التجول في حاضرة تونس اشبه بمغامرات السندباد

حديث ام قديم؟ لا يهم. فانت في تونس

تونس - التجول في رحاب المدينة التونسية العتيقة يعد مغامرة من مغامرات السندباد. فكل حجر فيها يحكي أمجاد افريقية.. مدينة مسافرة زادها الزمان وقد حطت رحالها بين الهضاب الخضراء وسفح جبل " بوقرنين".
انها مدينة تونس التي جمع قلبها الزمان، فكان يوم اللقاء لقاء حاضرة عبد الرحمن بن خلدون التي تحكي عن الماضي الغابر وتحدث عن المستقبل الزاهر المتشبث بتراثها الزاخر بالأصالة والمجد.
في رحاب المدينة التي ولدت منذ ثلاثة عشر قرنا على شريط ضيق من الأرض وباتت اليوم ملتقى الحضارات والثقافات، ملتقى شعوب افريقيا.. في رحابها يحلو التجوال لاكتشاف معالمها من قصور أصيلة كرست فضاءها وسخرت رحابها للإبداع المعاصر. جوامع وديار ومدارس وحمامات ومقامات وترب وأسواق وبوابات ثلاث تنفتح على تونس. تطور العمران في أصالة معاصرة كنوز المدينة العتيقة وتاريخ تونس هو في حقيقة الأمر تاريخ المعمار والبناء والعمل الدؤوب أكثر منه تاريخا يروي سير الحكام والشيوخ العرب والجنرالات والدايات والبايات الأتراك.

الصناعات الشعبية: تاريخ عريق
ولتطوير مظاهر الجمال في المدينة العتيقة التي اكتست بأبهى وأجمل الديار والقصور الإسلامية في أحد أزقة المدينة العتيقة وبالتحديد في نهج سيدي قاسم يطالع الزائر دار بن عبد الله التي باتت تضم حاليا "مركز الفنون والتقاليد الشعبية".
ويرجع بنا تاريخ هذا القصر إلى سنة 1976 وزيارة هذا المركز - المتحف هي أكثر من مجرد مغامرة: انها رحلة في ماضي هذه القصور الفخمة حيث يتغلغل الزائر في خاصيات الحياة العائلية الناعمة لسكان هذا المكان.
قاعات المتحف، غرف الأسياد في سنوات القرن الثامن عشر تطوق ساحة كبيرة غير مغطاة، تحتوي على مجموعات تحف فنية تعكس نمط عيش البورجوازية التونسية في القرنين الثامن والتاسع عشر من خلال ذوق رفيع واختيار ذكي للبدلات التقليدية المطرزة بالذهب والجواهر والمرصعة بالحجارة الكريمة وغيرها من أدوات الاستعمال اليومي ذات الرقة والجودة العاليتين ويضم القصر أربع قاعات خصصت أولها لرب البيت والثانية للعروس والثالثة لربة البيت أما الرابعة فهي مخصصة للأطفال ولا يكاد المرء يصحو من سحر المكان وروعة ما صنع الانسان بدار بن عبد الله حتى يعود إلى عالم الجمال والحسن ويظن المرء أنه مسحور اذ ترى عيناه ثانية بعد الخروج من دار بن عبد الله والتجول ردها من الزمن في الأزقة العتيقة .. معلما ذو واجهة فخمة رائعة يعلوها عمادان متشابهان يفصلهما قوس مقصب ومزين بعقد من الحجارة الملونة. كما يوجد في كل جهة من الواجهات الأمامية عمود منضد من الرخام أما جدران الدريبة (بهو الدخول) فهي متكونة من أقواس صغيرة تعلو مقاعد مبنية.
وتتابع سيرك قدما لتسأل أنذاك أين أنا؟ ويأتيك الجواب أنك في دار عثمان داي (1594 – 1610) الذي نظم اعتمادا على اسطول حربي منظم ومدرب سباقا غنم منه غنيمة هامة مكنته من بناء هذا القصر الذي جعله لاستعماله الخاص بعيدا عن دار الحكم في "القصبة" ومشاكل الانكشاريين والثوار ويحيط بهذا القصر كل من نهج المبزع ونهج الدباغين ونهج المجاهدين وتمثل هذه الأنهج الثلاثة سوار يفتح مباشرة على نهج المبزع أين بنيت – أبواب تمنع الدخول إلى القصر الذي يمتد فناؤه بين بابين ضخمين تعلوهما خمسة أقواس مقصبة تحمل عقدا منحوتة في شكل أركان من اللونين الأبيض والأسود ترتكز على أعمدة ذات تيجان أندلسية ويتواصل تتالي هذه الأقواس على طول الجهتين المحاذيتين للساحة في شكل أقواس مغلقة. ديار تروي سيرة الأمجاد ويتابع المتجول رحلته في رحاب المدينة العتيقة ليجد أمامه "دار حسين" أحد أجمل معالم المدينة الزاخرة بالدور العربية الشاهدة على أمجاد الأجداد فقد بنيت دار حسين في المكان الذي بني فيه قصر بني خرسان خلال القرن الحادي عشر. وقد بناها اسماعيل كاهية وزير وصهر علي باي (1758 – 1781) ثم سكنها في بداية القرن التاسع عشر يوسف صاحب الطابع وزير حمودة باشا وقد ضم القصر بعد ترميمه سنة 1858 أول اجتماع لمجلس بلدي يترأسه الجنرال حسين ومن هنا جاءت تسميته بدار العشرة نسبة إلى الأعوان العشرة اللذين كانوا يكونون المجلس.
ويجد المتجول نفسه بعد مروره بسقيفتين متعاقبتين في ساحة ذات أعمدة رخامية إيطالية الأصل أما الجدران فهي مغلفة بخزف القلالين الذي يتجاوب معه لوحات فنية رائعة من الخزف في شكل محاريب ذات مزهريات خلابة بينما تشهد ركائز الأعمدة من النوع الكوريتياني الحديث على براعة النحاتين الإيطاليين وتحتفظ القاعة الرئيسية ومخادعها بالتصميم الكلاسيكي وتحيط بها المقصورات في ثلاثة من الغرف الأربعة التي تطوق الساحة بينما تمثل الغرفة الرابعة نزوة من نزوات يوسف صاحب الطابع فهي غرفة ذات شكل شبه مربع تحتوي على المخادع التقليدية لكنها مغطاة بأقواس مخصصة على شكل مزهريات تنبثق منها باقات من الورود المنقوشة على صورة جدائل ملتوية تغلف الجهات الأربع للقوس الرئيسي ويتابع المتجول رحلته ليقف متأملا روعة التصميم وبساطة ورقة الزخرفة لدار الحداد التي شيدت في الجهة الجنوبية لضاحية بني خرسان القديمة وقد تم بناؤها في القرن السادس لذلك فإنها تعد من أقدم المنازل التي بنيت في المدينة العتيقة.
وقد كانت هذه الدار منذ بداية القرن الثامن عشر على ملك عائلة من أعرق العائلات في صنع الشاشية، ذات أصل أندلسي، هاجرت إلى تونس في غضون القرن السادس عشر وقد قدمت للأندلس العديد من شيوخها ويتأمل المتجول بساحة الدار الأروقة ذات الأعمدة المقلدة الشكل وقد طوقت بتيجانها الحفصية من الجهات الثلاث بينما تحتوي الجهة الرابعة من الساحة على ثلاثة كواة مستطيلة يوجد تحت كل من الكوتين الجانبين مقعد حجري مما يزيد المنظر شاعرية وجمالا أما الطابق الأعلى فيحتوي على رواق يطل على الجهات الأربع وفي كل ركن منه أعمدة ترتكز على قاعدة مكسورة الزوايا يربط بينها "درابيز" من الخشب المصقول والمنقوش.
ويلاحظ المتجول بدار الحداد خلافا للتقسيم الجاري في الديار أن جناح الخدم غير منفصل عن بقية الأجنحة الأخرى وخاصة أجنحة الأسياد إذ ينقسم على يمين وشمال العلية المقابلة لبهو الدخول ويستعمل جزء منها كمخزن للذخيرة وزاوية للبئر تؤدي إلى ساحة صغيرة أين يوجد المطبخ والحمام. وقد صممت واحدة من الغرف الستة الموجودة في الطابق العلوي للقصر، بطريقة فنية غير معهودة فهي عبارة عن غرفة رئيسية في الوسط تحيط بها أربعة مقصورات جانبية صغيرة.
وتتواصل الرحلة ليرى الزائر بصمات الفنانين الاسبانيين والمغاربة واضحة في دار الباي التي أقامها ولي العهد الحسيني سنة (1975) على آثار البناءات المرادية وزاده بطابق إضافي رائع. وقد تميزت الغرفة المحيطة بالفناء جنوبا وشرقا بفخامة وابداع النحاتين والفنانين المغاربة اللذين استقدمهم خصيصا للقيام بلوحات منحوتة على الجبس زادت دار الباي بهاء على بهاء إضافة إلى النحوت والزخارف الأندلسية.
جامع الزيتونة درة المدينة العتيقة
بين الأسواق ووسط الألوان الزاهية يرتفع من قلب المدينة العتيقة أهم حرم في تونس، انه جامع الزيتونة حاضن النوابغ ومنشأ العلماء والذي يمثل جزءا أساسيا من أجزاء المدينة العتيقة والذي يتوافق تاريخ بناءه مع تاريخ تشييدها وقد قـام الأمير الأغلبي ابراهيم بن الأحمد (856-863) بإعادة بناء جامع الزيتونة، وتحتوي القاعة الكبيرة على ما لا يقل عن 184 عمودا قد تكون أخذت من الآثار القرطاجنية ووزعت في تصميم جديد ومنذ ذلك الحين طرأت على هذا المبنى عدة تحسينات أرادت كل عائلة حاكمة من خلالها أن تخلد بصماتها على هذا المعلم الجليل.
وتمثل قبة البهو (مباشرة فوق قاعة الصلاة من جهة الساحة) انجازا من أروع الانجازات المعمارية "الزريدية" للقرن الحادي عشر والتي تعدد فيها الكواة (المشاكي) في انسجام بديع مع ألوان الحجارة. أما المكتبة التي يحويها الجناح الشرقي من قاعة الصلاة فقد أسسها السلطان أبو عثمان سنة 1450 هـ وفي بداية القرن السادس عشر أضيف إلى الواجهة الأمامية للناحية الشرقية رواق من الأعمدة القديمة، كما أضيف ثلاثة أروقة تحيط بثلاث جهات من الساحة إضافة إلى بناء صمعة جديدة عوضت سنة 1834 ببرج يبلغ طوله (44) مترا بحجة أن هذه الصمعة لم تكن عالية بما فيه الكفاية. ويوجد هذا الحرم الجليل في ملتقى محورين رئيسيين الأول شمالي – جنوبي والثاني شرقي – غربي وتحيط به الأسواق والعطارين وبائعوا الأقمشة والمكتبات أما بقية الأنشطة الاقتصادية فانها تحيط بهذه الأسواق مكونة بذلك دائرة اقتصادية حية وهامة. أسواق لها تاريخ وتزخر المدينة العتيقة بالمدارس التي لعبت دورا هاما في نشر العلم والمعرفة وكذلك الجوامع والزوايا والتجول في رحاب المدينة العتيقة مهما طال لا يشبع الإنسان النهم للجمال والأصالة فروعة المدينة تقود المتجول من درب إلى زقاق ومن سوق إلى زنقة ومن معلم إلى آخر لإكتشاف القصور والمدارس والأسواق فقط بل للتعرف أيضا على روح وفكر مصمميها ومبدعيها اللذين لا تزال روحهم حية وحاضرة رغم مرور كل هذه القرون.
