نحو إعادة كتابة التاريخ العربي

بقلم: عبد الناصر فيصل نهار

تفتقر دراسة وتدريس التاريخ في الوطن العربي إلى عوامل الموضوعية والمنهجية التاريخية، فلا زالت تحكمه الأخبار والسرد الروائي البعيد كل البعد عن التحليل المنهجي للأحداث والوقائع. وقلما نجد كتاباً في التاريخ يدرس في مدارسنا ويعرض لنا منطقاً علمياً لأحداث الماضي أي القوانين العامة التي تحرك البشر في التاريخ. والواقع إن ما يعرض في كتب التاريخ ليس أكثر من أخبار بدون رابط منهجي بينها بدون تعليل لماذا جرى ذلك ولماذا لم يحدث ذاك.
إن دراسة منطق التاريخ والأحداث والوقائع ليست مهمته فقط معرفة أخبار الماضي، بل إن له مهمة أكبر تتمثل في معرفة ماذا سيحدث في المستقبل وإلى أين يسير واقعنا الذي هو نتيجة أحداث متراكمة في الماضي. لذلك فإن الطريقة التي يدرس فيها التاريخ في بلداننا العربية لا تفيد بتحديد مسار تاريخنا لذلك يبقى الفرد العربي جاهلاً بتطور الأحداث، وينظر دائماً إلى المستقبل نظرة ملؤها الشك والريبة والخوف والمفاجآت غير المنطقية التي يرغب بحدوثها في المستقبل كي تخلّصه من واقع البؤس الذي يعيش فيه.
كذلك تصور لنا كتب التاريخ في الوطن العربي أن البلايا والمشاكل التي يعيشها المجتمع العربي دائماً هي نتيجة مؤامرات تحبكها القوى الخارجية من استعمار وصهيونية ضد المجتمع العربي في نوع من تبرئة الذات وعدم تحميلها المسؤولية. وننسى في ذلك أن الاستعمار الخارجي ما كان لينجح لو لم يجد تربة خصبة وصالحة داخل المجتمع العربي لا تستطيع مقاومة الاستعمار بسبب تأخرها وعجزها. فضلاً عن أن تاريخنا يدرس على أنه تاريخ أفراد غير عاديين قاموا بصناعة تاريخنا من رسل وأنبياء وخلفاء وزعامات مختلفة بدون اهتمام بحياة البشر في فترات التاريخ المختلفة، ونوعية الإنتاج والاقتصاد والظروف الاقتصادية والسياسية التي تهيئ لحدث ما دون غيره من الاحتمالات الممكنة. فإذا بكتب التاريخ تتحدث عن فضائل الخليفة الفلاني، ومساوئ الخليفة الآخر، والصفات الشخصية لكل منهما، وزوجاتهم وأبنائهم، والطريقة التي قتل فيها. ولا يتم التعامل مع موضوع السلطة الحاكمة على أنها نتيجة توازنات مختلفة على أرض الواقع تحكم وتحدد المواهب والخصال الشخصية وليس العكس.
والمسألة الأكثر غرابة في تدريس التاريخ في مجتمعنا العربي هي أننا كثيراً ما نقف حائرين أمام فترات زمنية معينة من تاريخنا لا نعلم شيئاً عنها البتة. ويكون القصد من ذلك نسيانها أو إسقاطها على التاريخ بسبب أنها لا زالت تتعلق بحكم قائم على أرض الواقع أو بمصالح لا زال هناك استمرار لها. وما ينتج عن ذلك اختلاف التاريخ والأحداث والوقائع التي تدرس في بلد عربي ما عن بلد غيره بسبب المصالح المختلفة للسلطة في كل من البلدين فيتم إبراز أحداث على حساب أحداث أخرى وتضخيم واقعة صغيرة وطمس معالم الأحداث الكبرى. والوطني هنا يكون في بلد آخر خائناً، والخائن هنا يكون وطنياً في بلد آخر.. وهكذا.
إن دراسة التاريخ العربي تُعاني من مشكلة جديرة بالنظر أيضاً تكمن في ضرب من الانفصام التاريخي المفتعل نتيجة الفصل الحاد بين مرحلتين هما: ما قبل الإسلام وما بعد الإسلام. لقد درج المؤرخون العرب قديماً وحديثاً على اعتبار ظهور الإسلام في الجزيرة العربية وانتشاره على امتداد الرقعة الشاسعة من الأرض بعد ذلك بداية للتاريخ العربي "الحقيقي" أو ينظر إليه على أنه قفزة في الزمان والمكان أخرجت أهل الجاهلية من الظلمات إلى النور، أي من عالم النسيان والعماء إلى عالم المعرفة والحضارة والثقافة. ولم يؤخذ الإسلام باعتباره قمة تطور طبيعي تدرج في التاريخ، وتهيأت لظهوره أسباب وعوامل مهّدت السبيل أمام انبثاق الرسالة المحمدية بشكل مكّن لها النجاح العظيم الذي حققته هذه النظرة إلى عالم "الجاهلية". سبب هذه المشكلة الخطيرة الرغبة الجامحة في محاولة لطمس ما قبل الإسلام باعتباره مناقضاً لما بعده، مع تسليمنا بالفضل الكبير للإسلام على التاريخ العربي والحضارة العربية.
ومحاولة الطمس هذه ظاهرة تاريخية معروفة للغاية، وقد نتج عن ذلك أن تم تناسي تاريخ ما قبل الإسلام حتى صار مجرد أساطير نجدها في كتب بعض النسابين والإخباريين الإسلاميين مليئة بالخلط والتشويش. ومن الواضح أن "عقدة" من نوع خاص نشأت في الإنسان العربي قد نسميها "عقدة نقص" أو "عقدة الشعور بذنب الكفر" نتيجة حملة التشويه لما سمي بالعصور الجاهلية جعلت العربي يحاول التبرؤ من ماضيه والانسلاخ عن هذا الماضي السيئ السمعة.
هذه الظاهرة تتكرر في محاولة لطمس فترات أخرى من تاريخنا العربي فنلاحظ مثلاً "إهمال العرب المعاصرين لقرون الخمول والانحطاط" في العهد العثماني بحيث اصبح لا يدرس في أي بلد عربي بإمعان . وهذه الظاهرة أيضاً سببها عقدة النقص التي تتحكم بالإنسان العربي فيحاول أن يرى فقط ما هو عزيز ومجيد في تاريخه. عبد الناصر فيصل نهار