باريس في حديث عيسى بن هشام «للمويلحي»

بقلم: أحمد فضل شبلول

"حديث عيسى بن هشام" من الأعمال الأدبية الشهيرة التي صاغها على نسق المقامات الكاتب محمد بن إبراهيم المويلحي (1868 ـ 1930) الذي درس في الأزهر، واشترك في الثورة العرابية، وغادر البلاد فأقام مدة في فرنسا وتركيا.
وهو ابن الأديب والكاتب إبراهيم بن عبد الخالق بن إبراهيم بن أحمد المويلحي، المولود في مويلح الحجاز 1846 ثم انتقل إلى مصر، فمات بها عام 1906 والذي أنشأ مجلة "مصباح الشرق" فشارك ابنه محمد بالكتابة فيها، ونشر "حديث عيسى بن هشام" أو "فترة من الزمان" على صفحاتها عام 1907 ثم جمعها لتصدر في كتاب بعد ذلك. وبها نقد للأحوال الاجتماعية المصرية السائدة عقب الاحتلال الإنجليزي للبلاد.
وما يهمنا في هذا المقام، رحلة المويلحي إلى مدينة باريس، في معية أحمد باشا المنِيكلي ناظر الجهادية المصرية. والذي خرج من قبره وقت أن كان الكاتب يمشي بين القبور والرجام في منامه.
وقد اتخذ الكاتب قناع عيسى بن هشام ليتحدث من خلاله عن الأوضاع التي يريد انتقادها، فيقول في كل فصل: حدثنا عيسى بن هشام فقال، ويمضي في القول على لسان تلك الشخصية التي اخترعها والتي ارتبطت باسمه، فصار من يسمع اسم المويلحي يتذكر على الفور عيسى بن هشام، أو العكس.
في الفصل الأول "العبرة" يقول المويلحي:
حدثنا عيسى بن هشام قال:
"رأيت في المنام كأني في صحراء "الإمام"، أمشي بين القبور والرجام، يستر بياضها نجوم الخضراء، فيكاد في سنا نورها ينظم الدر ثاقبه، ويرقب الذر راقبه".
وهكذا يمضى أسلوب المويلحي على هذا النسق من المقامات والتقفية الثنائية المستمرة في كل جملة، إلى أن يقول:
"وبينا أنا في هذه المواعظ والعبر، وتلك الخواطر والفكر .. إذا برجة عنيفة من خلفي، كادت تقضي بحتفي، فالتفت التفاتة الخائف المذعور، فرأيت قبرا انشق من تلك القبور، وقد خرج منه رجل طويل القامة، عظيم الهامة، عليه بهاء المهابة والجلالة، ورواء الشرف والنبالة".
ولم يكن هذا الرجل سوى أحمد باشا المنيكلي الذي سيصطحب عيسى بن هشام في رحلاته وأسفاره بداخل البلاد وخارجها.
بطبيعة الحال ستحدث مواقف طريفة وضاحكة خلال تلك الرحلة، فأحمد باشا المنيكلي قادم من عصر قديم، يظن أن الوالي محمد علي باشا هو الذي يحكم مصر، وأن مازالت له السطوة والقوة في البلاد، ولكن يقبض على المنيكلي، ويدخل قسم الشرطة فيهدد ويتوعد على اعتبار أنه ناظر الجهادية المصرية، وتمضي الأحداث، ما بين المواعظ والاعتبار، وبين الفكاهة والابتسام، إلى أن يسافرا إلى باريس، وينضم إليهما أحد الأصدقاء.
"قال عيسى بن هشام: سبحان من لا تجري الأمور إلا بتقديره، ولا تنفذ العزمات إلا بتيسيره، فقد يسر الله لنا الرحلة إلى الديار الأوربية، لنشهد مظاهر المدنية الغربية، وبلغنا في سفرنا المدى، فألقينا بباريس العصا، وشرعنا نجوب منها الطرقات الجامعة، والساحات الواسعة".
لقد بهرهم الزحام في الليل والنهار، والأضواء القوية المبهرة، وكأن باريس البحر المسجور قام عليه شاطئان من نور. هكذا يتأملون البلد، وهم في حيرة واضطراب منها.
يقول عيسى بن هشام: "ولما أفقنا هنيهة، أخذ الباشا كعادته في السؤال، يستجلي منا واقعة الحال، ويقول: ما أشك في أن هذا اليوم يوم عيد، عند أهل هذا العالم الجديد".
وتمنى ثلاثتهم أن يصطحبهم أحد في تلك المدينة المزدحمة، ويتحقق طلبهم أثناء غذائهم في المطعم، فيلاحظون ثلاثة أشخاص يتحادثون، (كاتب وتاجر وحكيم) فيختارون الحكيم "فما أصلبه في قول الحق، وما أجرأه على الجهر بالصدق، وما أولانا بمعاشرة مثله نستبصر به ونسترشد".
