سقوط القيصرية.. وسقوط الشيوعية

ابوظبي - أصدر مركز زايد للتنسيق والمتابعة دراسة حول "سقوط القيصرية .. وسقوط الشيوعية" للكاتب الدكتور جاد محمد طه عرضت في فصلها الأول للتحولات السياسية في روسيا قبل الحرب العالمية الأولى ولتطور الأحداث في ظل المؤثرات الفكرية التي مهدت لسقوط القيصرية مع ازدياد المد الثوري الذي بدأ في روسيا في أواخر القرن التاسع عشر.
وترجع أصول الثورة الشيوعية في روسيا إلى النظرية التي دعا إليها كل من كارل ماركس وزميله فردريك انجلز إلى ما أصبح معروفاً باسم "الثورة الشاملة من أجل مجتمع المساواة المطلقة". وترتكز هذه النظرية الشيوعية على دراسة التطور التاريخي للبشرية على ضوء المادية الديالكتية القائلة بأن تاريخ البشرية يجب أن ينظر إليه من الزاوية الاقتصادية، وأن يدرس على أساس التفسير المادي للتاريخ . فهناك العصور التي ساد فيها الإقطاع، والعصور التي ساد فيها النظام الرأسمالي، وأصبح عصر حكم البروليتاريا (الطبقات الكادحة) قاب قوسين أو أدنى.
وكان كارل ماركس أول من فلسف هذه النظرية وعمل على نشرها عندما أصدر البيان الشيوعي وكتابه "رأس المال". وتتبلور هذه النظرية في الدعوة إلى الاشتراكية العلمية التي لا ملكية فيها ولا طبقات، والمساواة فيها مطلقة بين الأفراد. ومن هنا كانت هذه النظرية حرباً على الطبقات الارستقراطية والبرجوازية وكبار الملاك والإقطاعيين، وأصحاب الأعمال والمصانع والشركات المالكة لمؤسسات إنتاجية، على اعتبار أن كل هذا يمثل قوى استغلال للطبقة الكادحة.
وتوضح الدراسة بأن الفكر الماركسي يرى أن التطور في وسائل الإنتاج الزراعي والصناعي أدى إلى وجود علاقات إنتاجية جديدة وبذلك حلّت علاقة الإقطاعي بالقن محل علاقة السيد بالعبد في المرحلة السابقة.
ومع قيام الثورة الصناعية، تغيرت علاقات الإنتاج، فانهار النظام الإقطاعي ليحل محله النظام الرأسمالي، ولكن هذا النظام الجديد احتوى على تناقض أساسي: فبينما ملكية أدوات الإنتاج ملكية فردية فإن العملية الإنتاجية نفسها عملية جماعية، وهذا التناقض يتلاشى عندما تصبح ملكية وسائل الإنتاج جماعية أيضاً، وهكذا ينهار النظام الرأسمالي في نظر الماركسيين ليحل محله النظام الاشتراكي.
ويهتم التحليل الماركسي للجانب الاقتصادي أساساً بتحليل النظام الرأسمالي، وإظهار القوانين التي تحكم سيره، فالعملية الإنتاجية في النظام الرأسمالي تتم أساساً من أجل تحقيق الربح للمالكين لوسائل الإنتاج أي للرأسماليين . وعلى هذا فإن طرفي العلاقة الإنتاجية من وجهة النظر الماركسية هما الرأسمالي والعامل، وهذان الطرفان بينهما تناقض أساسي حيث يسعى الرأسمالي إلى زيادة أرباحه، لكن هذه الزيادة لا يمكن أن تتحقق إلا على حساب أجور العمال، والعمال بدورهم يريدون أن يزيدوا من أجورهم، وهذه الزيادة لا يمكن أن تتحقق إلا بإنقاص ربح الرأسمالي. وهذا التناقض لا حل له إلا باختفاء أحد الطرفين . وتوضح الدراسة استناداً إلى النظرية الماركسية أنه لما كان اختفاء الجانب المنتج – العمال – فمعنى ذلك توقف العملية الإنتاجية، فإن المنطقي أن يختفي طرف العلاقة غير المنتج أي الرأسمالي وبذلك لا يبقى سوى العمال، وعندئذ يتحقق في نظر الماركسيين النظام الاشتراكي.
