دائما يقوم على العدل ولكن نحول دون إراقة ولو نقطة دم واحدة على أي من الجانبين. ولهذا أعلنت استعدادي للذهاب إلى آخر العالم ..".
وأعقب الزيارة نشاط دبلوماسي مكثف بين القاهرة، وتل أبيب وواشنطن تمخض في نهاية الامر عن توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر والدولة العبرية في أيلول/سبتمبر عام 1978.
لكن خصوم الزيارة رأوا فيها خيانة للقضية العربية. وكان لمؤيديه رأي آخر، إذا أكدوا أن اتفاقات كامب ديفيد وضعت أساسا لحل شامل للنزاع العربي-الاسرائيلي. وأنها ليست محاولة لحل منفرد مع إسرائيل لانهاء احتلالها للاراضي المصرية.
يقول بسيوني إن الاتفاق "مهد السبيل باتجاه سلام شامل في الشرق الاوسط"، وذلك في إشارة إلى الوثيقتين الرئيسيتين في اتفاقات-كامب ديفيد وهما اتفاق "إطار للسلام في الشرق الاوسط" واتفاق "إطار لمعاهدة سلام بين مصر وإسرائيل".
ويرى بسيوني أن مؤتمر السلام في الشرق الاوسط عام 1991 الذي عقد في مدريد واتفاق أوسلو لعام 1993 اللذان أذنا بميلاد السلطة الوطنية الفلسطينية وانسحاب القوات الاسرائيلية من الاراضي الفلسطينية إنما هما من الثمار المباشرة لاتفاقات كامب ديفيد.
ومن النتائج، غير المباشرة توقيع اتفاق بين الاردن وإسرائيل عام 1994 وتطوير علاقات أقل حجما بين إسرائيل وبعض الدول العربية مثل قطر وعمان والمغرب وتونس وذلك حسبما يؤكد الدبلوماسي المصري، ثاني سفير لجمهورية مصر العربية لدى إسرائيل.
وكانت الاردن ثاني بلد عربي يقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع الدولة العربية وأعقبتها موريتانيا عام 1999.
ويقول بسيوني إن بعض الدول العربية بدأت تدرك أخيرا أبعاد رؤية السادات الثاقبة قبل نحو 25 عاما إلا وهي إمكانية تحقيق سلام مع العدو والحاجة إلى إنهاء الصراع لصالح السلام والاستقرار.
ويذكر على وجه التحديد تبني القادة العرب خلال قمتهم التي انعقدت في آذار/مارس الماضي لمبادرة سلام سعودية بشأن السلام في الشرق الاوسط.
وتقر المبادرة التي أطلقها ولي العهد السعودي الامير عبد الله بن عبد العزيز وتبنتها قمة بيروت بالسلام "كخيار إستراتيجي" وتعرب عن استعداد العالم العربي للاعتراف بإسرائيل وإقامة علاقات طبيعية مقابل انسحابها من الاراضي العربية التي احتلها خلال حرب عام 1967.
وبسبب كل عروض السلام التي قدمها السادات للدولة العبرية اختارته مجلة "تايم" رجل العام كما منح جائزة نوبل للسلام.
وفي السادس من تشرين أول/أكتوبر عام 1981 وفي ذكرى حرب عام 1973 تلقى وابلا من الرصاص على يد متشددين إسلاميين أنهى حياته السياسية الحافلة.