التربية الدينية في حاجة شديدة الى التطوير

بقلم: عبد الناصر فيصل نهار

ابو ظبي - التعليم التقليدي للدين يمكن أن يتم في إطار المؤسسات الخاصة وأماكن العبادة، ولكن ليس في إطار الفضاء العام للمجتمع المدني كالمدرسة، فهذا الإطار هو لكل الناس بغض النظر عن طوائفهم ومذاهبهم التي ولدوا عليها، ويجب على المجتمع والدولة والأفراد والأحزاب الحفاظ على هذا الإطار المدني لأن في ذلك مصلحة الأمة والأفراد ككل.
إن التعليم التقليدي للدين عبر مادة "التربية الدينية" في المدارس، يكون أكثر إخافة وخطراً في بلدان ذات تعددية ومذهبية كما هو الحال في لبنان أو سوريا أو العراق أو مصر أو فلسطين، حيث يصبح عندئذ التعليم التقليدي للتربية الدينية بمثابة صب الزيت على النار فعلاً.
ويكون الحل في تعليم تاريخ الأديان والتربية الدينية بطرق حديثة و "التوقف كلياً عن إعطاء حق الكلام في الفضاء المدني العام للمجتمع لذلك الخطاب التقليدي الطائفي الذي يفرض نفسه وكأنه الدين الوحيد. وهذا لا يعني محاولة منع الناس من ممارسة الطقوس والشعائر الدينية الخاصة بكل دين، إن هذا غير ممكن وغير معقول ولا مقبول.
إن المقصود من ذلك ألا يظل الفضاء المدني للمجتمع مداراً من قبل الشيوخ ورجال الدين، فهؤلاء مسؤولون عن الجوامع فقط والمعاهد الملحقة بها. أما المدرسة، التي هي جزء من الفضاء المدني للمجتمع، فيجب أن تكون بمنأى عن ذلك الخطاب الديني التقليدي الطائفي، بل يجب أن يتم تدريس الدين في المدارس بشكل حديث، وعلى صعيد الجامعة ينبغي على كليات الشريعة وعموم المعاهد الدينية التقليدية أن تعدل مناهجها وأساليبها لكي تمارس دورها كما يمارس معهد الدراسات الكاثوليكية في باريس دوره، وكما يمارس معهد الثيولوجيا الكاثوليكية في ستراسبورغ دوره، وهي كلها معاهد للبحث العلمي والتاريخي في الأديان.
فإذا لم تدخل العلمنة الإيجابية إلى هذه المجتمعات ذات التعددية الطائفية والمذهبية وتنغرس عميقاً في تربتها، وإذا لم تفتح كليات لتاريخ الأديان المقارن والأنثربولوجيا الدينية وتقيم التوازن مع كليات الشريعة التقليدية والمعاهد التقليدية لتدريس الدين، فإنه ليس هناك خلاص يلوح في الأفق. قد يمكن تهدئة الأمور والنزاعات الدينية المتصلبة والمتطرفة سنة أو سنتين أو عشر سنوات ولكن الفتنة سوف تعود إلى الساحة من جديد، وهكذا دواليك.
لم ينجح التعليم الديني في تقديم الكتاب الصالح في المدرسة، ولا في إعداد المدرس القادر والتلميذ الواعي. إن مادة التربية الدينية التقليدية تظهر المدرس كمن فقد كل انتماء إلى الحاضر في تقديم المعلومات، وفي ربط المادة بمشكلات حياتية أو حية أو نافعة أو تدفع للتفكير.
يقول أحد مدرسي التربية الدينية أنها "تتجه أول ما تتجه إلى المنطق والتفكير الخالصين من شوائب العاطفة والوجدان".. هل هذا صحيح؟ هل فعلاً أن مادة التربية الدينية التي تدرس في المدارس يحكمها المنطق العلمي الحديث؟ وهل هي فعلاً خالية من العواطف والروحانيات والغيبيات التي تسكر العقل؟
كيف ذلك وهو يعود لينكر العقل حين يقول"إن أولى حكم الله تعالى في تكاليفه التي لم يفهم سرها هي أن لا يظهر في جوانبها لعقول الناس سبب واضح لكي يقوموا بأدائها بدافع عبوديتهم المجردة فحسب، إذ لو قرن كل تكليف بسببه الواضح للعقل، ولم يقم الإنسان بأدائه بعد أن يرى توقيع عقله عليه فما هو بملب نداء ربه إذ ذاك وإنما هو ملب لنداء رب آخر له هو فكره الذي في رأسه". هل تراه يريد من تلامذته أن ينفذوا إذاً ما لا يقبله عقلهم؟ أم تراه يريد منهم أن يتركوا عقولهم في البيت قبل أن يأتوا للمدرسة، وفي المدرسة يؤكدون خضوعهم وقبولهم بأي شيء يلقيه عليهم؟
كيف يريدنا أن نقتنع بتفسيره للوقائع ولأحداث الماضي عندما يعللها تعليلاً عاطفياً، وجدانياً، بأسلوب مفعم بالسجع والقصص والألفاظ الطنانة والدائرة حول نفسها "فما هي إلا آية واحدة تلاها المبلغ على أسماع أولئك الذين نبتت في قلوبهم عقيدة الإيمان. حتى حطمت الأقداح تحت الأقدام. وأهرقت دنان الخمر المعتقة على الأرض. وارتفعت أصوات الجميع تعلو قائلة: لبيك ، لقد انتهينا يا رب. وفي لحظة واحدة انقلب رجس السكر إلى طهر التوبة، واستحالت أصوات الهذيان إلى معاهدة الله ورسوله على الانتهاء والإقلاع".