ويبدو أن الحكيم كانت لديه الرغبة نفسها في مصاحبة هؤلاء الغرباء الثلاثة. ومن ثم يبدأ التعارف، ويزورون المعرض الكبير ذا الخمسين بابا والذي تعرض به كل صنوف الاختراعات، فهو "عكاظ الممالك والأمم، وسوق الأقدار والهمم، ومشهد النفائس والعظائم، ومظهر القوى والعزائم، وحلبة الابتكار والابتداع، وميدان الإنشاء والاختراع، ومعرض التبصر والاهتداء في حسن التقليد والاقتداء".
ويدخلون المعرض (الذي هو تلخيص لباريس نفسها) ويتجولون في أقسامه، ما بين فن التصوير والتشكيل (كأنه يتحدث عن معرض اللوفر)، ومعرض النباتات والزهور (كأنه يتحدث عن حديقة النباتات) .. الخ. وعندما يسأل الباشا الحكيم عن الغرض من هذا المعرض الباريسي، يجيب الحكيم: "الأصل فيه الكسب والربح والغرض منه عرض الأعمال والصناعات بما يظهر مقدار المسافة التي تقطعها الأمة من حين لآخر في باب الإجادة والإتقان، ليتضاعف الجد والاجتهاد، وتتسابق الهمم في أسباب التقدم والارتقاء في مدارج المدنية".
ولكن من خلال صفحات الرحلة سنلاحظ أن بعض المشاركين في المعرض لم يكن هدفهم سوى النصب والاحتيال، وخاصة الذي يمثلون أجنحة الشرق والبلاد الإسلامية المشاركة، ذلك أن الشركة المنظمة للمعرض أرادت أن تحقق أقصى ربح ممكن، فاتفقت مع بعض الشركات أو الأشخاص يقدمون أشياء مزيفة على أنها الأصلية، فينخدع الزوار بها، ويشترون منها، وتحقق الشركة المنظمة ربحا طائلا، يعوضها عن الخسارة التي قد تلحق بعض الأجنحة الأخرى، نتيجة قلة الإقبال عليها، أو عدم الشراء منها، مع أن الخسارة في نهاية الأمر ستلحق الذين اكتتبوا في هذه الشركة لصالح المعرض، فالشركة ستأخذ حصتها، والخسارة أو الربح يلحق المكتتبين.
لقد قسم المويلحي رحلة باريس إلى عناوين فرعية هي: المعرض، القصر الكبير، الأشجار والأزهار، المرائي والمشاهد، الافتراء على الوطن، خبز المدينة، المعجزة الثامنة، من الغرب إلى الشرق.
أما خبز المدينة، فهو في ذلك الوقت كان الفحم، مثله مثل البترول الآن.
أما المعجزة الثامنة فهي برج إيفل.
قال عيسى بن هشام: "ووقفنا نشاهد ذلك البرج المنيع، والعماد الرفيع، فهالتنا رفعته وأدهشتنا صنعته، فهو من باب المشاهدة الفريدة العصماء، والغرة الشهباء، والهضبة العلياء".
وقد أخبرهم الحكيم الفرنسي، أن أمر المسيو إيفيل صاحب هذا البرج العظيم انتهى بتهمة السرقة والاختلاس، وسجن في قضية "بناما" الشهيرة.
هكذا تنتهي رحلة عيسى بن هشام في باريس، تلك الرحلة التي كانت من خلال المعرض، وكأن المعرض هنا تخليص لمدينة باريس نفسها، كما سبق القول.
وننهي هذا المقال بكلام الحكيم الفرنسي عند وداعه لأصدقاء الرحلة الباريسية من المصريين، حيث قال:
"لهذه المدينة الكثير من المحاسن، كما أن لها الكثير من المساوئ، فلا تغمطوها حقها، ولا تبخسوها قدرها، وخذوا منها معشر الشرقيين ما ينفعكم، ويلتئم بكم، واتركوا ما يضركم، وينافي طباعكم، واعملوا على الاستفادة من جليل صناعاتها، وعظيم آلاتها، واتخذوا منها قوة تصد عنكم أذى الطامعين وشره المستعمرين، وانقلوا محاسن الغرب إلى الشرق، وتمسكوا بفضائل أخلاقكم وجميل عاداتكم، فأنتم بها في غنى عن التخلق بأخلاق غيركم، وتمتعوا في رخاء بلادكم، وسعة أرزاقكم، واحمدوا الله على ما آتاكم".
وكأن المويلحي في هذه العبارة على لسان الحكيم الفرنسي، يضع حلا للمعادلة الصعبة في علاقة الشرق بالغرب، وكيفية الاستفادة من الغرب مع المحافظة على عادات الشرق وتقاليده وأخلاقه. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية