ماذا وراء النزاع بين بلير وشيراك؟

تبادل العبارات الحادة يعكس حجم الأزمة بين بلير وشيراك

لندن - من كاترين فاي دو ليتراك وبوريس باشورز
ترتسم وراء النزاع بين بلير وشيراك معركة شرسة بين فرنسا وبريطانيا اللتين تريد كل منهما لتأكيد زعامتهما داخل الاتحاد الاوروبي الذي تشهد ملامحه تغيرا، كما يرى محللون في لندن.
فقد تدهورت العلاقات بين البلدين بصورة مثيرة خلال اسبوع وبلغ التدهور ذروته مع الاعلان عن تأجيل موعد انعقاد القمة الثنائية الى مطلع العام المقبل، كما اعلنت الرئاسة الفرنسية اليوم الاربعاء.
ووراء هذا التراجع الاتفاق الذي تم بين الرئيس جاك شيراك والمستشار الالماني غيرهارد شرودر خلال القمة الاوروبية في بروكسل الاسبوع الماضي لضمان تمويل السياسة الزراعية المشتركة حتى 2013.
وقال ايان بيغ، المتخصص في الشؤون الاوروبية في "لندن سكول اوف ايكونوميكس" ان "بلير منزعج جدا من اتفاق شرودر وشيراك من وراء ظهره، وخصوصا لتفادي ادخال اصلاحات على السياسة الزراعية المشتركة وهو موضوع يوليه البريطانيون اهمية كبيرة".
وتختصر السياسة الزراعية المشتركة بنظر البريطانيين، معظم مشكلات الاتحاد الاوروبي. والبرنامج الذي تقرر قبل انضمام لندن الى السوق المشتركة في 1973، يستهلك قرابة نصف الميزانية الاوروبية، ويعود في المقام الاول بالفائدة على المزارعين الفرنسيين ويتعارض مع تحرير التجارة العالمية الذي يدعو اليه توني بلير.
كما ان بلير صدم بسبب اصرار شيراك على اعادة مناقشة "الحسومات" في الميزانية الاوروبية والتي تستفيد منها لندن منذ 1984.
وبرز التوتر خلال جدال حاد بين بلير وشيراك الجمعة خلال قمة بروكسل. وذكرت بعض الصحف ان شيراك احتد بحضور عدد من القادة والمسؤولين، وتقدم باتجاه بلير وصرخ به "لقد كنت وقحا جدا ولم يسبق ان تحدث معي احد بهذا الشكل".
وذكرت صحيفة "تايمز" ان شيراك قال لبلير ان "قمتنا المقبلة الغيت".
ولكن بيتر هاين، المعين حديثا وزيرا لشؤون ويلز، والممثل البريطاني في الاتفاقية الاوروبية، اكد ان بلير "لم يكن وقحا" وتصرف على خلفية "موقف تفاوضي قوي وصريح".
وتخفي المشكلات الراهنة منافسة على تزعم اوروبا على ابواب عملية توسيع تشمل عشر دول من اوروبا الشرقية والجنوبية في 2004.
ومن جهة استفاد بلير لاحراز تقدم داخل اوروبا، من فتور الشراكة الفرنسية الالمانية خلال السنوات الماضية، ومن حالة التعايش بين اليسار واليمين التي شلت السياسة الفرنسية.
ويقول بيغ ان "بلير يريد ان يضع بريطانيا في قلب اوروبا، وليس على طرفها كما كانت في عهد مارغريت ثاتشر، وقد شعر بانه مهمش" في بروكسل.
وفي الجانب الاخر، فان شيراك حريص على العكس من ذلك على تأكيد نفوذ فرنسا داخل الاتحاد، مؤكدا ان مرحلة التعايش المخيفة انتهت.
وكتب فيليب دلفس بروتون في "ديلي تلغراف" انه "في قمة بروكسل، اعتقد شيراك انه تمكن اخيرا من احياء الشراكة الفرنسية الالمانية بعد سنوات سود. وعندما احتج بلير على اتفاقهما على السياسة الزراعية، كان مهما جدا بالنسبة له ان يعيده الى حجمه".
وتابع الصحافي ان "شيراك قال له (لبلير) ان النظام السابق عاد وان اميركا ليست هنا لتهب الى نجدتك".
ويتفق المحللون في الاقرار بان جاك شيراك كسب معركة بروكسل، ولكن ذلك لا يمنع الحكومة البريطانية من تفسير الامور على طريقتها.
ويقول الوزير بيتر هاين، ان توني بلير "شخصية مهمة جدا، ربما الاهم في اوروبا، وقد نجح في الحصول على اتفاق يحدد سقفا للميزانية الاجمالية للسياسة الزراعية المشتركة".
ولكن النتيجة النهائية لحرب النفوذ الفرنسية البريطانية غير محسومة.
ويقول توم اربوتنوت من مركز السياسة الخارجية، وهو مركز ابحاث مؤيد لسياسة بلير، ان "المحرك الفرنسي الالماني بات اسطورة من عدة اوجه"، وان الاتحاد الاوروبي يدار اليوم بطريقة اكثر "تعددية" كما تبين اعمال الاتفاقية الاوروبية.
ويتوقع انان مينون، مدير معهد برمنغهام الاوروبي للابحاث ان يؤدي توسيع الاتحاد الاوروبي الى تغيير المعطيات مع وصول دول اكثر تأييدا للحلف الاطلسي، وزيادة قوة المانيا، وتنامي دور المفوضية الاوروبية.
ويقول مينون في مقالة نشرتها "فايننشال تايمز"، ان "فرنسا لن تتمكن بالتالي من ممارسة نفوذها عبر التباهي وفرض ضغوط على الآخرين".