هل صحيح فعلاً أن لحظة واحدة كما يقول قلبت العرب الأوائل من الكفر إلى الإيمان، من الإدمان على الخمر على الإقلاع عنه. أي تعليم ديني هذا الذي يؤجر العقل ويطلب منا الإيمان بالألفاظ والروايات حتى لتصبح هذه الألفاظ هي الحقائق بعينها ولا شيء سواها.
إن مدرس التربية الدينية يعيش في عالم الكتب الدينية وحدها، إنه يطالب تلاميذه أن تطبق ما في كتب الدين، الكتب التي أكل عليها الدهر وشرب، الكتب التي وضعها أناس مثله في واقع قديم ولواقع مضى.
إن الكتاب المدرسي الإسلامي عاجز، ثم هو فاشل أيضاً، فهو لا يأخذ التعليم الديني كجزء من مشكلة كبيرة في المجتمع، وهو بعيد عن الأساليب التربوية الحديثة، يجهل طرائق التدريس من جهة، وعرض المضمون من جهة أخرى، فضلاً عن المضمون نفسه وما فيه من أساطير وخرافات وتخويف، وأخطاء علمية.
إن النمط المرجو للتعليم الديني الحديث يجب أن يعمل على التخلي عن أن يبقى مجرد تلقين طقوس، ومعارف عن العالم الآخر. فربط التعليم بالحاضر وأخذه للواقع، وتوسيع ميدانه ليشمل الإنسان والأديان والحرية هو ما يجعل منه، لمن يشاء، مادة دراسية. إن التعليم الصحيح هو أن يدرس التاريخ الإسلامي لا من حيث هو صراع بين مذاهب وتغلب فئات على الأخرى، وأن يدرس التطور الديني على أنه في علاقة جدلية مع الواقع ومنغرس الجذور في الأحداث.
إذا ما ألقينا نظرة على مقرر الدين لتلميذ في المرحلة الابتدائية وجدنا أنه حافل بسور العقاب والعذاب، وغيرها من شروحات مما يعجّ بمقولات تهدد الكفار والخاطئين بجهنم وتصور العذاب في صور قاسية، فالنار وقودها الناس، وفي يوم القيامة" يضطرب الكون بشكل مخيف ومرعب، ويبعث الله الموتى من قبورهم".
عندما تساءلت في نفسي عن الحكمة وراء تقرير مثل هذه السور والشروحات والأقوال لطفل أكبر ما قد يرتكب من آثام هو عصيان والديه، وطاف بذهني تصور لحالة القلق والخوف والرعب التي يمكن أن يعيشها الأطفال عندما يشرع مدرس التربية الدينية بتصوير ذلك الخوف والرعب الذي يحل بالناس يوم القيامة، مُضيفاً أيضاً ما ينتج له خياله وعبقريته حول عذاب القبر ودور الملكين والنار التي تلتهم البشر.. وأية حالة من القلق والخوف يمكن أن يعيش بها الطفل عندئذ؟ وأي وعي متفتح يمكن أن ينشأ عنده ؟ وأية أحلام سوف تراوده ليلاً؟.
هذا فضلاً عما نجده من تقييدات لسلوك الطفل في أبحاث أخرى من مثل مبطلات الوضوء، والسنن الراتبة، وصلاة الوتر، وصلة الأقارب ومفسدات وآداب الصيام، في الوقت الذي نعرف أن الطفل في هذه السن بحاجة إلى ما يعزز حيويته ويعزز فضوله المعرفي ويدعم تفاؤله ومرحه ويساهم في إطلاق خياله وتفتح وعيه، وليس إلى ما يرعبه ويحد من حركته ويقيده بواجبات وشكليات ليس لها أول ولا آخر.