وفي سياق تطور الأحداث وسقوط القيصرية، أشارت الدراسة إلى أن البولشفيك تمكنوا في الفترة ما بين 1919 و 1920 من القضاء على الحكومات المعادية التي تألفت في أوكرانيا وروسيا البيضاء، وقبضوا على زمام السلطة في ولايات القوقاز وأذربيجان وأرمينيا وجورجيا، حيث تألفت بها حكومات انضمت إلى النظام السوفييتي الجديد. أما سيبريا، فقد استطاعت القوات الحمراء أن تستولي فيها على أومسك وتومسك وارتكتسك، والمنطقة التي تقع غرب بحيرة بيكال، والتي تكونت منها جمهورية مستقلة أطلق عليها اسم جمهورية الشرق الأقصى . وفي نوفمبر 1922 قررت الجمعية التأسيسية التي تكونت في تلك الجمهورية الانضمام إلى جمهورية السوفييت الاتحادية الاشتراكية الروسية . وكان مؤتمر السوفييت العام قد أصدر في ربيع عام 1818 دستوراً تأسست به الجمهورية، وتقرر أن تكون موسكو عاصمة قومية لاتحاد الجمهوريات السوفييتية بدلاً من لينينغراد.
أما الفصل الثاني من الدراسة التي أعدها المركز، فقد عرض لسقوط الاتحاد السوفييتي والشيوعية، وحلل نظام الحكم في الاتحاد السوفييتي الذي كان نظاماً هرمياً تتكون قاعدته الكبرى من صغار الفلاحين والعمال والمثقفين المنضمين في لجان أو مجالس محلية يدعى كل منها سوفييت، ومعناها باللغة الروسية مجلس.
وأشارت الدراسة إلى أن الديكتاتورية الشيوعية تمثلت في تحكم الحكومة السوفييتية في حرية العمل وحرية الصناعة وحرية البحث. وهي التي تفرض أيضاً على المصانع أنواع الصناعات المطلوبة، وعلى الفنانين أنواعاً خاصة من الفنون، مع أن الفنون عملية نفسية وجدانية شخصية. وكانت في ذات الوقت توجه التربية في الاتحاد السوفيتي توجيهاً شيوعياً، لأن الماركسية هي الفلسفة الرسمية التي كان معترفاً بها في جميع مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وفي عرضها لأسباب سقوط الشيوعية في الاتحاد السوفييتي، أوضحت الدراسة مدى تأثير الحرب السوفييتية الأفغانية، والتي كانت عاملاً رئيسياً في تدمير الأسطورة التي أحاطت بالاتحاد السوفييتي لمدة عقود من السنين، مع ارتباط ذلك بالبيريسترويكا والغلاسنوست، ومع انهيار وتخلف الاقتصاد.
وقد سادت في روسيا وفي غيرها من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، نظرتان أساسيتان حول أسباب انهيار الاتحاد السوفييتي، وتمثلت إحدى هاتين النظريتين في "نظرية المؤامرة" والتي اختزلت هذه المشكلة البالغة التعقيد في مقولة إن الغرب كان له مصلحة في انهيار الاتحاد السوفييتي، ولهذا قوضه بالاعتماد على عملائه . أما وجهة النظر الأخرى فتقول إن الاتحاد السوفييتي انهار بفعل قوانين التطور التاريخي الموضوعية، ولأنه كان إمبراطورية مصطنعة، ولذلك فإنه لم يستطع أن يصمد في السباق مع الحضارة العصرية التي قدمت اطروحات عالية للتقدم الديمقراطي والاقتصادي والاجتماعي والإعلامي والتكنولوجي.