والزائر لمدينة تونس العابقة بالحاضر المعطر بياسمين الأجداد وانتصاراتهم حيثما وطئت قدمه ازقتها الهادئة وشوارعها الضيقة يرى ذلك التناسق الجميل للظلال والأضواء داخل أسواقها المترابطة التي وصل عددها ذات يوم أكثر من ثلاثين سوقا كما أفاد العلاقة الشيخ عثمان الحشايشي في كتابه. أما أشهر هذه الأسواق فهو سوق الحفصي ويسمى سوق الشواشية حيث تخدم فيه صناعة الشاسية وهي من الصناعات الأندلسية التي اختص بها أكابر أعيان تونس، وكان لها رواجا عظيما في جميع ممالك العالم الإسلامية وبها أثري أهالي تونس ويليه شهرة سوق العطارين وهو من الأسواق المعتبرة بتونس وجميع تجاره من أعيان البلاد فيه تباع أنواع المياه الطيبة كماء الياسمين وماء الورد والعنبر والعود القماري والحناء والشمع والمسك والكافور.
كل فنان مر او عاش في تونس ترك لمسته
وقد اشتهرت هذه الأنواع التونسية في جميع أنحاء افريقيا وبين سوق العطارين وسوق الحرائرية خطوات معدودة وفي هذه السوق عبارة عن مئات من الدكاكين بها أنواع من الملابس الحريرية للنسوة كالسفساري وهو رداء تلتف به المرأة عند خروجها إلى الشارع و(الفوطة) وهي ازار تديره المرأة حول الخصر و(التقريطة) وهي منديل من حرير تغطي به المرأة رأسها والفرملة وهي صدار مشقوق الصدر دون يدين وغير ذلك من الاقمشة وترتبط سوق الحرائرية بسوق القماش الذي يباع فيه القماش البلدي وأنواعه و(القرماسود) الهندي بأنواعه و(الزرابي) و(السجاد) الحريرية و(الصوفية) في دكاكين منظمة كما يباع به أنواع من الحرير وغيرها، وبالقرب منه سوق (الفكهة) أي الفواكه الجافة وفيه تباع الفواكه بأنواعها من اللوز والجوز والفستق والتمر بأنواعه وهذا السوق مجاور لجامع الزيتونة من جهة الغرب.
ومن الأسواق الشهيرة أيضا (سوق القرانة) وفيه يباع سائر البذور من القرفة والزعفران والفلفل الأسود وحبة البركة والسكر بأنواعه والقهوة والشاي وبالقرب من سوق الترك نجد سوق البركة وهو السوق الذي يباع به سائر المجوهرات من الأحجار الثمينة والساعات والسلاسل الذهبية والخواتم والحلي والأقراط وغير ذلك ولسوق البركة قانون وأمين خـاص به وقد كان يباع في هذا السوق العبيد أي المماليك فأبطله أحمد بـاي سنة 1257 هـ (1841 م) عندما منع بيع الرقيق ولذلك سمي سوق البركة لأن البركة في اللغة بالكسر اسم لجماعة الإبل الباركة وقد كانت الإبل الحاملة للعبيد تأتي بهم فتبرك هناك كما يوجد سوق الربع وهو معد للنساء خاصة يباع به لباس النساء الثمين من نوع الفضة وملبوس العرائس كالقمجة والسراويل والفرملة والجبائب وسوق الكتب المجاور لمدخل جامع الزيتونة من جهة الشرق وفيه تباع سائر الكتب بأصنافها سواء كانت مخطوطة أو مطبوعة ومنها ما كان يباع، قديما، بطريق المزايدة على يد الدلال ومنها ما يكون في دكان الكتبي وبها عدة دكاكين وسوق النحاس وفيه تصنع الأواني النحاسية كالصحون والقدور على أنواعها وتباع به جميع الأنواع المذكورة.
كما توجد في المدينة أسواق عديدة مثل سوق الباي وسوق الجرابة ( نسبة الى سكان جزيرة جربة ) وسوق السراجين ( حيث تباع السروج) وسوق البرانسية ( المخصص لبيع البرنس التونسي) وسوق الزيت وسوق البلاغجية وسوق باب بنات ومن الأسواق القديمة التي لم يعد لها أثر سوق فندق الغلة وسوق الزيايدية وسوق اللبن وسوق الفحم.