نشير أيضاً إلى مشكلات ما زالت بدون حل تتعلق بقراءة القرآن، فالثقافة التقليدية في المجتمع العربي لم تشجع قط قراءة القرآن، حتى بعد توفره على نطاق واسع إثر دخول المطبعة إلى العالم العربي في القرن التاسع عشر، وما زال القرآن حتى اليوم يرتل وينشد ويردد استظهاراً لكنه قليلاً مل يقرأ أو لا يقرأ أبداً، وبقي تأويله حكراً على الاختصاصيين أو رجال الدين الرسميين، بحيث لا ينبع تفسيره من قراءة النص بقدر ما يستخلص من الشروح والتعليقات".
أما في أوربا فكان لاختراع الطباعة أثر رئيسي في جعل الكتاب المقدس المطبوع متوفراً على نطاق واسع مما أدى إلى نشر الثورة البروتستانتية وتعميقها، وأصبحت القراءة الشخصية للكتاب المقدس تطوراً ثورياً على الصعيد الفكري لأنها حققت انتقالاً بالغ الأهمية هو بمثابة انتقال من البيان والبلاغة إلى الفهم والتأويل.
مشكلة أخيرة في تدريس مادة التربية الدينية بالشكل التقليدي: يلفت انتباهنا إليها أيضاً أحد مدرسي التربية الدينية السابقين بقوله :" غير أن هناك خطيئة أخرى يجب أن نتحدث عنها وننتبه إليها. تلك هي خطيئة عدم الانسجام بين مادة التربية الإسلامية والمواد الأخرى أو بين مدرس التربية الإسلامية ومدرسي المواد الأخرى". إننا نلمس ذلك حقيقة، ولكن الغلبة فعلاً تكون في المجتمع العربي للأفكار الواردة في مادة التربية الدينية. والسبب واضح وهو أن المواد العلمية لا تدرس بشكل علمي ومنهجي مما يبقي أثرها ضعيفاً بالنسبة للتلاميذ الذين يلجئون عندئذ لأجوبة التربية الدينية البسيطة والجاهزة وغير المتعبة.
هنا نستطيع أن نفسر لماذا أكثرية طلاب الكليات العلمية في الجامعة تكون من المتدينين المتزمتين، مع أنهم يدرسون مواداً علمية تصل أحياناً إلى درجة التناقض الصارخ مع الأفكار الدينية.
كيف يكون الحل برأي صاحبنا مدرس التربية الدينية؟ إنه يرى ضرورة اصطباغ بقية المواد بصبغة مادة التربية الإسلامية وهذا يتوقف برأيه على شرطين: " أولهما أن تمحص جميع الكتب المدرسية على اختلاف موادها من كل ما عسى أن يوجد فيها من الزيغ الفكري والعقائدي، بحيث يتضافر جميعها على خلق محور فكري وعقائدي واحد، وثانيهما أن يمحص المدرسون ممن عسى أن يوجد بينهم من دعاة الأفكار الهدامة وأصحاب العقائد الخرافية الزائفة فيحال بين هؤلاء وبين عقول النشء".
ولو فعلنا ما أشار به صاحبنا فماذا ستكون النتيجة ؟ سوف نصل إلى نتيجة وهي شطب المواد الدراسية الأخرى، ويصبح منهاجنا التعليمي مؤلفاً من مادة التربية الدينية فقط، وسوف يبقى عندنا في كل مدرسة مدر س واحد هو مدرس التربية الدينية. كأن صاحبنا يقول لنا: إن الحقائق العلمية وجدت منذ 1400 عام وليس العلم الحديث علماً إلا بمقدار ما يثبت لنا حقائقنا وقناعاتنا الموروثة، والويل كل الويل لهذا العلم وأتباعه إن هو آتي بغير ما يثبت قناعاتنا المسبقة. ونهاية هذا الحل الذي يدعونا إليه ستكون بأن العلم وقوانينه عندنا تختلف عن العلم وقوانينه في العالم أجمع، سوف تكون لنا قوانين وللعالم قوانين أخرى، سوف نكون مغلقين في بلادنا، بعيدين عن العصر، وكأننا مخلوقات مختلفة عن سائر الخلق.
هل الحل يكون بأن نتعامل مع العلم مثلما نتعامل لدى شراء الفواكه؟ نأخذ منه ما يتفق مع قناعاتنا المسبقة ونترك الباقي؟ هل الحل يكون بأن نعود بالعلم للوراء ليتفق مع أحداث ووقائع وقوانين منذ 1400 عام؟ أم نسمو بمادة التربية الدينية إلى الأمام لتساير العلم والمنهج الحديث، ونربط التربية الدينية بالحاضر والواقع وتوسيع ميدانها لتشمل الإنسان والأديان والحرية والعلم. عبد الناصر فيصل نهار
nahar@meo.tv